خماسية صناعة إنسان: الدكتور جمال الهميلي

خماسية صناعة إنسان أين هي آثار الأنبياء؟ إننا نرى آثار الحضارات القديمة كالرومان واليونان والفراعنة والبابليون وغيرهم، مبانٍ تندهش منها وتقف أمامهم بنوع من الإعجاب. بل لا تكاد تخلو حضارة من لمسات تركتها لتدل على مجدها، وتسعى كل حضارة إلى ترك بصماتها شاهدةً على وجودها. لكن الغريب أننا لا نرى آثاراً للأنبياء – عليهم السلام-، فلا سفينة نوح ولا آثار لإبراهيم ولا موسى ولا غيرهم من الأنبياء -عليهم السلام- إلا ما ندر! لعل أحد الأسرار – والله أعلم – أن رسالة الأنبياء كانت لبناء الإنسان لا الجدران وتصحيح منهج الحياة لا تشييد الحضارات، فأعظم مهمة ممكن أن يقوم بها الإنسان هي بناء نفسه وبني جنسه لتحقيق ما يسعد الإنسانية. لذا كان أكثر ما تحرص عليه الأمم المتقدمة هو تكوين الإنسان من خلال التعليم والإعلام وغيره، وبنظرة بسيطة على الأمم الحاضرة ندرك بما لا يقبل الشك تلك الحقيقة. وحتى لا نستطرد في بيان وإثبات ذلك، دعنا ندخل في صلب قضيتنا وهي كيف يمكن صناعة إنسان؟ نستطيع القول إن صناعة الإنسان تتلخص في خمسة محاور رئيسة وهي: 1/ المحور العقدي(العقائدي): وهو المحور الجذري، والذي يترسخ في ذهن العبد وتكون لديه قناعة كبيرة فيه، وهو المحرك الأساس والدافع نحو العمل والسعي في الحياة. وبصورة موجزة هو الذي يجيب عن الأسئلة الكبرى التي تشغل الإنسان: v مَن أنا؟ v مَن خلقني؟ v لماذا خلقني؟ v ما دوري في الحياة؟ v ما مصيري بعد الموت؟ 2/ المحور العبادي: وهو السلوك الذي يمارسه الإنسان للتواصل مع الإلهة وطلب العون منه من جلب المنافع ودفع المضار، فهو يمثل العلاقة بين العبد والإلهة الذي ارتضاه. وغالباً ما تكون تلك العبادات محددة، وبطريقة مقننة ليس للإنسان خيارات كثيرة في تغييرها أو تبديلها. وهذا المحور يجيب على أسئلة مهمة: v كيف أتقرب إلى الرب؟ v كيف أطلب من الرب ما أريد؟ v ماذا أجني من تلك العبادات؟ 3/ الأخلاقي: وهو المحور الذي يدفع العبد للتصرفات والسلوكيات مع غيره في الحياة، وغالب البشر متفقون على عدد من الأخلاق الفاضلة بالإجمال، فالصدق والوفاء والسخاء وغيرها صفات ممدوحة، وفي المقابل الكذب والخيانة والظلم صفات مذمومة. لكن في الواقع هناك مَن يمارس بعض الأخلاق المذمومة ويجد لها مبرراً، بحيث يحولها إلى صفات محمودة، ومنطلق تلك التبريرات هو المحور العقائدي غالباً، بحيث يدفعه إلى ذلك السلوك بنية معينة تجعله محموداً بدل أن يكون مذموماً. حديثي ليس عن المتسلقين والمتصرفين وفق أهوائهم وإشباع شهواتهم، وإنما حديثي عن الإنسان المنطلق من أرضية صلبة، لدية وقناعة راسخة في ذهنه. وهذا المحور يجيب عن أسئلة: v ما الأخلاق المحمودة؟ v ما الأخلاق المذمومة؟ v ما ضوابط تلك الأخلاق؟ 4/ المعلوماتي: وهو الجانب الذي يسعى غالب العباد للتزود منه، والسعي الحثيث في اكتشافه، وهو الذي تتنافس فيه الدول وتجتهد في جمعه وتحقيق السبق فيه بمختلف الطرق والوسائل. والمحور المعلوماتي يمكن تقسيمه إلى قسمين: الأول وهو القسم المعلوماتي الذي يحتاج الإنسان مهما كان موقعه كالقراءة والكتابة والحساب وبعض المعلومات اليومية والعلوم البسيطة. الثاني: وهو القسم الذي يرتبط بطيعة عمل الإنسان، فمما هو متفق عليه أن المعلومات التي يحتاجها المهندس تختلف عن معلومات الطبيب وهي تختلف عن معلومات الميكانيكي وغيره. بل في التخصص الواحد تختلف المعلومات فالمهندس الكهربائي يحتاج معلومات تختلف عن المهندس الكيميائي وكذلك في مختلف التخصصات الأخرى. v وهذا المحور يجيب عن أسئلة: v ما المعلومات المهمة لدي كإنسان؟ v ما المعلومات التي أحتاجها في مجال عملي وحياتي؟ 5/ المحور المهاري: وهو المحور المرتبط بآليات العمل وكيفية التطبيق على أرض الواقع، وهذا المحور من المحاور المنسية في تاريخ البشرية مع أهميته وضرورته، ولعل ما نلاحظه في السنوات الأخيرة من التركيز عليه هو أوضح دليل على أهميته. ففي حياتنا اليومية والاجتماعية نحتاج إلى التمهير على كيفية التعامل مع مختلف الظروف والخروج منها بأفضل المكاسب بأقل جهد وأسرع وقت وأقل تكلفة. ولا أعني هنا كيفية التعامل مع الأجهزة والآلات بمختلف أنواعها كالسيارة والطيارة والمكيف والحاسوب وغيره فقط، بل أضيف عليها مهارات التفكير التي تعيد ذهن العبد لترسم له طريقة التعامل مع المشاكل الحياتية، كالمشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بما يحقق أعلى كفاءة. وبطيعة الحال يمكن أن نقول إن تلك المهارات ذات شقين: مهارات التعامل مع الحياة اليومية المشتركة لعموم البشر، كمهارات حل المشكلات، ومهارات التعامل مع الناس وغيرها. مهارات التعامل مع الحياة الخاصة والمرتبطة بطبيعة العمل أو المهمة التي يقوم بها العبد كمهارات الحاسوب والفك والتركيب وغيرها. وهذا المحور يجيب على أسئلة: v ما المهارات التي ينبغي على العبد اكتسابها؟ v ما المهارات التي ينبغي على العامل في المكان الفلاني اتقانها؟ v كيف يتم اكتساب تلك المهارات؟ نعم إن صناعة الإنسان عملية ليست سهلة، لكنها في الوقت نفسه قضية جوهرية ولا يستغني عنها أحد، فليس من المنطلق أن تترك غيرك ليصنعك، بل ابدأ بنفسك ولاحظ وقيّم وقوم ثم اعمل واجتهد، وتلك الخماسية تساعدك في رسم خريطتك وبناء نفسك ثم غيرك، لننعم بحياة طيبة. الدكتور المستشار جمال يوسف الهميلي Generations and Technology University gtuedu.org