رد شبه المستشرقين (9) براهين التاريخ والعقل وتهافت الإنكار: معجزات النبي صلى الله عليه وسلم مقدمة: تشكّل المعجزات الخارقة للعادة التي أيّد الله بها أنبياءه حجر زاوية في إثبات صدق رسالتهم، وقد جاءت معجزات النبي محمد صلى الله عليه وسلم متنوعة شاملة، تخاطب العقل والوجدان معاً، وتشهد بها كتب السير والتاريخ بشهادة لا تجحد. وتأتي شبهة إنكار معجزات النبي صلى الله عليه وسلم متجاهلةً هذا الكم الهائل من الروايات التاريخية المتضافرة، ومتّبعة منهجاً انتقائياً يرفض الغيب مسبقاً. ويأتي هذا البحث والذي يقوم على تحليل الأحداث والروايات تحليلاً عقلانياً يستند إلى الأدلة التاريخية والنفسية، منطلقاً من القرآن الكريم والسنة الصحيحة كمصدرين أصليين، لتفنيد هذه الشبهة وإثبات تهافتها. أولاً: طبيعة المعجزة وبراهين صدقها في المنهج الإسلامي .1 المعجزة بين العقل والمنطق: يرفض المنهج الإسلامي فكرة الخرق العشوائي للقوانين الطبيعية. فالمعجزة حدث خارق يجريه الله على يد نبيٍّ تأييداً له، في وقت الحاجة، وتحدياً للمعاندين، وهي ليست نقضاً للعقل بل تجاوزاً للعادة المألوفة، مما يجعلها دليلاً على صدق مدعي النبوة. والعقل السليم لا ينكر قدرة الخالق على تجاوز قوانين الطبيعة التي هو خالقها. .2 تعدد المعجزات وتنوعها: لم تكن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم حادثةً واحدة يمكن إنكارها، بل كانت متعددة ومتنوعة لتخاطب مختلف العقول والطباع. فمنها: · الحسية المشاهدة: كمعجزة انشقاق القمر، ونبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم في الحديبية، وتكثير الطعام بين يديه، وحنين الجذع إليه. وهذه معجزات شهدها وعاينها جمع غفير من الناس، ونقلوها بتواتر عملي يفيد اليقين. · العقلية الخالدة: وهي القرآن الكريم، المعجزة الباقية إلى يوم القيامة، المتحدي بفصاحته وبيانه وأخباره الغيبية ونظمه التشريعي المحكم. ثانياً: الرد على أدلة المنكرين وتفنيد شبهاتهم .1 شبهة ضعف السند التاريخي وعدم التواتر: · تحليل الشبهة: يزعم المنكرون أن روايات المعجزات جاءت عبر أخبار آحاد لا تصل إلى درجة التواتر الذي يوجب العلم القطعي، مما يسمح بإنكارها. · الرد والتفنيد: ينقض هذا الادعاء عدة حقائق: · التواتر المعنوي: وإن لم يصل كل حادثة على حدى درجة التواتر اللفظي، فإن مجمل روايات المعجزات المختلفة، التي نقلها عشرات الصحابة في مناسبات متفرقة، يشكل تواتراً معنوياً على صدق ظاهرة حصول المعجزات له صلى الله عليه وسلم. فكيف ينكر عاقلٌ هذا الكم الهائل من الروايات المنقولة بأسانيد صحيحة في أعلى درجات الصحة؟ · منهج المحدثين في النقد: لقد خضعت روايات هذه المعجزات - كمعجزة انشقاق القمر - لأعلى درجات النقد والتمحيص عبر علماء الحديث عبر القرون، الذين قبلوها لشهود العيان الكثر، ورفعوها إلى درجة التواتر العملي. .2 شبهة التعارض مع القوانين العلمية الطبيعية: · تحليل الشبهة: ينكر الملحدون واللادينيون المعجزات بدعوى أنها تتعارض مع قوانين الطبيعة الثابتة. · الرد والتفنيد: هذا الموقف قائم على فلسفة مادية مغلقة ترفض وجود قوة فوق الطبيعة (الله تعالى). · الخالق والقانون: من يؤمن بالله الخالق للقوانين الطبيعية، لا يستغرب قدرته على تجاوزها حين تشاء حكمته. فالمعجزة دليل على وجوده سبحانه، وليست دليلاً على عدم انتظام الكون. · المنهج التاريخي مقابل المنهج التجريبي: لا يمكن تطبيق المنهج التجريبي - القائم على التكرار - على حدث تاريخي فريد. تقبل المعجزة بناء على الشهادات التاريخية الموثوقة التي تفيد اليقين بوقوعها، خاصة عندما تقترن بدعوى النبوة وتكون مناسبة للحدث. .3 شبهة التأويل والرمزية (تحويل المعجزات إلى استعارات): · تحليل الشبهة: يحاول بعض المتنورين تأويل المعجزات الحسية على أنها مجرد رموز لانتصارات معنوية أو أخلاقية. · الرد والتفنيد: هذا التأويل يتعارض مع النصوص الصريحة والواضحة التي تصف أحداثاً مادية محسوسة شهدها الحاضرون. فحنين الجذع كان حدثاً محسوساً سمعته الآذان ورأته العيون، وكذلك نبع الماء من بين الأصابع. وتحويلها إلى استعارات هو تحريف للتاريخ ورفض لظاهر النقل من غير دليل. ثالثاً: معجزة القرآن الكريم كنموذج فريد في سياق الرد على الشبهات، لا بد من التذكير بالمعجزة الخالدة التي يتجاوز إنكارها قدرة البشر، وهي القرآن الكريم. فلو سلمنا جدلاً بإنكار بعض المعجزات الحسية - وهو لا يسلم - فإن معجزة القرآن تظل قائمة شامخة: · التحدي القائم: فالتحدي به قائم إلى يوم القيامة، ولم يستطع أحد - على مر العصور - أن يأتي بسورة من مثله. · الإعجاز الشامل: فهو معجز في بيانه، وأخباره الغيبية، وتشريعاته المحكمة، وإعجازه العلمي. وهذا كله مما يعجز عنه النفس البشرية بمفردها، في أي حالة من الأحوال. خاتمة: إن إنكار معجزات النبي صلى الله عليه وسلم - في ضوء المنهج التاريخي التحليلي - يظهر كموقف إيديولوجي أكثر منه موقفاً علمياً موضوعياً. فهذه المعجزات ثابتة بسند تاريخي قوي، وتتوافق مع العقل السليم الذي يؤمن بإله قادر على خرق العادة. كما أن تعددها وتنوعها وارتباطها بمواقف الدعوة يجعل إنكارها جحوداً للتاريخ وتكذيباً لشهادات قوم عاصروا الأحداث ونقلوها بأمانة. وتظل معجزة القرآن الكريم الحجة البالغة على صدق رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهي المعجزة التي تخرس كل لسان، وتقيم الحجة على كل إنسان. الدكتور محمد سعيد أركي مع تحيات قسم الدراسات الإسلامية Generations and Technology University