الكابوس الحقيقي: عندما يتحول "الجهل والكسل والإهمال" إلى نظام حكم

الكابوس الحقيقي: عندما يتحول "الجهل والكسل والإهمال" إلى نظام حكم بقلم الدكتور مروان أحمد بحري . مقدمة: الوهم والانعتال الزائف يظن كثيرون، وهم يُطلِقون زغرودة الانعتال، أن أسوأ أشكال الاستبداد هي تلك التي تمارس سلطانها بالحديد والنار، فتزهق الأرواح وتهدم البنيان. وهم بذلك، حين يرون رموز نظام قمعي يسقطون، يهتفون للتحرر وينتظرون الفجر. ولكن ما أقساه من كابوس حين نكتشف أن الكابوس الحقيقي لم يبرح مكانه؛ إنه لا يكمن في البراميل المُدمِّرة وحدها، بل يتجسد في ثالوث الشيطان الخفي: "الجهل والكسل والإهمال". هذه الثلاثية هي النظام الأكثر دهاءً واستدامة، فهي لا تقتل الجسد فقط، بل تقتل العقل والروح والإرادة، لتُخرج مجتمعات بلا هوية ولا مستقبل، مجتمعات تكون فيها الحرية السياسية شكلاً أجوف، بينما الجوهر لا يزال أسير القيود غير المرئية. أولاً: الجهل.. الداء الذي يُقصَف به المستقبل الجهل هنا ليس مجرد أمية القراءة والكتابة، بل هو الأمية الفكرية، والعقلية المُغلَقة، ورفض المعرفة والنقد الذاتي. إنه الجهل الذي يجعل من الفرد أسيراً لرؤية ضيقة، غير قادر على تحليل المعلومات أو تمييز الحق من الباطل. مجتمع ينتصر فيه الجهل يصبح أرضاً خصبة للخرافات والشائعات والخطاب الطائفي. يصبح المواطن عبداً لرغباته ومخاوفه، غير قادر على محاكمة من يحكمه، أو محاسبة من يديره. الجهل هو الذي يهيئ الأمة لقبول الفاسد، والتصفيق للجاهل، وتبجيل من يدفع بها إلى الهاوية. إنه القيد الذي يُكبَل به العقل فلا يبصر طريق التقدم، والسجن الذي يحبس فيه الإنسان فلا يرى أبعد من حاجزه. إنه الجهل الذي يحول المواطن من شريك في البناء إلى أداة في يد من يريدون إدامة التخلف. ثانياً: الكسل.. القاتل الصامت للإرادة والإنجاز إذا كان الجهل يعمي البصيرة، فإن الكسل يشلّ اليد والقدم. إنه الوباء الذي يحول الإنسان من كائن فاعلٍ مبتكرٍ إلى كائن كسولٍ مستهلك. الكسل ليس راحة للجسد، بل هو موت للهمة، وانتحار بطيء للإرادة. إنه ثقافة "الروتين" و "قضاء الوقت" بدلاً من "الإنجاز" و "صناعة الزمن". مجتمع ينتشر فيه الكسل يتوقف عن الإنتاج، ويتراجع عن المنافسة، ويعتاد على ثقافة "الأقل جهداً". يصبح الانتظار بديلاً عن المبادرة، والتعلق بكرسي الوظيفة بديلاً عن الإبداع، وانتظار المعونات بديلاً عن بناء القدرات. الكسل هو الذي يحول الأحلام إلى أوهام، والطموحات إلى ذكريات. إنه القبول بالواقع المريح بدلاً من خوض غمار التحدي لصناعة واقع أفضل. مجتمع الكسل هو مجتمع لا ينتج معرفة، ولا يبتكر تقنية، ولا يبني اقتصاداً، لأنه ببساطة، لا يملك الطاقة ولا الإرادة للفعل. ثالثاً: الإهمال.. الثقب الذي يغرق به السفينة الإهمال هو الابن الطبيعي للجهل والكسل.هو التجاهل المتعمد للمسؤولية، واللامبالاة تجاه المصلحة العامة. الإهمال في أداء الواجب، في الحفاظ على المال العام، في تربية النشء، في صيانة المرافق. إنه الفجوة الصغيرة التي تبدأ بسوء إدارة ملف، أو إهمال مشروع، أو تقصير في رعاية إنسان، لتتحول إلى كارثة وطنية. الإهمال لا يحتاج إلى قرار مدمر، بل يكفيه غياب الاهتمام. هو كالنار الخبيثة التي تأكل في جذع الشجرة حتى تسقط فجأة، ويذهل الجميع: كيف سقطت وهي تبدو قوية؟! إنه ذلك الطبيب الذي لا يتقن عمله، والمهندس الذي يتغاضى عن خطأ في الحساب، والمعلم الذي لا يهمه مستقبل طلابه، والموظف الذي يرى الخلل ولا يبالي. هذا الإهمال المتراكم هو الذي يهدر الموارد، ويدمر البنى التحتية، ويقوض ثقة المواطن بمؤسساته وبمستقبله. لماذا تكون هذه الثلاثية أشد تدميراً من البراميل؟ 1. البراميل مرئية ومحددة: عدوك واضح، تستطيع أن تحدد اتجاهه، وتتحصن منه، وتقاتله. أما الجهل والكسل والإهمال، فهي عداوة من الداخل، تتسلل كالسرطان في جسد الأمة فلا تشعر بها إلا وقد استحكمت واستعصت على العلاج. 2. البراميل مؤقتة بزمن: قد تنتهي معركة البراميل بانتصار أو هزيمة، لكنها تنتهي. أما الثلاثية الخبيثة، فهي حرب مستمرة لا هدنة فيها، تستهلك الأجيال جيلاً بعد جيل، وتصبح سمة ثقافية وسلوكية متوارثة. 3. البراميل قد توحد: الخطر الخارجي الواضح قد يجمع الصفوف ويوحد الكلمة. أما الجهل والكسل والإهمال، فإنها تفرق وتشتت وتقوض النسيج الاجتماعي من داخله، وتفتت المجتمع إلى أفراد أنانيين لا يربطهم همّ عام. 4. البراميل تدمر المادة، أما الثلاثية فتدمر المعنى: تهدم البراميل البنيان وتزهق الأرواح، وهذا أمر فادح. لكن الثلاثية تدمر إرادة الحياة، وقيمة العمل، وكرامة الإنسان، وروح الأمة. تدمر أساس الحضارة نفسه، وهو الإنسان المفكر العامل المسؤول. الخاتمة: صحوة الضمير والهمة.. من التغيير الشكلي إلى الثورة الجوهرية لا يكفي أن نزيح رموز النظام البائد، بل يجب أن نزيح نظامنا الداخلي البائد. النظام القائم على الجهل والكسل والإهمال. المعركة الحقيقية هي معركة وعي، وإرادة، ومسؤولية. إنها تبدأ من الفرد: بتعليم نفسه، وبعزيمته على العمل، وبإتقانه لمسؤوليته. إنها ثورة على الذات قبل الثورة على الآخر. فليكن شعارنا: "عقلٌ يبحث، ويدٌ تعمل، وقلبٌ يتحسس المسؤولية". عندها فقط نستطيع أن نقول إن الكابوس قد انزاح حقاً، وننطلق نحو بناء مستقبل لا مكان فيه للاستبداد الظاهر ولا للاستبداد الخفي، مستقبل تُبنى فيه الدول بإرادة أبنائها، لا تُهَدَم ببراميل أعدائها. "إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ" (الرعد: 11). فالتغيير المنشود يبدأ من هنا، من غرفة ذاتنا، قبل أن يبدأ من ساحات السياسة وميادين الحرب. الدكتور مروان بحري مع تحيات كلية العلوم الاجتماعية Generations and Technology University