خُدَّام المُستبدِّين خرجَ هارون الرّشيد حاجاً، وكان من عادته أن يحجّ عاماً ويغزو عاماً، ولمّا أتمّ المناسك، زار المدينة المنوّرة، وكان مُحبّاً للعلم والعلماء، فأرسلَ في طلب الإمام مالك ليأتي إليه ويُعلّمه، فامتنع مالكٌ عن المجيء، وقال قولته الشّهيرة: العِلمُ لا يأتي وإنما يُؤتى إليه! فما كان من الرّشيد إلا أن حضر إلى مجلس مالك في المسجد النّبويّ، ولكنّه طلب أن يقتصر المجلس عليه وعلى من معه، فقال مالك قولته الشّهيرة الأخرى: لا خير في علمٍ يُوضعُ للخاصة وتُحرمُ منه العامة! فامتثل الرّشيد وجلسَ بين النّاس! وإنك لا تدري لأي الرّجلين منهما تعجب، للإمام الزّاهد في الخليفة، أم للخليفة المتمسّك بالإمام؟ وهو الذي كان يخاطب السّحابة قائلاً: أمطري حيث شئتِ فسيأتيني خَراجُكِ! مُذ وُجدت السّلطة على الأرض وهي تحاول عقد قِرانٍ مع فئة من فئات المجتمع من أجل تطويع البقية، فوجدت السّلطة ضالّتها المنشودة في بعض رجال الدّين الذين يتملقون الحكام، إنهم خُدَّام الاستبداد الذين يغالون في مفهوم “طاعة ولاة الأمور” فوق القدْر الشرعي المأمور به، وينفرون من الاحتساب على الولاة والحكام، ويميلون للتفهم الشرعي لكل أمر يأمر به المسؤولون، ويبحثون في النصوص الشرعية أو التراث الإسلامي لتبرير وتسويغ أوامر المستبدين، حتى لو كان بنوع من التطويع ولَيِّ أعناق النصوص، والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء: 59]، حيث أعاد الباري سبحانه وتعالى الفعل (أَطِيعُوا) مع الرسول، ولم يعده مع أولي الأمر؛ للإشارة إلى استقلال الرسول صلى الله عليه وسلم بالطاعة حتى ولو لم يكن منصوصاً عليه في القرآن؛ لأنه لا ينطق عن الهوى، وللإيذان بأن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم أعلى من طاعة أولى الأمر، ولأن طاعة أولي الأمر ليس مستقلاً عن طاعة الله ورسوله، فلا يعطفون على الله ورسوله بوجوب الطاعة لهم، لذلك قال: {وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ} أي: وأولى الأمر حالة كونهم كائنين منكم، أي من دينكم وملتكم، فطاعتهم إنما تكون في غير معصية الله تعالى، فإذا أمروا بما يتنافى مع تعاليم الدين فلا سمع لهم على الأمة ولا طاعة، لذلك قال أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه عندما خطب في الناس بعد توليه: “أطيعوني ما أطعتُ اللهَ ورسولَه، فإذا عصيتُ الله ورسولَه فلا طاعةَ لي عليكم". وإننا لنجد كثيراً من النصوص الشرعية تحتمل عدة دلالات نتيجة طبيعة بنيتها اللغوية، وهي قضية دلالية، وعلماء المسلمين يتعاملون مع هذه الاحتمالات الدلالية بمنهج علمي رصين لتحديد الدلالة التي تعبر عن مراد الله تعالى، هذا هو المسار الطبيعي للعالِم المستقل المتحرر من الاستبداد، أما الخانعون للاستبداد فإنهم لا يرجِّحون بين هذه الاحتمالات الدلالية بمنهج علمي، وإنما ينتقون من هذه الدلالات ما يتوافق مع اتجاه المستبدين الذين يخضعون لهم. ومن العجائب أن نجد بعض خُدَّام المستبدين يقول لك: (انتقِد الأفكار لا الأشخاص)، عجبي ألم يكن السلف ينتقدون الأشخاص والأفكار كليهما معاً، فلم يكن لدى السلف أصلاً هذا التمييز “انقد الفكرة لا الشخص”، لكننا نسمع بذلك في عصر الخضوع لسحر “النموذج الليبرالي” الذي يغالي في حرية الأشخاص، لذا يقول مالك بن نبي: عندما تغرب الفكرة يبزغ الصنم. وبعض خُدَّام المستبدين صار لديهم مشكلة مع “إنكار المنكر” لأنها تخالف الحرية التي تشرَّبَها من النموذج الليبرالي المهيمن في هذا العصر، فتراه إذا شاهد أحداً ينكر منكراً قال: “هذا إقصاء”، أو “هذه وصاية”، وعبارة “إقصاء” و”وصاية” ليست مجرد تعبير أدبي، بقدر ما هي تحمل ثقافة تنبض بالليبرالية في داخلها. ومن المقولات الليبرالية التي راجت بين كثير من المنتسبين للثقافة المعاصرة عبارة “تكلم لكن لا تمد يدك” وقريب منها عبارة “تنتهي حريتك حيث تبدأ حرية الآخرين”، فإذا سألته: لماذا يجوز أن تتكلم، ولا يجوز أن تمد يدك؟ قال لك: حرية التعبير متاحة، لكن أن تمد يدك فهذا عدوان. حسناً.. إذا كان الكلام عدواناً على الله أو رسوله أو الصحابة أو أحد شرائع الإسلام، فهل سيبقى الكلام أهون من اليد؟! مثل هذه المقولات ليست مجرد آراء، بل هي “معايير” تجري في عروقها دماء الليبرالية الغربية، حيث تفرق بين “الرأي” و”الفعل”، وتميل إلى فتح المجال للرأي إلى نهاية الطريق، بينما تميل إلى ضبط الفعل بالقوانين، وهذا طبعاً نسبيّ عندهم. لكن هذا التصور ليس موجوداً عندنا نحن المسلمين، لأننا نعتبر العدوان على الله تعالى ورسوله أعظم من العدوان على الحقٍ الشخصيّ؛ لأن الله ورسوله أعظم في نفوسنا من كل أحد في هذه الدنيا، بخلاف الشخص الغربي الذي لا يعظّم إلا نفسه. فالرأي المنحرف في ميزان الشريعة قد يكون أخطر من الفعل المنحرف، والعدوان بالرأي على الشريعة، قد يكون أعظم من العدوان بالفعل على المسلمين. إنها الهزيمة المضمرة والخنوع والخضوع بين ثنايا حروف خُدَّام المستبدين، وما أكثر هؤلاء الذين يتوهمون أنهم مستقلون، وهم يرسفون في الأصفاد منذ أمد. وخُدَّام المستبدين هؤلاء يقال عنهم أيضاً: علماء السلاطين وفقهاء البلاط، وهم من أهم أسباب تمكين الظَّلمة وتخلُّف الأمة، ووجودهم في أماكن صنع القرار يُعتبر أفضل طريقة لتجنيد الشباب في التنظيمات المتطرفة. وأخيراً يقول عبد الرحمن الكواكبي في كتابه (طبائع الاستبداد): من أقبح أنواع الاستبداد استبداد الجهل على العلم. الأستاذ الدكتور محمد محمود كالو GTU – UNIVERSITY GENERATIONS AND TECHNOLOGY UNIVERSITY GENERATIONS AND TECHNOLOGY Generations and Technology University