الأمان والغدر في ميزان الإسلام: تأصيل شرعي ورفض قاطع للخيانة

الأمان والغدر في ميزان الإسلام: تأصيل شرعي ورفض قاطع للخيانة مقدمة: شهد العالم عبر تاريخه الطويل حروبا ونزاعات، ولكن الأخلاق ظلت هي الضابط الإنساني الذي يمنع تلك الصراعات من التحول إلى فوضى عارمة. وفي هذا السياق، يأتي دين الإسلام ليؤسس لمنظومة أخلاقية رفيعة، تجعل للأمان والعهد حرمةً تُقدَّر بحرمة الدماء. والإشكال المطروح حول عدم وجود نص يجيز تسليم المستجير، هو في حقيقته إشكال ناشئ عن جهل بالمنظومة التشريعية الإسلامية الشاملة التي جعلت حرمة الأمان والوفاء بالعهود من أوكد الواجبات. الأطروحة المركزية: يؤصل الإسلام لمبدأ "حرمة الأمان" تأصيلاً قوياً، ويحرّم الغدر تحريماً قاطعاً، بغض النظر عن دين المستجير أو معتقده. فالمستجير الآمن لا يُسلم ولا يُغدر به، وتكون ذمّة المسلم وعهده له حصناً حصيناً. التأصيل الشرعي: النصوص والمقاصد 1. من القرآن الكريم: الوحي الحاكم · يقول الله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} [التوبة: 6]. هذه الآية هي الدستور الأسمى في هذه القضية. فهي تأمر بصريح العبارة بإجارة المستجير (وهو هنا مشرك) حتى يسمع كلام الله، ثم تؤكد على وجوب توصيله إلى مكان آمِن. فكيف بحال من يستجير طالباً للأمان فقط، ثم يُغدر به ويُقتل؟ إن هذا الفعل يناقض النص القرآني مناقضة صريحة. · ويقول سبحانه: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء: 34]. فالعهد الذي يعطى للمستجير، سواء كان كتابياً أو مشركاً، هو مسؤولية وأمانة سيُسأل عنها المسلم يوم القيامة. · ويقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1]. وعقد الأمان من أعظم العقود. 2. من السنة النبوية: التطبيق العملي · يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" (متفق عليه). والإخْفار هو نقض العهد والغدر. ولفظ "ذمة المسلمين واحدة" يشمل كل من يعطى عهداً أو أماناً من قبل أي مسلم، حتى لو كان بسيطاً أو من عامة الناس. · ويقول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: "ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا". فدم المستجير الذي أعطي الأمان يصبح محرماً بحرمة الدم المسلم، لأنه أصبح في عهد المسلمين وذمتهم. · وكان من وصايا النبي صلى الله عليه وسلم للجيوش: "لا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً". والغدر هنا محرم على إطلاقه. الشواهد التاريخية: من السيرة النبوية والعمل الإسلامي 1. قصة بني قريظة: بعد غزوة الخندق، حاصر الرسول صلى الله عليه وسلم بني قريظة لنقضهم العهد. فحكّم فيهم سعد بن معاذ الذي حكم بقتل مقاتلهم وسبي ذراريهم. هذا الموقف كان عقاباً على الخيانة في أحرج لحظات المسلمين، وليس غدراً بمستجير. 2. قصة المرأة التي هاجرت: روى أبو داود أن امرأةً كانت كتب لها الهجرة، فجاء زوجها ليسأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يردها إليه، فلم يردها النبي لأنها هاجرت إلى دار الإسلام، فأصبحت في ذمته وأمانه. الأسس العقلائية والمقاصدية 1. المصلحة العامة: نظام الأمان ضرورة إنسانية واجتماعية. لولا الثقة في الوفاء بالعهود لتعذرت العلاقات بين الأمم، وانعدمت الثقة، وعمّت الفوضى. إيجاد المستجير يهدم هذا النظام برمته. 2. السمعة الدولية: الغدر يجعل صاحبه وصاحب دينه موضع ريبة وشك في المحافل الدولية، ويقطع طرق التواصل والحوار. 3. المقصد الكلي للعدل: الإسلام قائم على العدل، والغدر هو صورة صارخة من صور الظلم والجور. خاتمة ليس في دين الإسلام أدنى مسوغ للغدر بمن استجار وأعطي الأمان، بل إن النصوص الشرعية والأحكام المقاصدية تثبت عكس ذلك تماماً. إن من يفعل هذه الفعلة فهو يخالف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وينقض الأمانة التي حملها المسلم، ويشوه صورة الإسلام النقية. لذلك، فإن الرد على الإشكال يكون بأن الإسلام لم يذكر جواز تسليم المستجير لأنه أصلاً لا يعترف بهذا المبدأ الإجرامي. لقد جعل حرمة المستجير الآمن كحرمة الدم المعصوم، وجعل الوفاء بعهده من صفات المؤمنين، والغدر من صفات المنافقين. فعلى كل مسلم أن يكون حصناً منيعاً للأمانة، ولو مع من يختلف معه في الدين أو الفكر، لأن قيمة الوفاء في الإسلام قيمة مطلقة، وقول رسولنا صلى الله عليه وسلم يظل شاهداً: "أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك". بقلم الأستاذ الدكتور عبد الله التميمي مع تحيات قسن الدراسات الإسلامية Generations and Technology University - GTU جامعة أجيال وتكنولوحيا