الدليل والذوق ، والعلم والروح ،

الدليل والذوق ، والعلم والروح ، كنت اقرأ موعظة في تعزية، خشعت لها القلوب وذرفت لها العيون، وردت رواية عن أحد الصالحين من رقائق القلوب ، فقاطعني شاب متحمس قائلا: ما هو سندها ؟ فاظلمت القلوب بعد نور وعدنا القهقرى ، واغلق على قلبي قبل لساني. ليس كل ما يُروى يُسأل عنه: ما دليله؟ ففي الدين من المعاني ما تصدقه الأرواح قبل أن تقره الأسانيد، ومن الحكم ما تلقته الأمة بالقبول، فصار صداه في القلوب أصدق من نقله في الكتب. إن من الحديث ما ضعف لفظه، وقوي معناه، تلوح فيه أنوار القبول كالشمس في فجرها؛ إذ دلت عليه الأدلة العامة، وأومأت إليه مقاصد الشريعة، فاستراح له قلب المؤمن كما تستريح الطيور إلى أوكارها. وفي المواعظ والرقائق ما لا يقاس بميزان الرواة، بل بميزان القلوب، فهي رسائل تبعث لإيقاظ جذوة الحب، وشوق الروح إلى مولاها، وتذكير القلب بأن وراء ظواهر النصوص أنوارا لا تدركها الأبصار ولكن تدركها البصائر. فليس الدين دليلا جامدا يقرأ في بطون الكتب، بل هو حياة تستشعر، ونور يرى في خلوة العابد، وخشوع تسري فيه نسائم الأنس واليقين. وإن من الناس من إذا سمع موعظة رق لها قلبه، وسالت عبرته، وارتفعت روحه في علياء الخشوع، فيأتيه بعد ذلك متحمس الأدلة، فيقول له في برود من الجدال: ما سنده؟ فإذا بالحبل ينقطع بين القلب وربه، ويذبل النور في العين، وتغيب الرهبة، وتفسد تلك اللحظة التي كان فيها القلب قريبا من الله. إن الموعظة إذا حوصرت بأسوار الجدل، ماتت فيها الروح، وصارت ألفاظا بلا حياة. فالبحث العلمي له مقامه الشريف، لكنه مقام للعقل، لا للروح، ومجاله المنبر والمناظرة، لا المحراب والمناجاة. وأما مجال الذكر والموعظة والرقائق، فذلك حقل الأرواح، وسماء الإيمان، لا يثمر فيه إلا من سقى قلبه بالسكينة والتواضع. من كانت بصيرته لا ترى إلا الدليل، ولا يشعر في الدين إلا بميزان الجرح والتعديل، فهو في خطر أن يتحول علمه إلى جمود، وفقهه إلى جدال، ولسانه إلى سيف يقطع ولا يحيي. وإن الذي لا يجد إلى قلبه سبيلا من النور، لا تجد إليه الألفة سبيلا، لأن المحبة لا تسكن قلبا أغلقه صاحبه على المنازعة والمراء. فيا أيها المتفقهون، اجعلوا للعلم مكانه، وللروح مقامها، ولا تخلطوا مجالس الذكر بمنازلات الفقهاء. فالأمة لا تبنى بالجدال، ولكن تبعث من جديد إذا أُحييت فيها روح المحبة والخشوع والتواضع، وعاد الناس يسألون لا عن الدليل فحسب، بل عن الطريق إلى الله. د.محمد سعيد السلمو. Generations and Technology University