المرسوم التشريعي السوري رقم 66 لعام 2012: من أداة قمع إلى تحدٍّ للعدالة الانتقالية بقلم الدكتور محمد نضال هادي خلوف Nedal Khalouf مقدمة بعد أحد عشر شهراً من سقوط نظام المجرم بشار الأسد، يمثل المرسوم التشريعي رقم 66 الصادر في 18 أيلول/سبتمبر 2012 نموذجاً صارخاً لاستغلال التشريعات المحلية كأدوات للقمع والتغيير الديموغرافي. هذا المرسوم، الذي حمل عنوان "إحداث منطقتين تنظيميتين في محافظة دمشق"، تجاوز في تطبيقه الأهداف التنظيمية المعلنة ليتحول إلى أداة منهجية للتهجير القسري وطمس الهوية المجتمعية للمناطق المعارضة. اليوم، تواجه الحكومة السورية الجديدة تركة قانونية وإنسانية معقدة، تختبر قدرتها على تحقيق الانتقال من دولة القمع إلى دولة القانون. السياق التاريخي وتحليل النوايا صدر المرسوم في ذروة النزاع المسلح عام 2012، مستهدفاً بشكل انتقائي مناطق في ريف دمشق مثل الحجر الأسود وجوبر والقدم والعسالي، التي شكلت معاقل لحركات المعارضة المسلحة. التحليل الزمني والجغرافي للمرسوم يكشف نوايا خفية تتجاوز الأغراض التنظيمية المعلنة: التوقيت الاستراتيجي: صدر المرسوم أثناء أشد فترات النزاع حدة، مما يثير تساؤلات حول أولوية التشريعات العمرانية في ظل ظروف الحرب. الاستهداف الجغرافي: ركزت المناطق المستهدفة على معاقل المعارضة، متجاهلة مناطق عشوائية أخرى ذات خصائص مماثلة ولكن بتركيبة سكانية موالية. الغموض المتعمد: ترك المرسوم مصطلحات مثل "المناطق العشوائية" و"المخالفة" دون تعريف دقيق، مما سمح بتطبيق انتقائي. الإطار القانوني الدولي والانتهاكات الجسيمة أولاً: في إطار القانون الدولي الإنساني: انتهك المرسوم مبادئ أساسية في القانون الدولي الإنساني: انتهاك حظر التهجير القسري: يشكل التهجير الناتج عن المرسوم انتهاكاً للمادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر النقل القسري الفردي أو الجماعي للمدنيين. تدمير الممتلكات دون ضرورة عسكرية: لم يقدم النظام مبررات مقنعة للضرورة العسكرية التي تبرر التدمير الواسع للمناطق السكنية، مما يخالف المادة 53 من الاتفاقية ذاتها. التغيير الديموغرافي كجريمة حرب: يمكن أن يرقى التغيير الديموغرافي المتعمد إلى مستوى جرائم الحرب بموجب نظام روما الأساسي. ثانياً: في إطار قانون حقوق الإنسان: انتهك المرسوم حقوقاً إنسانية أساسية: الحق في السكن اللائق: حرم السكان من سكنهم دون توفير بدائل مناسبة، مخالفاً العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. الحق في الملكية: شكل الحرمان من الملكية انتهاكاً للمادة 17 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. الحق في المشاركة: حرم السكان من الحق في المشاركة في القرارات التي تمس مجتمعاتهم. التحول إلى مشاريع استثمارية: من التهجير إلى الإحلال تحول المرسوم إلى مشاريع "ماروتا سيتي" و"باسيليا سيتي"، التي مثلت: استكمالاً لعملية التهجير: عبر تحويل الأحياء الشعبية إلى مشاريع فاخرة غير ميسورة للسكان الأصليين. تكريساً للتغيير الديموغرافي: من خلال جذب شرائح اجتماعية واقتصادية جديدة تختلف عن السكان الأصليين. إضفاء الشرعية على النتائج: عبر تحويل المناطق المصادرة إلى استثمارات عقارية "شرعية". التحديات الراهنة أمام الحكومة الجديدة تواجه الحكومة السورية الجديدة تحديات جسيمة في معالجة هذا الملف: التحديات القانونية: تعقيدات الملكية وتداخلات الحقوق وجود مستثمرين وحقوق مالية اكتسبها طرف ثالث صعوبة الإثبات في ظل تدمير السجلات الرسمية التحديات العملية: حجم الدمار الهائل في المناطق المستهدفة تشتت السكان وتنوع أماكن إقامتهم الحالية محدودية الموارد المالية لبرامج التعويض وإعادة الإعمار التحديات المجتمعية: عمق الجروح النفسية والاجتماعية تنوع وجهات النظر بين المتضررين صعوبة تحقيق مصالحة مع ضمان استعادة الحقوق خارطة طريق شاملة للمعالجة: آليات تنفيذية مقترحة تمثل معالجة إرث المرسوم 66 اختباراً عملياً للحكومة الجديدة. فيما يلي آليات معالجة متكاملة يمكن تبنيها: المرحلة الأولى: آليات الطوارئ والإيقاف الفوري (0 - 6 أشهر) الإجراء التشريعي العاجل: إصدار قانون بإلغاء المرسوم 66 وتجميد جميع التصرفات العقارية في المناطق المشمولة. الإجراء الإداري العاجل: وقف فوري لأعمال الهدم والبناء الجارية، وتشكيل لجنة طوارئ وزارية للتنسيق. الإجراء القضائي العاجل: تعليق تنفيذ أوامر الإخلاء وفتح قنوات سريعة لتلقي شكاوى المتضررين. المرحلة الثانية: آليات التوثيق والفصل في النزاعات (6 - 18 شهراً) آليات التوثيق الشامل: إنشاء "السجل الوطني للمتضررين" والاستعانة بتقنيات حديثة مثل صور الأقمار الاصطناعية التاريخية وفرق التوثيق الميدانية. آليات الفصل القضائية وشبه القضائية: إحداث دوائر قضائية متخصصة للنظر في منازعات الملكية، مع تخفيف عبء الإثبات على المتضررين واللجوء إلى آليات الوساطة المجتمعية. آليات التصنيف: تصنيف الحالات إلى فئات (مالك قادر على الإثبات، مالك أرضه مشغولة بمشاريع، مالك يعجز عن الإثبات) وتقديم حلول مختلفة لكل فئة. المرحلة الثالثة: آليات التنفيذ وجبر الضرر (18 - 36 شهراً) آليات استعادة الحقوق: إنشاء "صندوق تعويض المتضررين" بتمويل مختلط، وعرض تعويضات متعددة الأشكال (نقدي، وحدات سكنية، قروض). آليات المصالحة والعدالة الانتقالية: إنشاء "هيئة الحقيقة والمساءلة" للتحقيق العلني، وإطلاق مشاريع رمزية لحفظ الذاكرة الجمعية. الآليات الدولية والدعم الفني: الاستعانة بخبراء دوليين في العدالة الانتقالية وربط برامج التعويض بخطط التنمية المحلية. خاتمة: اختبار مصداقية المرحلة الجديدة تمثل معالجة إرث المرسوم 66 اختباراً حاسماً لمصداقية الحكومة السورية الجديدة وقدرتها على تحقيق الانتقال الحقيقي من دولة القمع إلى دولة القانون. ليست القضية مجرد استعادة ممتلكات، بل هي: اختبار للالتزام بحقوق الإنسان: وقدرة الدولة الجديدة على حماية حقوق مواطنيها. مقياس للعدالة الانتقالية: وكفاءة الدولة في معالجة إرث الانتهاكات. أساس للمصالحة الوطنية: وشرط لا غنى عنه لبناء سوريا المستقبل. إن الطريقة التي تعالج بها الحكومة الجديدة هذا الملف ستحدد ليس فقط مصداقيتها محلياً ودولياً، ولكن ستشكل أيضاً الأسس التي ستُبنى عليها سوريا المستقبل: سوريا القانون والعدالة والكرامة الإنسانية. الدكتور نضال خلوف Nedal Khalouf كلية القانون الدولي Generations and Technology University