قراءة في السياق التاريخي والسياسي مع الإشارة إلى تصريحات الشيخ حكمت الهجري

النزعات الانفصالية في سوريا: قراءة في السياق التاريخي والسياسي مع الإشارة إلى تصريحات الشيخ حكمت الهجري بقلم الدكتور محمد نضال هادي خلوف Nedal Khalouf أستاذ مساعد في القانون الدولي الإنساني مقدمة شهدت سوريا محاولات متعددة لتقسيم أراضيها أو إقامة كيانات محلية، سواء أثناء الانتداب الفرنسي أو في مراحل متقدمة من ضعف الدولة. ويعكس تكرار النزعة الانفصالية مزيجًا من العوامل الطائفية والسياسية والتدخلات الخارجية. يتناول هذا المقال تطور هذه النزعات ويحلل سياقاتها التاريخية، مع قراءة معاصرة لتصريحات الشيخ حكمت الهجري في أغسطس عام 2025. أولاً: السياق التاريخي للنزعات الانفصالية في سوريا - خلال فترة الانتداب الفرنسي (1920–1946)، تم تأسيس كيانات طائفية مثل دولة جبل الدروز، ودولة العلويين، وفشلت جميعها بسبب ضعف القاعدة الاقتصادية والشعبية، ومقاومة السوريين الوطنيين. - في القرن السابع عشر، أنشأ الأمير فخر الدين المعني كيانًا واسع النفوذ امتد حتى دمشق، لكنه فشل أيضًا بسبب غياب الاعتراف المركزي والتدخل العثماني. ثانيًا: الحركات الانفصالية الحديثة – نموذج 2017 - في عام 2017، سعت قسد إلى استقلال فعلي في الشمال الشرقي، مدعومة من التحالف الدولي، إلا أن الاستفتاء في كردستان العراق (سبتمبر 2017) أثبت هشاشة مثل هذه المشاريع حين تخلى المجتمع الدولي عنها بسرعة، وتم إحباطها عسكريًا واقتصاديًا. ثالثًا: تصريحات الشيخ حكمت الهجري – أغسطس 2025 في تصريح مفاجئ، طالب الشيخ حكمت الهجري بـ"كيان مستقل" في محافظة السويداء، داعيًا إلى دعم خارجي وتغطية إعلامية دولية. ورغم رمزيته الدينية لدى شريحة من الدروز، فإن التصريحات قوبلت برفض واسع من الطيف الوطني، ومن داخل الطائفة الدرزية ذاتها. - تُعيد هذه الدعوة إلى الأذهان تجربة دولة جبل الدروز (1921) التي دعمتها فرنسا وفشلت. - كما تُظهر غياب الرؤية الواقعية، إذ لا تستند إلى شرعية دستورية، ولا تحظى بدعم شعبي واسع، وتعتمد على الخارج الذي غالبًا ما يتخلى عن مثل هذه المشاريع عند تغيّر الظروف. رابعًا: البعد القانوني والدستوري يناقض أي مشروع انفصالي الدستور السوري الذي ينص في مادته الأولى على أن سوريا دولة موحدة. كما يتعارض مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة حول احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها. خامسًا: مواقف الطائفة الدرزية تاريخيًا ساهم الدروز بشكل فاعل في بناء الدولة السورية، وكانوا في طليعة الثورة السورية الكبرى 1925. ومن غير الدقيق نسب طروحات انفصالية إلى طائفة بأكملها بناءً على موقف زعيم أو شيخ. التاريخ يؤكد تمسّك الدروز بالوحدة الوطنية. سادسًا: أوجه الشبه والاختلاف مع التجارب العربية الأخرى - جنوب اليمن 1994 وكردستان العراق 2017 نموذجين لتجارب انفصال فشلت رغم الزخم الإعلامي والدعم الخارجي المؤقت. - يُظهر التاريخ أن التفكك الفعلي لا يتحقق إلا إذا توافرت شروط داخلية عميقة، وإرادة دولية ثابتة، وكلاهما غير متوافر في الحالة السورية. خاتمة إن تصريحات الانفصال، سواء من زعامات دينية أو فصائل مسلحة، تعيد إنتاج تجارب أثبتت فشلها. ولا يمكن إنكار أن الانهيار المؤسسي ولد فراغًا استغلته بعض الجهات، لكن الرهان على كيانات منفصلة بعيد عن الواقعية السياسية، ويتناقض مع إرادة غالبية السوريين. الحل يكمن في تعزيز اللامركزية الإدارية، وضمان العدالة في توزيع السلطة والثروة، ضمن دولة موحدة، لا عبر مشاريع التقسيم. الدكتور محمد نضال هادي خلوف أستاذ مساعد في القانون الدولي الإنساني مع تحيات كلية القانون الدولي والعلوم السياسية University Generations and Technology