زيارة أحمد الشرع إلى واشنطن: تحليل الأبعاد الجيو-سياسية وتداعياتها على المستقبل السياسي والاقتصادي والاجتماعي في سورية بقلم الدكتور محمد نضال محمد هادي خلوف Nedal Khalouf تمهيد تمثل الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، إلى الولايات المتحدة الأمريكية، واستقباله في البيت الأبيض، لحظة فارقة في التاريخ السياسي الحديث للعلاقات الثنائية. هذه الخطوة، التي تتخطى كونها مجرد كسر للبروتوكول الدبلوماسي، تُشكل علامة دالة على تحول جوهري في الموقف الغربي، وخاصة الأمريكي، من النظام السوري. تأتي الزيارة في أعقاب رفع واشنطن لجزء كبير من العقوبات المفروضة على دمشق، مما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة متعددة الأبعاد، تحمل في طياتها وعوداً بإعادة الإعمار وإعادة الدمج الدولي، ولكنها أيضاً تنطوي على مخاطر التبعية واستمرار الإخفاق في معالجة الجروح الوطنية العميقة. تهدف هذه المقالة إلى تحليل هذه الزيارة من خلال ثلاثة مستويات مترابطة: السياسي-المؤسساتي، الاقتصادي، والاجتماعي-السيكولوجي للشعب السوري، لتقديم رؤية شاملة عن المخاطر والتحديات والفرص التي تطرحها هذه اللحظة التاريخية. أجواء الزيارة والدلالات الرمزية: بين كسر العزلة واشتراطات الشرعية 1. كسر الحاجز الاستراتيجي وإعادة تعريف الشرعية: لم تكن الزيارة حدثاً منعزلاً، بل تتويجاً لمسار دبلوماسي خفي. إن استقبال رئيس سوري في البيت الأبيض لأول مرة يشير إلى تحول جذري في "معايير الشرعية" التي تفرضها واشنطن. فبعد سنوات من سياسة العزل والعقوبات التي هدفت إلى إسقاط النظام المجرم، يبدو أن الحسابات الجيو-سياسية المتعلقة بموازين القوى الإقليمية (التصدي للنفوذ الإيراني والروسي)، ومكافحة الإرهاب، والمصالح الاقتصادية، قد طغت على بُعد "حقوق الإنسان والديمقراطية" في المعادلة. هذا التحول لا يمنح الشرعية للنظام الانتقالي فحسب، بل يعيد تعريف شروط التفاعل معه دولياً. 2. الرمزية كأداة سياسية: يُعد اللقاء في البيت الأبيض إعلاناً رمزياً قوياً بـ "ولادة جديدة" لسورية على الساحة الدولية. فهو إشارة واضحة للحلفاء والخصوم على حد سواء بأن دمشق لم تعد دولة منبوذة، وأن باب التعاون معها مفتوح. هذه الرمزية تهدف إلى ترجمة الانفراد السياسي إلى واقع ملموس، عبر جذب الاستثمارات وإضفاء الطابع "الطبيعي" على العلاقات. 3. الأجندة الخفية: الاقتصاد والأمن: تجاوز جدول الأعمال المعلن الإطار البروتوكولي. فموضوع إعادة الإعمار كان المحور الاقتصادي الرئيسي، حيث تسعى واشنطن إلى ضمان حصة لشركاتها في سوق إعادة الإعمار المربحة. على الصعيد الأمني، فإن دمج سورية في التحالف الدولي ضد التطرف يمثل مكسباً استراتيجياً لأمريكا، حيث يمكن لدمشق أن تقدم معلومات استخباراتية حيوية وتلعب دوراً في استقرار المنطقة. الأهمية السياسية والدبلوماسية: قراءة في الأبعاد الاستراتيجية تمثل الزيارة أهمية استثنائية على المستويين السياسي والدبلوماسي، يمكن إجمالها في النقاط التالية: · إعادة رسم الخريطة الجيو-سياسية: تعتبر الذروة الرمزية لانهيار استراتيجية العزل الدولية. بمعنى آخر، هي إعلان من واشنطن بأن "الصفحة قد انقلبت" وأن التعامل مع النظام السوري أصبح أمراً واقعاً وضرورياً. هذا يفتح الباب أمام دول أخرى لتسريع خطوات التطبيع. · نقل سورية من وضع "المشكلة" إلى وضع "الشريك": مجرد إجراء اللقاء على هذا المستوى هو اعتراف دبلوماسي غير مباشر بأهمية سورية ودورها الإقليمي الذي لا يمكن تجاوزه لحل أي أزمات إقليمية مستقبلية، مثل مكافحة الإرهاب ومسارات التطبيع. · تفعيل الدبلوماسية المباشرة: تعيد الزيارة الاعتماد إلى القنوات الدبلوماسية المباشرة بعد سنوات من الاعتماد على الوساطات أو التواصل الأمني غير المعلن. هذا يمنح الطرفين قدرة أكبر على الفهم المباشر للحدود الحمراء وتجنب سوء الفهم. النتائج المتوقعة: تحليل ثلاثي الأبعاد (أ) على المستوى السياسي والمؤسساتي: وعد الإصلاح واختبار الجدوى · تخفيف العزلة وترسيخ الشرعية الداخلية: سيؤدي هذا الانفتاح الدولي إلى تحرك العديد من الدول والحكومات لتطبيع علاقاتها مع دمشق، مما يمنح الحكومة الانتقالية هامشاً أوسع للمناورة على الصعيدين الإقليمي والدولي. داخلياً، تسعى السلطة إلى توظيف هذه الزيارة كدليل على "انتصارها" الدبلوماسي و"صواب" استراتيجيتها، مما يعزز من شرعيتها في أعين شريحة من الشعب. · ضغط الإصلاح كتكلفة للشرعية: لكن هذه الشرعية الدولية المستعادة ليست مجانية. فهي مشروطة بتحقيق إصلاحات جذرية، أبرزها: · الشفافية: يتطلب بناء الثقة مع المجتمع الدولي والمحلي إنشاء آليات شفافة للحكم، ومكافحة الفساد الهيكلي الذي استشرى في مؤسسات الدولة في زمن النظام البائد. · المصالحة الوطنية: لا يمكن الحديث عن إعادة إعمار حقيقية دون إعادة بناء النسيج الاجتماعي. هذا يتطلب مصالحة وطنية شاملة وعادلة، تضمن حقوق الضحايا وتضمن عدم إفلات مرتكبي الانتهاكات من العقاب. · إعادة بناء القانون والمؤسسات: يبقى التحدي الأكبر هو بناء مؤسسات دولة مستقلة ، وإعادة هيكلة القطاع الأمني، وضمان سيادة القانون. هذا هو الاختبار الحقيقي الذي سيكشف إن كانت الزيارة قد فتحت باباً للإصلاح الحقيقي أم أنها مجرد تغيير شكلي في العلاقات. (ب) على المستوى الاقتصادي: بين فرص إعادة الإعمار ومخاطر التبعية · فرص إعادة الإعمار: فتح الأبواب المغلقة: يشكل رفع العقوبات وتدفق الاستثمارات الأمريكية والغربية فرصة تاريخية لإعادة إعمار البنى التحتية المدمرة. هذا من شأنه أن يخلق فرص عمل، ينعش القطاعات الاقتصادية المتعثرة، ويخفف من المعاناة الإنسانية المروعة للشعب السوري. قد يؤدي ذلك إلى إحياء قطاعات مثل الطاقة، الاتصالات، والخدمات، مما يعيد جزءاً من الحيوية للاقتصاد السوري. · خطورة التبعية والهيمنة الاقتصادية: هنا تكمن المُفارقة الكبرى. فالكثير من المحللين يخشون أن تتحول "فرصة" إعادة الإعمار إلى أداة للهيمنة الاقتصادية. إن رفع العقوبات مقابل تنازلات استراتيجية (مثل منح امتيازات نفطية أو عسكرية) قد يؤدي إلى: · إفقاد السيادة الاقتصادية: حيث تصبح القرارات الاقتصادية خاضعة لشروط المانحين والمستثمرين الأجانب. · تعميق التبعية: بدلاً من بناء اقتصاد منتج ومستقل، قد تصبح سورية سوقاً استهلاكية للبضائع الأجنبية ومصدراً للمواد الخام. · تفوق المصالح الأجنبية: قد تؤدي المنافسة بين القوى الدولية (أمريكا، روسيا، تركيا ،الخليج) على النفوذ في سورية إلى تحويل الاقتصاد السوري إلى ساحة لصراع المصالح، مما يقوض أي جهود للتنمية المستقلة. (ج) على مستوى الشعب السوري: بين أمل النهوض وخيبة الخوف · أمل بدخول عصر جديد: للعديد من السوريين، تمثل هذه الزيارة بصيص أمل حقيقي لرؤية بلدهم ينهض من تحت الأنقاض. إن احتمال عودة الخدمات الأساسية (الكهرباء، الماء، الصحة)، وخلق فرص العمل، وعودة نوع من الاستقرار، هو حلم يراود الملايين داخل سورية وفي الشتات. هذا الأمل هو رأس المال الاجتماعي الأهم لأي عملية إعادة إعمار. · ابتزاز الخوف من الوعود المعطاة: يقابل هذا الأمل تاريخ طويل من الوعود المعطلة وخيبات الأمل. لا يزال السوريون يعايشون واقعاً مريراً من النزوح، التشرد، التوتر الطائفي، والتخلف المؤسسي الذي كرسه النظام البائد. لذلك، فإن التوقعات من الحكومة الانتقالية عالية جداً، وأي تأخر في تحقيق إنجازات ملموسة على الأرض سيُترجم بسرعة إلى موجة عارمة من الإحباط . الخوف الحقيقي هو أن تتحول هذه الزيارة إلى "مسرح رمزي" آخر، بينما يظل الواقع اليومي للمواطن كما هو: صراع من أجل البقاء. المخاطر والتحديات الجوهرية 1. غياب الشفافية والمساءلة: إذا لم تترجم هذه الزيارة إلى برامج عمل واضحة، وميزانيات شفافة، ومؤشرات أداء قابلة للقياس، فسيبقى الشعب السوري في حالة من الحذر والشك. بدون مساءلة حقيقية للمسؤولين الفاسدين، قد تتحول أموال إعادة الإعمار إلى قنوات الفساد القديمة، مما يزيد من إثراء النخبة ويوسع فجوة التفاوت الاجتماعي. 2. التوازن بين القوى الإقليمية: المشي في حقل ألغام جيو-سياسي: سورية ليست صفحة بيضاء؛ فهي ساحة لنفوذ قوى متعددة (روسيا، دول الخليج، تركيا). إن عملية التعامل مع واشنطن لا تخلو من مطبات، حيث أن أي تقارب أمريكي-سوري قد يهدد مصالح بعض هذه القوى. على النظام الانتقالي أن يمارس دبلوماسية متوازنة للغاية لتجنب أي استفزاز أو الدخول في صراعات جديدة. 3. إعادة بناء الثقة الوطنية: التحدي الأعظم: ربما يكون التحدي الأصعب هو إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. فالثقة التي انهارت خلال سنوات الصراع لا يمكن إعادتها بالخطابات الرنّانة أو الزيارات الدبلوماسية. إنما تحتاج إلى دليل ملموس يتمثل في تحسين الخدمات، احترام الحقوق المدنية، وإقامة العدل. بدون ذلك، فإن الشعور بالخذلان سيتعمق، وسيكون أي استقرار مُكتسب هشاً وقابلاً للانهيار عند أول أزمة. الخلاصة والتوصيات: بين نقطة التحول والمسرح الرمزي لا شك أن زيارة أحمد الشرع إلى واشنطن تمثل لحظة محورية قد تُعيد رسم الخريطة السياسية والاقتصادية لسورية. فهي فرصة تاريخية يجب استثمارها بحكمة لإنهاء معاناة الشعب السوري ودفع البلاد نحو بر الأمان. غير أن التحليل يُظهر أن هذه الفرصة العظيمة ليست مضمونة النتائج. فهي محفوفة بمخاطر الهيمنة الاقتصادية، واستمرار الفساد، وتصاعد الإحباط الاجتماعي. الرهان الحقيقي ليس على الحدث الدبلوماسي نفسه، بل على ما يليه. لذلك، نقدم التوصيات التالية: 1. للحكومة السورية الانتقالية: يجب أن تتحول الزيارة إلى خطة عمل وطنية ذات أولويات واضحة. التركيز على الإصلاحات المؤسسية، الشفافية المالية، وإطلاق حوار وطني حقيقي للمصالحة هو الطريق الوحيد لتحويل الشرعية الدولية إلى شرعية محلية. 2. للمجتمع الدولي والولايات المتحدة: يجب ربط الدعم الاقتصادي والأدبي بمعايير صارمة ومراقبة على الأرض. دعم منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام المستقلة لضمان وجود رقابة محلية على عملية الإعمار والإصلاح. 3. للشعب السوري وقواه السياسية: المطالبة بوضوح وبإصرار بتحقيق إنجازات ملموسة، والمشاركة الفاعلة في الرقابة على عملية إعادة الإعمار وبناء المؤسسات. لا ينبغي أن يكون الشعب مجرد متلقي، بل شريكاً فاعلاً في صياغة مستقبله. ختاماً، إما أن تكون هذه اللحظة "نقطة تحول" حقيقية نحو سورية جديدة، موحدة، مستقلة، ومزدهرة، أو أنها ستكون مجرد "مسرح رمزي" من دون أداء حقيقي، تُضاف إلى سجل الخيبات السورية. الخيار يعتمد على حكمة النخبة الحاكمة، وجدية المجتمع الدولي، وإصرار الشعب السوري على تحقيق كرامته وحقوقه. الدعوة موجهة للجميع لعدم ترك هذا الحدث يضيع في متاهات السياسة من دون أن يترك أثراً إيجابياً في حياة السوريين الدكتور نضال خلوف Nedal Khalouf مع تحيات كلية العلوم السياسية Generations and Technology University https://gtuedu.org