أأمنتم من في السماء

"أأمنتم من في السماء؟" هل الاشاعرة ينفون علو الله؟ بقلم الدكتور محمد سعيد السلمو د. محمد سعيد السلمو في زمن غلب فيه ظاهر اللفظ على نور المعنى، وغابت فيه عقول عن مقاصد التنزيه، صار بعض الناس يطلب ربه في جهة، وينزله منزل المخلوقات التي خلقها فآن أن نعود إلى فهم السلف، وإلى بصيرة أهل الحق الذين نزهوا الله عن المكان والحدود، ورفعوه فوق كل وهم وظن وجهة. إنها آية طالما تاهت فيها العقول بين ظاهر لا يراد، وباطن لا يُدرك إلا بميزان من علم وإيمان وتنزيه لله عن كل ما لا يليق بجلاله. قال تعالى: ﴿أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض﴾. فما السماء هنا موضعا يسكنه الخالق، حاشاه أن يحيط به مكان، أو تحده جهة! بل هي مَثَل للعلو الذي يليق بالعظمة، كما يقال: فلان في السماء مجده، أي رفيع القدر، عال في المنزلة، لا أن ذاته هناك. هكذا فهمها أئمة السلف، وهكذا صانها أهل العلم من لوث التجسيم. قال ابن عباس رضي الله عنهما: أأمنتم عذاب من في السماء إن عصيتموه؟ أي: هل ظننتم أن من في السماء ـ كالملائكة الموكلين بالعذاب، أو جبريل عليه السلام الذي يُوكل أحيانا بإنزال العقوبات ـ لا يطيقون تنفيذ أمر الله عليكم إن عصيتموه؟ ثم قال: "ويحتمل أن يكون المعنى: أأمنتم خالق من في السماء أن يخسف بكم الأرض كما خسفها بقارون، أي: هل ظننتم أن خالق السماوات، المتصرف في الأرض كما شاء، لا يقدر أن يوقع بكم العقاب كما وقع بقارون وجنوده؟ قال الإمام مالك: الاستواء معلوم، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. فما أثبتوا مكانا، ولا ألغوا علوا، بل نفوا الحد عن الذات، وأثبتوا الكبرياء فوق كل حد ومكان. وجاء من بعدهم أئمة النظر، الأشاعرة والماتريدية، فقالوا هذه الآية تؤكد على مسألتين أساسيتين: 1. قدرة الله المطلقة (القدرة الإلهية): الله سبحانه وتعالى قادر على كل شيء في السماء والأرض، وقدره لا يحاط به. فالعقوبات السماوية والأرضية بيده وحده، وهو القادر على كل ما يشاء. 2. حقيقة الأمر من حيث التشريع والتقدير: الملائكة لا يملكون سلطانا مستقلا، وإنما هم مأمورون بأوامر الله، والقدرة على العقوبة إنما هي من الله وحده. لكن الله أذن في أحيان قليلة لبعض المخلوقات الموكل بها تنفيذ أمره، كما دل عليه قوله تعالى: وما أمر إلا أن يعبد الله مخلصين له الدين الآية بذلك لا تشير إلى أن للملائكة أو غيرهم سلطانا مستقلا، بل لإيقاظ الإنسان من غفلته، وتحذيره من التهاون بعقاب الله، سواء في السماء أو على الأرض، كما فعل مع قارون. وقد جاء في التفاسير المعتبرة، مثل: البحر المحيط: يذكر احتمال أن تشير "من في السماء" إلى الملائكة الموكلين بالعذاب، ويؤكد على شمولية قدرة الله. تفسير أبي السعود والجامع لأحكام القرآن: يشيران إلى أن الآية تذكير للناس بأن الله المتصرف في السماوات والأرض قادر أن يغير الأحوال كما شاء، وأن من يغفل عن هذا يكون معرضا للهلاك. قال الإمام القرطبي: أي من في السماء سلطانه وقدرته، لا أنه في جهة من جهات المخلوقين. وقال الفخر الرازي: المراد: من فوقكم بالقهر والتدبير، لا أن الله يحويه مكان أو يحده فضاء. وأكد النووي والبيهقي وابن حجر أن هذا العلو هو علو القهر والقدرة، لا علو الجهة والمكان، فالله قبل خلق العرش والسماء، ولا يقال: أين؟ ولا يُحد بجهة أو مسافة. ذلك هو علو بلا جهة، ووجود بلا مكان؛ كان كما لم يزل، لا يغيره خلق المكان والزمان ، لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان. فإذا قرأت قوله تعالى: ﴿أأمنتم من في السماء﴾، فاعلم أن المراد: أأمنتم من قهره فوق السماوات، ومن سلطانه يجل عن كل موضع ومقدار؟ فهو تعالى في السماء بسلطانه، وفي الأرض بعلمه، وفي القلوب بقدرته ونوره، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. الآية تعلمنا أن الله وحده هو المهيمن على السماوات والأرض، وأنه لا غنى للإنسان عن الخشوع والطاعة، ولا ينبغي أن يظن أن من في السماوات يملكون قدرة مستقلة عن أمر الله. وهذا يتوافق تماما مع منهج الأشاعرة والماتريدية في إثبات قدرة الله وعظمته، مع تحريم التشبيه أو التكييف المخل بقدرة الله، ومع التأكيد على كون الملائكة مخلوقات مأمورة مطيعة، لا مستقلة في سلطانها. يا من يطلب ربه في جهة أو تحده بسماء أو أرض، أما علمت أن من خفي على الأبصار إنما يرى بالبصيرة؟ إنك إن نظرت إلى العلو رأيت أثر قدرته، وإن نظرت إلى قلبك وجدت نوره. فسبحان من استوى على العرش بسلطانه، واستوى على القلوب برحمته، لا يدركه مكان، ولا يحجبه زمان، بل هو القريب من عباده، بقدر ما يطهرون قلوبهم من ظلمة الجهل والتشبيه. ما كان الله في مكان يطلب، بل في قلب يُطهَّر، وفي عقل ينزه، وفي نفس تُسلِّم. بقلم الدكتور محمد سعيد السلمو د. محمد سعيد السلمو #العقيدة #تنزيه_الله #روحانيات_وتأملات مع تحيات قسم الدراسات الإسلامية