المقاصد الدستورية : الأسس الفلسفية والتشريعية بين الشريعة والقانون الوضعي الباحث عبد الرحمن محمود حساني المقدمة العامة للبحث 1 - تمهيد : يُعدّ الدستور الركيزة الأولى التي تقوم عليها الدول الحديثة، فهو الإطار الأعلى الذي يحدّد شكل السلطة ونظام الحكم ويُنظّم العلاقة بين الدولة والمجتمع والأفراد. ولا يمكن النظر إلى الدستور على أنه مجرد وثيقة قانونية تحتوي على مواد جامدة،بل هو نتاج رؤية فلسفية وإنسانية عميقة تعبّر عن روح الأمة ومعتقداتها وقيمها الأخلاقية ومبادئها الحضارية. لقد كانت فكرة "القانون الأعلى" أو "المرجعية الدستورية" محورًا أساسًا في مسيرة الفكر الإنساني منذ العصور القديمة، حيث تساءل الفلاسفة عن مصدر السلطة وشرعيتها، وعن العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وعن الحدود الأخلاقية التي ينبغي ألا يتجاوزها التشريع الوضعي. وهكذا نشأت عبر التاريخ مدارس فكرية متباينة حول الدستور،بعضها يستمد مشروعيته من الإرادة الإلهية وبعضها الآخر من الإرادة الشعبية أو من التطور الاجتماعي والسياسي. وفي ضوء هذه الإشكاليات الكبرى،يأتي هذا البحث ليُقدّم دراسة تحليلية فلسفية مقارنة في مفهوم الدستور وأبعاده الفكرية والتشريعية، بين الرؤية الدينية التي تنظر إليه كمنظومة قيمية مستمدة من مقاصد العدل والمصلحة والحرية، والرؤية الوضعية التي تجعله ثمرةً للتجربة الإنسانية والعقل الجمعي ومبدأ السيادة الشعبية. 2 - مشكلة البحث : تكمن مشكلة هذا البحث في السؤال الجوهري الآتي: هل يمكن أن تقوم فلسفة الدستور على أساس يجمع بين المرجعية القيمية(الدينية) والعقلانية القانونية (الوضعية) في آن واحد ...؟ ويفترض هذا البحث أن الجمع بين المرجعيتين ليس ممكناً فحسب، بل هو ضروري لتأسيس دستور متوازن، من خلال فصل مجال كل منهما: فالثوابت والقيم العليا تستمد من الدين، بينما الآليات والأساليب تستند إلى العقل والتجربة الإنسانية. ويتفرع عن هذا السؤال عدة تساؤلات فرعية : ١- ما الفلسفة العامة التي يقوم عليها أي دستور في العالم ...؟ ٢- ما الغاية والهدف من وجود دستور للدولة ...؟ ٣- ما الفرق الجوهري بين القانون والدستور من حيث الوظيفة والمنشأ ...؟ ٤- كيف تُقسم القوانين داخل الدولة، وما فلسفة هذا التدرّج التشريعي ...؟ ٥- ما أهم النظريات الفلسفية والدينية التي حدّدت شكل الدساتير الحديثة ...؟ ٦- كيف يمكن تحقيق التوازن بين ثبات المبادئ وتطور النصوص الدستورية ...؟ 3 - أهمية البحث : تنبع أهمية هذا البحث من كونه يسعى إلى: ١- بناء جسر معرفي بين الفكر الإسلامي والفكر القانوني الحديث في النظر إلى الدستور. ٢- تقديم رؤية فلسفية جديدة توحّد بين العدالة الإلهية والعدالة الوضعية في صياغة الدساتير. ٣- إثراء الدراسات المقارنة بين الشريعة والقانون في ميدان الفلسفة السياسية. ٤- الإسهام في فهم عميق لجوهر العلاقة بين الإنسان والدولة والقانون. 4 - أهداف البحث : ١- تحليل البنية الفلسفية والفكرية التي يقوم عليها مفهوم الدستور. ٢- دراسة الأسس الأخلاقية والإنسانية التي تحكم صياغة الدساتير. ٣- مقارنة المرجعيات الدينية والوضعية في بناء الدستور. ٤- توضيح الفرق الجوهري بين القانون والدستور من حيث الوظيفة والمنشأ. ٥- بيان دور النظريات الكبرى (العقد الاجتماعي، المنفعة، المقاصد الشرعية...) في تشكيل الفكر الدستوري. ٦- بلورة فلسفة دستورية وسطية تجمع بين الثبات والتطور. 5 - منهج البحث : يعتمد البحث على مناهج متعددة: ١- المنهج التحليلي : لتحليل المفاهيم الدستورية والفلسفية. ٢- المنهج المقارن : لمقارنة الفلسفة الدينية والفكر الوضعي. ٣- المنهج التاريخي: لتتبع تطور فكرة الدستور عبر العصور. ٤- المنهج الاستقرائي : لاستنتاج المبادئ العامة من النصوص والتجارب الدستورية. 6 - الدراسات السابقة : تناولت دراسات كثيرة مسألة الدستور من الزاوية القانونية أو السياسية، مثل مؤلفات : ١- جون لوك في الحكومة المدنية ٢- جان جاك روسو في العقد الاجتماعي ٣- مونتسكيو في روح القوانين ٤- الفقهاء الإسلاميون كأبي الحسن الماوردي في الأحكام السلطانية لكن معظم هذه الدراسات ركز على الجوانب الوصفية أو الفقهية دون الغوص في الفلسفة العميقة التي تجمع بين المعنى الشرعي والإنساني للدستور،وهو ما يسعى هذا البحث إلى معالجته. 7 - هيكل البحث : تم تقسيم البحث إلى ستة أبواب رئيسة، يتناول كل باب جانبًا من فلسفة الدستور، بدءًا من ماهيته ونشأته الفكرية وصولًا إلى النظريات الكبرى التي تحدد شكل الدساتير، مع تحليل مقارن بين الرؤية الدينية والوضعية، ثم خاتمة تتضمن النتائج والتوصيات. 8 - اقتباس تمهيدي : يقول الفيلسوف مونتسكيو: "إن القوانين،لكي تكون صالحة، يجب أن تتناسب مع طبيعة الشعب الذي وُضعت له." ويقول تعالى في محكم كتابه الكريم: "إِنّ َاللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ" (النحل: 90) فبين هذين الأصلين— العدل الإلهي والعقل التشريعي — تتكوّن فلسفة الدستور التي تحكم علاقة الإنسان بالسلطة والمجتمع. الباب الأول: ماهية الدستور وفلسفته العامة الباب الأول - ماهية الدستور وفلسفته العامة الفصل الأول - تعريف الدستور ونشأته التاريخية أولًا : تعريف الدستور لغةً واصطلاحًا : لغة: يُشتق لفظ الدستور من أصلٍ فارسي قديم، ومعناه الأساس أو القاعدة التي تُبنى عليها الأمور. وقد انتقل اللفظ إلى اللغة العربية بمعناه القانوني الحديث ليعني "النظام الأساسي للدولة"، أي الوثيقة العليا التي تُحدّد شكل الحكم، وتوزيع السلطات، وحقوق الأفراد وواجباتهم. · اصطلاحا : أما في الاصطلاح القانوني، فقد عرّفه الفقيه كلود ألبرت بأنه : "مجموعة القواعد القانونية التي تُنظّم السلطة السياسية في الدولة،وتُحدّد اختصاصاتها، وتكفل الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين." وفي الفقه الإسلامي، وإن لم يُستخدم مصطلح "الدستور" بمفهومه الحديث، إلا أن جوهره كان حاضرًا في مقاصد الشريعة ونظم الحكم. فقد وضع الإسلام مبادئ العدل والشورى والمساواة كأساس لتنظيم علاقة الحاكم بالمحكوم، وهو ما عبّر عنه القرآن الكريم بقوله تعالى :"وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ" (الشورى: 38) وهذه الآية تُعبّر عن المبدأ الدستوري الأصيل الذي يجعل الأمة شريكة في صنع القرار. ثانيًا - النشأة التاريخية لفكرة الدستور : لم يظهر الدستور فجأة بوصفه وثيقة مكتوبة،بل هو ثمرة تطور طويل مرّت به البشرية عبر مراحل متعددة : 1 - المرحلة الأولى : الدولة القديمة والقانون الإلهي في الحضارات القديمة كالبابلية والمصرية واليونانية،كانت القوانين تُعدّ منحة إلهية، كما في شريعة حمورابي، التي اعتُبرت من أولى الوثائق القانونية في التاريخ. أما عند الإغريق،فقد كانت الفلسفة تبحث عن العدالة كمفهوم كوني، حيث رأى أفلاطون أن الدولة العادلة هي التي يُطبّق فيها القانون على الجميع، وأن "القانون هو سيّد الجميع لا العكس". 2 - المرحلة الثانية : العصور الوسطى والحق الإلهي للملوك في أوروبا،ساد مبدأ "الحق الإلهي للملوك"، فكان الحاكم يُعتبر ممثلًا لله في الأرض، ولا يُسأل عن أفعاله. غير أن الفكر الديني والفلسفي بدأ يواجه هذا الاستبداد،حيث دعا توما الأكويني إلى إخضاع الحاكم للقانون الإلهي والأخلاقي. 3 - المرحلة الثالثة : عصر النهضة والعقد الاجتماعي مع القرن السابع عشر،بدأت الثورات الفكرية والسياسية، فظهرت نظريات لوك وروسو وهوبز حول "العقد الاجتماعي" الذي يُنظّم العلاقة بين الحاكم والمحكوم. قال جون لوك:"السلطة لا تكون شرعية إلا إذا كانت قائمة على رضا المحكومين". واعتبر روسو أن الدستور هو التعبير عن الإرادة العامة للأمة،وليس أداة للسلطة. 4 - المرحلة الرابعة - الدساتير الحديثة بدأت مع الدستور الأمريكي(1787م) ثم الدستور الفرنسي (1791م)، لتنتشر فكرة الدستور المكتوب في معظم دول العالم. 5 - أما في الفكر الإسلامي الحديث، فقد مثّل "دستور المدينة" الذي وضعه النبي ﷺ أول نموذج واقعي لدستورٍ مدني ينظم العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين على أساس العدالة والحرية الدينية والمواطنة المتساوية. يقول النبي ﷺ في وثيقة المدينة: "وإن المؤمنين والمتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم أو إثم أو عدوان." وهي قاعدة دستورية تؤكد مسؤولية الجماعة في حماية العدالة ومنع الظلم. ثالثًا - تطور مفهوم الدستور في الفكر الإسلامي لم يستخدم فقهاء الإسلام مصطلح"الدستور"، لكنهم تناولوا معناه تحت مفاهيم الإمامة، الشورى، الحكم، الطاعة، والعدل. فقد رأى الماوردي في الأحكام السلطانية أن إقامة العدل وحماية الحقوق وتحقيق المصلحة العامة هي مقاصد السلطة الشرعية. وقال ابن تيمية: "إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة،ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة." وهذا القول يعبّر عن جوهر الفلسفة الدستورية القائمة على العدل بوصفه معيارًا لشرعية الدولة. الفصل الثاني - فلسفة الدستور وأبعاده الفكرية أولًا - ماهية الفلسفة الدستورية : الفلسفة الدستورية هي الرؤية التي تفسّر الغاية من وجود الدستور وتحدّد الأسس الفكرية والأخلاقية التي يُبنى عليها.فهي تبحث في : ١- معنى السلطة والحرية. ٢- مصدر الشرعية السياسية. ٣- العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة. ٤- حدود تدخل القانون في الحياة الإنسانية. فكما أن القانون يُعبّر عن إرادة المجتمع، فإن الدستور يُعبّر عن "روح الأمة"، أي عن فلسفتها في الوجود والحكم والعدالة. ثانيًا - البعد الأخلاقي للدستور : إنّ الدستور الحقيقي لا يُقاس بعدد مواده، بل بمقدار ما يحمل من قيمٍ أخلاقية تحفظ كرامة الإنسان. وقد أشار إيمانويل كانط إلى هذا المعنى حين قال: "القانون بلا أخلاق يؤدي إلى الاستبداد، والأخلاق بلا قانون تؤدي إلى الفوضى." ومن هنا، يكون التوازن بين القانون والأخلاق أساس الفلسفة الدستورية السليمة. وفي القرآن الكريم تأصيل لهذا التوازن في قوله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ" (النحل: 90) فالعدل قانون، والإحسان أخلاق وفضل، ومن جمع بينهما فقد بلغ تمام الحكمة التشريعية. ثالثًا - البعد الإنساني والسياسي : الفلسفة الدستورية تُعنى أيضًا بتحقيق التوازن بين إرادة الفرد وحقوق الجماعة. فـروسو يرى أن الإرادة العامة هي التعبير الأسمى عن مصلحة الجميع، بينما يؤكد جون ستيوارت مل على ضرورة حماية حرية الفرد من طغيان الأغلبية. أما الإسلام، فجمع بين الأمرين في قوله تعالى : "لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" (البقرة: 256) لتكون الحرية الفردية مقيدة بالحق،والسلطة الجماعية مقيدة بالعدل. رابعًا - الدستور كمنظومة قيمية : الدستور ليس وثيقة تقنية فحسب،بل هو تعبير عن منظومة القيم التي يؤمن بها المجتمع، مثل : ١- الكرامة الإنسانية، التي هي أصل جميع الحقوق. ٢- الحرية، باعتبارها جوهر الوجود الإنساني. ٣- العدالة، باعتبارها غاية كل تشريع. ٤- المسؤولية، بوصفها الضابط الأخلاقي لاستخدام السلطة. قال أرسطو: "العدالة هي الفضيلة التي تجعل المجتمع ممكنًا." وقال ابن القيم: "الشريعة عدل كلها ورحمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، فليست من الشريعة." خامسًا - العلاقة بين الدستور والفكر الفلسفي يتأثر الدستور بالفكر الفلسفي الذي يسود المجتمع؛ فالفلسفة المثالية تجعل الدستور تعبيرًا عن القيم العليا، بينما الفلسفة المادية تجعله انعكاسًا للعلاقات الاقتصادية. أما الفلسفة الإسلامية فترى أن الدستور يجب أن يجمع بين الحق والواجب،والحرية والمسؤولية، والدنيا والآخرة. · خاتمة الباب الأول : يُظهر هذا الباب أن الدستور ليس مجرد نظام قانوني،بل هو كائن فكري حيّ يجمع بين الفلسفة والسياسة والأخلاق. فهو مرآة لعقل الأمة وضميرها الجمعي،وأداة لتحقيق العدالة والكرامة الإنسانية. ومن هنا،تتضح الحاجة إلى دراسة فلسفة الدستور من منظورٍ شاملٍ يربط بين المنشأ التاريخي، والأساس القيمي، والمضمون الإنساني، تمهيدًا لفهم الأسس التي يقوم عليها في الباب الثاني. ️الباب الثاني - الأسس الفلسفية والفكرية التي يقوم عليها الدستور · تمهيد : يُعدّ الدستور انعكاسًا لفلسفة الدولة ومجتمعها، إذ يتأسس على رؤية فكرية وقيمية تحدد معالم النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وتعبّر عن تصور الدولة للإنسان والسلطة والعدالة والحرية. فمن غير فهم هذه الأسس الفلسفية،يتحول الدستور إلى مجرد نصوص قانونية جامدة، خالية من الروح والغاية، بعيدة عن تطلعات الأمة وقيمها الحضارية. الفصل الأول - الأسس الفلسفية لوجود الدستور المبحث الأول - الأساس الفلسفي في نشأة الدولة والدستور : يستند وجود الدستور إلى فكرة أساسية في الفلسفة السياسية،وهي أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، لا يمكنه العيش بمعزل عن الجماعة، وأن التنظيم السياسي ضرورة عقلية وأخلاقية لحفظ الحقوق وتنظيم الواجبات. وقد عبّر أفلاطون عن ذلك في جمهوريته بقوله:«إن المدينة الفاضلة لا تقوم إلا على العدالة التي تنظم العلاقات بين الأفراد». أما أرسطو فاعتبر أن الدولة هي"الغاية العليا للإنسان"، لأن الإنسان لا يحقق كماله إلا من خلالها. وفي الفلسفة الإسلامية،نجد أن القرآن الكريم وضع الأساس الأول للدولة من خلال مبدأ الشورى : {وَأَمْرُهُ مْشُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38]. وهو مبدأ يوازي في جوهره فكرة العقد الاجتماعي التي صاغها جان جاك روسو بعد قرون،حيث يقوم النظام على التراضي والاختيار الحر، لا على الاستبداد والإكراه. المبحث الثاني: العلاقة بين الدستور وفلسفة العدالة العدالة هي الركيزة الأهم لأي نظام دستوري،إذ تمثل الغاية التي من أجلها وُضعت القوانين. يقول أفلاطون: "العدالة هي أن يؤدي كل إنسان ما هو مؤهل له دون تعدٍّ على حقوق الآخرين." وفي الإسلام،جاءت العدالة كقيمة مطلقة تتجاوز الحدود الزمنية والمكانية: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ} [النحل: 90]. فإذا كان الدستور هو العقد الأعلى الذي يضبط العلاقة بين السلطة والمواطن،فإن العدالة هي المبدأ الذي يمنح هذا العقد شرعيته الأخلاقية والإنسانية. الباحث عبد الرحمن محمود حساني مع تحيات كلية العلوم الإجتماعية Generations and Technology University http://gtuedu.org/