Uncategorized

أحداث عطلت الحج

أحداث عطلت الحج

أ. د. محمد محمود كالو

يعتبر الحج موسم عالمي للطاعة يشترك فيه كل أفراد الجنس البشري على اختلاف أعراقهم وأجناسهم وألوانهم ولغاتهم ، يتوافدون جميعاً ملبين نداء ربهم من كل حدب وصوب لأداء هذا الفرض والركن الخامس في الإسلام، وفرض الحج في السنة التاسعة للهجرة، قال الله تعالى: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج:27].وقد ذكرت كتب التاريخ أحداثاً تسببت في توقف موسم الحج ما يقارب أربعين مرة، وذلك لأسباب عديدة أكثرها أسباب سياسية، أو بسبب انتشار الأوبئة، أو الظروف المناخية، أو بسبب غلاء الأسعار، أوالخوف من قطاع الطرق وغير ذلك من كروب الدروب، من أهم هذه الأحداث:-ففي سنة 72 هجرية: وقع بين الأمويين والزبيريين صراع لم يستطع أهل مكة أن يحجوا، قال الطبري رحمه الله تعالى: “وحج الحجاج بالناس في هذه السنة، وابن الزبير محصور، وكان قدوم طارق مكة لهلال ذي الحجة، ولم يطف بالبيت، ولم يصل إليه وهو محرم، وكان يلبس السلاح، ولا يقرب النساء ولا الطيب إلى أن قتل عبد الله بن الزبير ونحر ابن الزبير بدنا بمكة يوم النحر، ولم يحج ذلك العام ولا أصحابه لأنهم لم يقفوا بعرفة”. [تاريخ الطبري، دار التراث، بيروت، الطبعة الثانية، 1387هـ: 6/175].-وفي سنة 145 هجرية: حين ثار النفس الزكية في الحجاز والبصرة، فما كان من والي مصر العباسي يزيد بن حاتم المهلبي الأَزْدي إلا أن منع الناس من الحج، قال يوسف بن تغري: “وكان يزيد منع الناس من الحج في سنة خمس وأربعين ومائة، فلم يحجّ فى تلك السنة أحد من مصر ولا من الشام لما كان بالحجاز من الاضطراب من أمر بني الحسن” [النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، لابن تغري بردي، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دار الكتب، مصر: 2/3].-وقد توقف الحج بسبب سُلَيْمَان بن أبي سَعِيد الحَسَن بن بهرام الجنابيّ القَرْمَطيّ سنة 317 هـ، لاعتباره الحج من الأعمال الجاهلية، وذلك بحسب ما ذكره الذهبي: “فقتل الحجيج في المسجد الحرام قتلاً ذريعاً وفي فجاج مكة وفي داخل البيت، وقتل ابن محارب أمير مكة، وعرى البيت، وقلع بابه، واقتلع الحجر الأسود فأخذه. وطرح القتلى في بئر زمزم، ورجع إلى بلاد هجر ومعه الحجر الأسود. وامتلأت فجاج مكة بالقَتْلى… واستقبل النّاس وهو يَقُولُ:أَنَا بالله وباللَّه أَنَا … يخلق الخلق وأفنيهم أَنَاوقتل في سكك مكّة وشعابها زهاء ثلاثين ألفًا، وسبى من النّساء والصّبيان مثل ذَلِكَ. وأقام بمكة ستّة أيام، وأوقع بهم في سابع ذي الحجّة. ولم يقف أحدٌ تِلْكَ السنة وقفة، فرماه اللَّه في جسده وطال عذابه حتّى تقطعت أوصاله.”. [تاريخ الإسلام للذهبي، تحقيق: بشار عوّاد معروف، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، 2003م:7/217].وبقي الحجر الأسود عندهم اثنتان وعشرين سنة.-وفي سنة 357 هجرية: “في تشرين عرض للناس داء الماشري فمات به خلق كثير، وفيها مَاتَ أَكْثَرُ جِمَالِ الْحَجِيجِ فِي الطَّرِيقِ مِنَ الْعَطَشِ، وَلَمْ يَصِلْ مِنْهُمْ إِلَى مَكَّةَ إِلَّا القليل، بل مات أكثر من وصل منهم بعد الحج”. [البداية والنهاية لابن كثير، تحقيق: علي شيري، دار إحياء التراث العربي، الطبعة: الأولى 1408، هـ – 1988 م: 11/301].-ويقول ابن الأثير في أحداث عام (417هـ(: “فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ بِالْعِرَاقِ بَرْدٌ شَدِيدٌ جَمَدَ فِيهِ الْمَاءُ فِي دِجْلَةَ وَالْأَنْهَارِ الْكَبِيرَةِ، فَأَمَّا السَّوَاقِي فَإِنَّهَا جَمَدَتْ كُلُّهَا، وَتَأَخَّرَ الْمَطَرُ وَزِيَادَةُ دِجْلَةَ، فَلَمْ يُزْرَعْ فِي السَّوَادِ إِلَّا الْقَلِيلُ. وَفِيهَا بَطَلَ الْحَجُّ مِنْ خُرَاسَانَ وَالْعِرَاقِ”. [الكامل في التاريخ لابن الأثير، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 1417هـ 1997م: 7/696].-وفي سنة 417 هجرية قال ابن كثير: “وَوَقَعَ فِي سَلْخِ شَوَّالٍ بَرَدٌ لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ، وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ إِلَى الْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَجَمَدَ الْمَاءُ طُولَ هَذِهِ الْمُدَّةِ، حَتَّى حَافَّاتِ دِجْلَةَ وَالْأَنْهَارِ الْكِبَارِ، وَقَاسَى النَّاسُ شِدَّةً عَظِيمَةً، وَتَأَخَّرَ الْمَطَرُ وَزِيَادَةُ دِجْلَةَ، وَقَلَّتِ الزِّرَاعَةُ، وَامْتَنَعَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ عَنْ التَّصَرُّفِ. وَلَمْ يَحُجَّ أَحَدٌ مِنَ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ لِفَسَادِ الْبِلَادِ وَالطُّرُقَاتِ”. [البداية والنهاية: 15/610-611].-وفي سنة 419 هجرية ” وَلَمْ يَحُجَّ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَلَا مِنْ أَهْلِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، إِلَّا أَنَّ قَوْمًا مِنْ خُرَاسَانَ رَكِبُوا فِي الْبَحْرِ مِنْ مَدِينَةِ مُكْرَانَ فَانْتَهَوْا إِلَى جَدَّةَ فَحَجُّوا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَحِمَهُمْ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ” [البداية والنهاية: 15/621].-وفي سنة 421 هجرية: “تَعَطَّلَ الْحَجُّ أَيْضًا مِنْ بِلَادِ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ لِفَسَادِ الْبِلَادِ، وَلَمْ يَحُجَّ أَحَدٌ سِوَى سَرِيَّةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ ; رَكِبُوا مِنْ جِمَالِ الْبَادِيَةِ مَعَ الْأَعْرَابِ مُخَاطَرَةً، فَفَازُوا بِالْحَجِّ”.[ البداية والنهاية:15/631].-وفي سنة 430 هجرية ” وَلَمْ يَحُجَّ أَحَدٌ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ، وَلَا مِنَ الشَّامِ وَمِصْرَ إِلَّا الْقَلِيلُ”.[البداية والنهاية: 15/674].-وفي سنة 650 هجرية: ذكر سبط ابن الجوزي المعاصر لتلك الأحداث: “وحجَّ النَّاس من بغداد بعد عشر سنين بَطَلَ الحج فيها؛ منذ مات المستنصر وإلى هذه السنة” [مرآة الزمان في تواريخ الأعيان، دار الرسالة العالمية، دمشق، الطبعة الأولى، 1434 هـ – 2013 م: 22/421].-وتعطل الحج بسبب المغول والتتار سنوات عديدة.وبالجملة فإن مما يلفت النظر في قراءة كتب التاريخ تكرار العبارة التالية: (وفيها لم يحجّ أحد من العراق. وحجّ الناس من غيرها)، مما يدل أن أكثر الناس الذين حرموا من الحج عبر التاريخ هم أهل العراق.-وفي الفترة الأخيرة تعطل الحج بسبب فيروس كورونا- كوفيد 2019م.فقد قررت المملكة السعودية إقامة حج عامي 1441-1442هـ بأعداد محدودة جدًا للراغبين في أداء مناسك الحج لمختلف الجنسيات من الموجودين داخل المملكة، وذلك حرصًا على إقامة الشعيرة بشكل آمن صحيًا وبما يحقق متطلبات الوقاية والتباعد الاجتماعي اللازم لضمان سلامة الإنسان وحمايته من مهددات هذه الجائحة، وتحقيقًا لمقاصد الشريعة الإسلامية في حفظ النفس البشرية.-وقد أعلنت وزارة الحج والعمرة في السعودية رفع عدد حجاج موسم حج هذا العام 1443 هجري الموافق لـ2022 ميلادي، إلى مليون حاج من داخل المملكة وخارجها، نسأل الله تعالى لجميع الحجاج الأمن والسلامة والسكينة والطمأنينة والرضا والراحة والقبول في سفرهم ومشاعرهم.فينبغي اغتنام فرصة كون الحج ممكناً والفوز بهذا الثواب العظيم قبل فوات الأوان، لأنه فائت قرب قيام الساعة وخراب الدنيا.وأخيراً: اعلم أن من نوى الحج وأراده ورغب فيه وتمناه ولكنه عجز عنه فإن الله تعالى بواسع فضله ورحمته لا يحرمه الأجر والثواب؛ لأن الأعمال بالنيات، ولكن هذه النية لا تسقط عنه حج الفريضة، كما أنَّ مَنْ نوى الحج ولم يحج فلا دَمَ عليه.

GTU – UNIVERSITY GENERATIONS AND TECHNOLOGY

About the author

admin

Leave a Comment