بقلم الدكتور مروان أحمد بحري الاستسلام لدوافع الفشل الداخلي: حين تصبح المؤامرة الدولية غطاءً للعجز الذاتي مقدمة عبر التاريخ، شكّلت ظاهرة إلقاء اللوم على القوى الخارجية والمؤامرات الدولية آلية دفاعية تستخدمها النخب والفاشلون لتبرير إخفاقاتهم. لكن المفارقة المأساوية تكمن عندما تكون هذه النخب "أشد أذىً لأنفسهم من أعدائهم"، كما وصفها الناقد، فيتحول خطاب المؤامرة من مجرد تبرير إلى أداة لتكريس التخلف وإضفاء الشرعية على الفشل. هذا المقال يتقصى هذه الظاهرة من منظور تحليلي، مستنداً إلى شواهد تاريخية ونفسية تثبت أن الأمم التي تنتصر على عدوها الداخلي تكون أقدر على مواجهة أي عدو خارجي. الفصل الأول: تشريح الآلية - لماذا نلقي باللوم على الخارج؟ تُعتبر هذه الآلية مظهراً من مظاهر ما يعرف في علم النفس بـ "الانحياز الإسنادي الخارجي"، حيث يميل الأفراد والجماعات إلى إرجاع أسباب فشلهم إلى عوامل خارجية خارجة عن إرادتهم، حفاظاً على الصورة الذاتية وتجنباً لمواجهة مرارة الحقيقة. ولفهم هذه الآلية بشكل أعمق، يمكننا الاستعانة بمفهوم "القابلية للاستعمار" الذي طوره المفكر مالك بن نبي، حيث يؤكد أن المجتمع يصبح قابلاً للهزيمة والاستعمار عندما يفقد فاعليته ويصبح كياناً مستهلكاً فقط، منتظراً الحلول من الخارج. هذه القابلية هي التي تمهد الطريق لأي مؤامرة خارجية. · المثال التاريخي الأول: سقوط الدولة العثمانية لم يكن تقسيم الدولة العثمانية(مشروع سايكس بيكو) نتيجة للمؤامرة الغربية وحدها، بل كان ثمرة لسنوات من الترهل الداخلي، والتخلف العلمي، وفشل النظام السياسي، واستمرار سياسة التأجيل في إدارة الدولة. لقد سبق العجز الداخلي المؤامرة الخارجية وسهل الطريق لها. وكما أشار ابن خلدون في مقدمته، فإن "الجهالة والظلم" هما من أمارات انهيار العمران البشري، وقد تجلت هذه الأمارات بوضوح في المراحل الأخيرة من حكم العثمانيين. · المثال التاريخي الثاني: الفشل التنموي في دول ما بعد الاستقلال العديد من الدول التي حصلت على استقلالها في القرن العشرين واصلت طريق التخلف،ليس بسبب المؤامرات فقط، بل بسبب فساد النخب الحاكمة التي يسلمون مصير البلاد للجهلة والانتهازيين، ثم يلقون باللوم على "الاستعمار الجديد". ففي بعض الدول الإفريقية، مثلاً، تحولت الثروات الوطنية إلى مزرعة شخصية للنخب، بينما يُلقى باللوم على الشركات متعددة الجنسيات، متناسين أن الفساد الداخلي هو من فتح الباب لتلك الشركات واستمراء وجودها. الفصل الثاني: تشخيص الداء - "أشد أذىً لأنفسكم من أعدائكم" هذه العبارة تلخص جوهر المأساة. العداء من الخارج قد يكون محمود العواقب أحياناً، إذ يثير الحماسة ويوحد الصفوف. لكن العداء الداخلي، عندما تتحول النخب إلى طفيليات تنهش جسد الأمة، هو الداء العضال. إنه يشبه المرض الذي ينخر في أعضاء الجسد من الداخل، فيصبح غير قادر على مقاومة أي فيروس خارجي. · الشاهد النفسي: عقلية الضحية تؤدي ثقافة لوم الآخر إلى تعطيل الإرادة وترسيخ"عقلية الضحية"، وهي حالة نفسية جماعية تتخلى فيها الأمة عن مسؤوليتها وتصبح متلقياً سلبياً للأحداث، منتظرةً المنقذ الخارجي أو متذمرة من الظالم الخارجي. هذا يقتل روح المبادرة والإبداع، ويحول المجتمع من فاعل في التاريخ إلى مجرد متفرج عليه. · الشاهد التاريخي: نهضة ألمانيا واليابان بعد الدمار بعد الحرب العالمية الثانية،كانت ألمانيا واليابان دولتين منهزمتين مدمرتين تماماً. لكن بدلاً من إلقاء اللوم على دول الحلفاء والمؤامرات، ركزتا على إصلاح التعليم، وتعزيز قيم الانضباط والإنتاجية، وبناء مؤسسات ديمقراطية فعالة. لم تنكرا الظلم الذي تعرضتا له، لكنهما لم تجعلاه عذراً للفشل. خلال عقود قليلة، تحولتا إلى قوتين اقتصاديتين عظميين. الفارق لم يكن في غياب المؤامرات، بل في وجود الإرادة الداخلية والمناعة المجتمعية. · نموذج النهضة من العالم الإسلامي: محمد علي في مصر في بداية القرن التاسع عشر،وفي ظل وجود قوى استعمارية ناشئة، استطاع محمد علي أن يبني دولة قوية ذات جيش نظامي وصناعة متطورة ونظام تعليمي حديث. لقد ركز أولاً على بناء الدولة من الداخل، وقضى على الفساد الداخلي، واستقطب الكفاءات، قبل أن تتآمر عليه القوى الخارجية وتقضي على مشروعه. هذا يثبت أن البناء الداخلي هو الحصن الحقيقي ضد المؤامرات. الفصل الثالث: أمثلة معاصرة - استمرار النمط في العصر الحديث · الحالة الأولى: فشل الأنظمة الشمولية تبرر العديد من الأنظمة الشمولية أزماتها الاقتصادية والمعيشية بـ"الحصار الاقتصادي" و "المؤامرة الدولية". بينما تقارن الدراسات الاقتصادية بين دول تعرضت لحصار مشابه واستطاعت بتخطيط سليم وحوكمة رشيدة أن تتجاوز آثاره، وبين دول انهار اقتصادها بسبب الفساد وسوء الإدارة أكثر من أي حصار خارجي. · الحالة الثانية: إهدار الثروات والموارد كيف يمكن لدولة غنية بالموارد الطبيعية مثل النفط أن تكون مثقلة بالديومدينة بلا خدمات أساسية؟الجواب غالباً ما يكون في الذين يديرون هذه الثروات: صفقات مشبوهة، وعقود باهظة، ورواتب متضخمة للنخبة، واستثمارات في مشاريع وهمية. حين ينهار الأمر، يظهر الخطاب الرسمي ليتحدث عن "أجندات خارجية" و "حرب اقتصادية" تستهدف الدولة. معالجة الحجة المضادة: أليست المؤامرات حقيقية؟ لا ينفي هذا التحليل وجود مؤامرات حقيقية أو صراعات مصالح دولية، فهي واقع جيوسياسي لا يمكن تجاهله. لكن الفارق الجوهري هو أن الدول القوية تتعامل مع هذه المؤامرات كمعطى من معطيات الصراع، فتعمل على تحييدها وتعزيز مناعتها الذاتية، بينما تستخدمها الدول الضعيفة كوسادة وثير للاسترخاء والاستسلام، فتصبح المؤامرة عندها مرضًا مزمنًا بدلاً من أن تكون تحديًا عابراً. المؤامرة الخارجية مثل الفيروس، لا يؤثر إلا في جسد منهك المناعة. خاتمة: من الدائرة المفرغة إلى حلقة النجاح الخروج من فخ "المؤامرة الدولية" كعذر للفشل يتطلب نقلة نوعية في التفكير: 1. الشجاعة في مواجهة الذات: كما قال الإمبراطور الروماني ماركوس أوريليوس: "لا تهتم بما يحدث لك، بل اهتم برد فعلك تجاه ما يحدث". الأمة التي تنتقد نفسها قبل أن تنتقد غيرها هي الأمة القادرة على التصحيح. 2. تحويل الطاقة من الخطاب إلى الفعل: بدلاً من استنفاذ الطاقة في خطابات التنديد بالخارج، يجب توجيهها نحو بناء المؤسسات، ومحاربة الفساد، واستقطاب الكفاءات، ورفع شعار "العدو الداخلي أخطر من العدو الخارجي". 3. الاستفادة من العداء: بدلاً من البكاء على المؤامرات، يمكن تحويلها إلى حافز للاكتفاء الذاتي والابتكار. في النهاية، السؤال الجوهري ليس: "من يتآمر علينا؟"، بل "ماذا قدمنا نحن لأنفسنا؟". إن معركتنا المصيرية ليست مع شبح خارجي نحمله مسؤولية عجزنا، بل هي معركة داخلية ضد الفساد والجهل والتبعية. حين تتوقف الأمة عن كونها "أشد أذىً لنفسها"، وتتحول طاقتها من ثقافة التبرير إلى ثقافة البناء، فإن أي مؤامرة خارجية، مهما بلغت قوتها، ستجد أمة واقفة على قدميها، يصدّرها وعيها وإرادتها، لا يصدّرها خطاب الضحية والاستسلام. التاريخ لا يرحم الضعفاء، ولكنه يكافئ الأمم التي تنتصر على أعدائها الحقيقيين: أولئك الذين يتسلقون على أكتافها من الداخل. Generations and Technology University