بقلم مواهب بوناصيف التطور النفسي عبر مراحل العمر تطورٌ نفسيّ، ينبضُ بقلبٍ صغير، لجنينٍ يتهيّأ في رحمِ الانبثاق، يرتوي بأصداء الشعور، بأصواتٍ وضجيجٍ يأتيه من العالمِ الخارجي. تلمسُه الأمّ في حنوّ، فيرتعشُ كأنّه يردّ التحيةَ بخفقةِ اطمئنان. عند الولادة، تبدأ رحلته النفسية الكبرى. في سنوات الطفولة المبكرة (0-6 سنوات)، يكون أول نفسٍ هو إعلانُ وجود، وأولُ صرخةٍ هي استغاثةٌ للحياة، للدفء، لحضنٍ يحتضن المعنى. عيونُه تُبحر في المحيطِ تبحثُ عن أمانٍ، وصمتهُ يُدوّن أول خيوطِ المسير، بصمتٍ يفيضُ نطقًا. تبدأ الذات الصغيرة تبني أركانها على ضوء ابتسامة الأم ولمسة الأب، تمضي السنون، ويكبر الوعي في الطفولة، حيث يصبح اللعب مرآةً للنفس. في الطفولة المتوسطة (6–12 سنة)، تغدو المدرسة صدىً للصوت الداخلي، وتمتص نفسية الطفل كل المؤثرات والتفاصيل التي تدور في محور حياته. يتعلم، يتعثر، وتستمر الحياة في تشكيل ذاته وبلورة وعيه. يثم يبلغ عتبة المراهقة (12–18 سنة)، سنّ التغيّرات الجسدية والنفسية، وتعلو في داخله تلك التساؤلات: "من أنا؟" صراع بين التمرد والصمت، بين الحُلم والاندفاع، فتولد النسخة الأولى من الإنسان، بعد اشتباك داخلي بين قلة النضج وبوادر الحكمة، ليصوغ ملامح شخصيته، وتغدو الانعكاسات مرآة لتكوين روحه. في مطلع الشباب (18–35 سنة)، تبدأ الحكايةُ الأولى: حكايةُ الاكتشاف والاختيار. هنا، يتجه الإنسان نحو تخصصه العلمي، ويختبر ميوله، ويصطفي من المحن ما يُظهر قدراته. إنها لحظة الوعي المتقد، حيث تتّضح الملامح الأولى للذات، ويتهيأ القلب والعقل لخوض مغامرة تحقيق المعنى. في هذه المرحلة، يلامس القلب دفء الحب، ويذوق مرارة الفُرقة، ويخوض رحلة البحث الحثيث عن موطئ قدم تحت شمس العالم. تختبر الروح حميميتها، ويتجلّى الشعور الإنساني في تفاعله مع الآخر، في بناء الكيان العملي والاجتماعي، وفي توقٍ دفين للاستقرار العاطفي والعائلي. إنه زمن الازدهار العقلي والنفسي، أيقونة الروح، ووهج البداية في درب الحياة. ثمّ تأتي منتصف العمر (35–60 سنة)، وهي المرحلة المختمرة بعصارة التجربة، وثمار العلم، ويقين المعرفة. هنا، يتقدم الإنسان وقد أثقلته المسؤوليات، واشتدت حاجته إلى الإنجاز وترك الأثر: في جيل ينشأ، أو مشروع يُبنى، أو قيمة تُغرس. يصطدم في داخله صراع خفيّ بين وهج الإنتاج وبين ظلال الركود أو الفراغ، فتكون الحكمة هي النبراس، يعود بها إلى ذاته، يتأمل ما زرعه، ويطمح أن تمتد جذوره في وعي الأجيال القادمة. وحين تشرق الشيخوخة (60 سنة فما فوق)، تنبعث رغبة هادئة في مراجعة الحياة، في تفحّص السجل الداخلي واستخلاص المعنى من حصاد العمر. هل تحقق الاتساق بين ما أراد وما فعل؟ أم ما زالت بين الضلوع شقوق يأسٍ من فرصٍ فاتت؟ إنها لحظة صراع الأنا الناضجة، النفس التي تترنّح بين السلام الداخلي وحسرة الإمكانات الضائعة. وهكذا، تتقلب النفس بين مواسم العمر، لكل مرحلة سرّها الخفي، وكل تجربةٍ نقشةٌ على الجدار الداخلي، تترك درسًا لا يُنسى، وعبقًا لا يُمحى، وبصمةً تتوهّج في مسار الحياة بقلم الأستاذة مواهب ابراهيم بو ناصيف كلية العلوم الاجتماعية قسم علم النفس University Generations and Technology GTU – UNIVERSITY GENERATIONS AND TECHNOLOGY UNIVERSITY GENERATIONS AND TECHNOLOGY Generations and Technology University