أسطورة ابن تيمية: بين انقراض التراث ووهم الاستمرار

أسطورة ابن تيمية: بين انقراض التراث ووهم الاستمرار بقلم الأستاذ الدكتور عبد الله خليل التميمي لم يشهد تاريخ الفكر الإسلامي شخصية أثارت من الجدل ما أثاره تقي الدين أحمد بن تيمية، الذي عاش بين عامي 660 و728 هجرياً، متنقلاً بين حران ودمشق ومدن شامية ومصرية. إن محاولة إحياء تراث هذا الرجل اليوم ليست سوى قراءة مشوهة للتاريخ، تقوم على أسس مهترئة وتتجاهل الحقائق الثابتة التي حكمت علماء ذلك العصر على تراثه بالإعدام والانقراض. الرجل الشاذ وعلماء عصره لا خلاف على أن ابن تيمية كان عالماً من مشايخ الحنابلة، له إلمام بالفلسفة وعلوم الشرع من حديث وفقه وأصول. ولكن المتفق عليه أيضاً، وبشهادة كل من ترجم له، أنه كان شاذاً عن جماعة العلماء في عصره. لقد خالفهم في مسائل عظيمة ومفصلية في العقيدة والفقه والأصول وحتى في التاريخ. لم تكن هذه المخالفات هينة أو هامشية، بل كانت جوهرية لدرجة أدت إلى تشنيع كبار علماء زمانه عليه، ومحاكمته مراراً، والاتفاق على حبسه في أكثر من مناسبة. لقد حكموا بمنعه من التدريس والإفتاء، وفي نهاية المطاف، مات مسجوناً في قلعة دمشق. ولم يتوقف الأمر عند سجنه، بل امتد إلى تراثه الفكري، حيث أمر علماء وقضاة عصه بإحراق كتبه ومنع تدريس آرائه وفتاويه. هذا هو الحكم التاريخي الفاصل من أقرب الناس إليه علماً وزمناً. الانقراض: كيف يموت التراث؟ بموت ابن تيمية، لم ينقرض الرجل فحسب، بل انقرض تراثه معه. والسبب المباشر لذلك هو تخلي تلاميذه أنفسهم عنه. فجميع تلامذته تقريباً تبرؤوا من مخالفاته في حياته وبعد مماته. بعضهم ألف كتباً صريحة في الرد عليه، والبعض الآخر اكتفى بالانسحاب الصامت من دائرة اتباعه، محتفظين فقط باحترامه كأستاذ لهم. هذا التخلي كان القاضي على استمرار تأثيره، لأنه قطع حلقات السند التي هي شرط بقاء أي تراث علمي في المنظومة الإسلامية. النظام الصارم: كيف كان العلم يُورَّث؟ لقد التزم علماء الإسلام عبر القرون بنظام صارم ودقيق في نقل العلم واعتماد الكتب، يكاد يكون أشبه بجهاز مناعة يحمي الجسم العلمي من الشوائب والزيغ. وكان هذا النظام يقوم على أربع مراحل: 1. المشورة قبل التأليف: كان العالم يستشير أساتذته وعلماء زمانه قبل الشروع في تأليف كتاب. 2. العرض والتصديق: بعد الانتهاء من التأليف، كان يعرض كتابه على العلماء في مجالس خاصة، فإذا قوبل بالقبول، أُذن بنسخه. 3. التلقين والإجازة: كان المؤلف يقرأ كتابه على تلاميذه، يشرح لهم غوامضه، ويصحح نسخهم، ثم يمنحهم الإجازة بروايته وتدريسه. 4. التوارث عبر السند: يقوم التلاميذ بنقل الكتاب بنفس الطريقة إلى من بعدهم، وهكذا تتواصل سلسلة النقل (الإسناد) من المؤلف إلى آخر الدهر. أي كتاب خارج هذه الدائرة، أي كتاب لا يُروى بسند متصل إلى مؤلفه، فهو مجرد "كتاب مطالعة" لا يفيد علماً شرعياً، ولا يجوز الرجوع إليه في الاستدلال، لأن نسبته إلى مؤلفه غير مؤكدة، ولأن فهم مراده من عباراته أصبح ضرباً من التخمين. كتب بلا أسانيد: الوهم الكبير هنا تكمن الكارثة في تراث ابن تيمية. فجميع كتبه ومصنفاته – دون استثناء – لا يرويها عنه أحد بسند متصل منذ وفاته إلى يومنا هذا .لذلك فهي، بحكم القواعد العلمية التي أقرها علماء الإسلام، مجرد أوراق للمطالعة الشخصية، لا تصح أن تكون مصدراً للعلم أو التشريع. ولتوضيح الصورة أكثر: · الفتاوى المصرية: هذا المجموع من فتاويه في مصر، ظهر للوجود فجأة قبل قرن واحد فقط (أي بعد موته بأكثر من خمسة قرون!). أخرجه من مكتبة الأزهر رجل معروف بانتمائه للبهائية هو فرَج الله الكردي. فأي صلة لهذا الكتاب بابن تيمية؟ · مجموع الفتاوى: هذا الكتاب الذي يعتمد عليه أتباعه اليوم، هو من جمع رجل من نجد هو عبد الرحمن بن قاسم الذي توفي عام 1392 هـ. أي أن بينه وبين ابن تيمية ستة قرون من الانقطاع! والأدهى أن ابن قاسم نفسه اعترف بأنه جمعه من مخطوطات متفرقة وجدها في مكتبات دمشق (الظاهرية) والأزهر وباريس، دون أن يقرأها على أحد بسند إلى ابن تيمية. إنه مجرد "كولاج" من المخطوطات الميتة. خاتمة: محاكمة التاريخ والمنطق لقد طالب علماء الإسلام أتباع ابن تيمية المحدثين (السلفيين أو الوهابيين) مراراً بأن يأتوا بورقة واحدة يروونها بسند متصل إليه، فلم يجدوا جواباً إلا الشتائم والاتهامات بالشرك والابتداع. فها هم أولاء قوم يحاربون الأمة ويفرضون عليها آراءً يسمونها "ديناً"، بينما هي في الحقيقة مجرد "صحف" لا سبيل لإثبات صحتها، ولا سبيل لمعرفة كاتبها الحقيقي، ولا سبيل لفهم مراميها فهمًا صحيحًا. إنهم يؤمنون بأسطورة، ويحاولون إقحام الأمة في متاهة مذهب رجل اندثر هو وتراثه منذ أكثر من ستة قرون. لقد انتهت محاكمة التاريخ لابن تيمية وتراثه، والحكم كان واضحاً: الاندثار. البروفسو عبد الله خليل التميمي مع تحية قسم الدراسات الإسلامية Generations and Technology University