د. محمد سعيد أركي: الفكر الإسلامي وأصالة التفاعل: رَدٌّ منهجي على شبهة التأثر بالفلسفات الأجنبية

رد شبه المستشرقين (11) الفكر الإسلامي وأصالة التفاعل: رَدٌّ منهجي على شبهة التأثر بالفلسفات الأجنبية مقدمة: تشكل شبهة تأثر الفكر الإسلامي بالفلسفات الأجنبية واحدة من الشبهات التي يروجها بعض المستشرقين والمشككين، بهدف الطعن في أصالة التراث الإسلامي ونقاء مصادره. ويهدف هذا البحث إلى تحليل هذه الشبهة تحليلاً موضوعياً، بالاعتماد على المنهجية العلمية، مبرهناً أن تفاعل الحضارة الإسلامية مع غيرها لم يكن دليلاً على التبعية، بل كان علامة على قوتها وثقتها بنفسها وهويتها. أولاً: التحليل التاريخي للتفاعل مع التراث العالمي – طبيعة التفاعل الحضاري: لقد كان التفاعل مع التراث الإنساني سنة حضارية أقرها القرآن الكريم:{فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (سورة الأعراف: الآية 176). لم ينغلق الفكر الإسلامي على نفسه، بل تفاعل مع الثقافات الأخرى بعقل ناقد وانتقائي، في عملية كانت دليلاً على الحيوية وليس الذوبان. – مراحل التفاعل: مر التفاعل بمراحل متدرجة بدأت بمرحلة الاستيعاب والنقل(ترجمة انتقائية للتراث اليوناني والفارسي والهندي)، ثم مرحلة التمحيص والغربلة (نقد المنقول وتمييز الصحيح من السقيم)، وانتهاء بمرحلة الإبداع والتأصيل التي أنتجت فكراً إسلامياً أصيلاً. ثانياً: المنهجية الإسلامية في التعامل مع الفلسفات الوافدة – آليات النقد والتمحيص: اتسم التعامل الإسلامي بالمنهجية الواضحة، فاتخذ من المقاييس الشرعية معياراً، وقاعدة العرض على القرآن والسنة أساساً، مع الرد على المخالف بالحجة والبرهان، والأخذ بالصواب أياً كان مصدره، تماشياً مع القاعدة: "الحكمة ضالة المؤمن". – نماذج عملية للنقد: تجلى هذا النقد في كتاب"تهافت الفلاسفة" للغزالي الذي نقض النظام الفلسفي مع الإقرار ببعض جزئياته، وفي النقد العلمي المتواصل للمنطق الأرسطي داخل المصنفات الإسلامية. ولم يكن الهدف إلغاء العقل، بل تحويل الفلسفة والمنطق من مناهج مستقلة إلى أدوات تخدم الشريعة في إطار نسق معرفي متكامل. وقد مثل فلاسفة مثل ابن رشد هذا المنحى الدفاعيِّ عن العقل ضمن مرجعية النص، مما يؤكد أن النقاش كان داخلياً أصيلاً. ثالثاً: نماذج للتأصيل الإسلامي في العلوم – الاستقلالية في العلوم الشرعية: أنتج الفكر الإسلامي علومًا مستقلة تماماً في أدواتها ومناهجها، مثل علم أصول الفقه الذي أسسه الإمام الشافعي، وعلم مصطلح الحديث بمنظومته النقدية الفريدة (الجرح والتعديل)، وعلم الفرائض بنظامه الرياضي المتكامل للمواريث. – العلوم العقلية والتجريبية: لم يكن التأثير مقلداً في هذه العلوم، بل شهدت إبداعاً أصيلاً. ففي البصريات، طور ابن الهيثم المنهج التجريبي، وفي الطب، قدم ابن النفيس وصفاً دقيقاً للدورة الدموية الصغرى متجاوزاً نظريات جالينوس، كما قدم العلماء مناهج استقرائية في الجيولوجيا والفيزياء. رابعاً: الرد على الشبهات التفصيلية – شبهة تأثر علم الكلام بالمنطق اليوناني: يُرد على هذه الشبهة بأن علماء الإسلام استخدموا المنطق كأداة محايدة بعد تعديله وتصحيحه ليتناسب مع النسق الإسلامي. وكان جوهر الخلاف في المسائل الكلامية يدور حول فهم النصوص الشرعية، وليس تقليد الفلاسفة. – شبهة تأثر الفقه الإسلامي بالقوانين الرومانية: يُرد على ذلك بأن الفقه الإسلامي نبع مباشرة من القرآن والسنة. وقواعده الكلية المستقلة مثل "المشقة تجلب التيسير" و"لا ضرر ولا ضرار" تدل على أصالته. كما أن آليات الاستنباط الفقهي الأصيلة من قبيل القياس والاستحسان والمصالح المرسلة، والنابعة من خصائص النصوص الشرعية واللغة العربية، تجعل أي تشابه في بعض القواعد الجزئية ناتجاً عن تشابه طبائع البشر ومصالحهم، لا عن تأثر أو تقليد. – شبهة تأثر التصوف الفلسفي بالمناهج الشرقية: يُرد على هذه الشبهة بالتمييز الجوهري بين التصوف الإسلامي الأصيل، الذي كان تجسيداً عملياً للزهد والعبادة وتزكية النفس المستمدة من القرآن والسنة وهدي السلف الصالح، وبين المذاهب الفلسفية والإشراقية التي حاولت لاحقاً تطعيم التصوف بمفاهيم وحدة الوجود والفناء الاتحادي، وهي انحرافات نبّه عليها علماء الإسلام ونقّدوها. خامساً: مظاهر الأصالة والاستقلال في الفكر الإسلامي – الاستقلالية المنهجية: تميز الفكر الإسلامي بمناهج مستقلة مثل المنهج النقدي في علم الحديث، والمنهج الاستنباطي في أصول الفقه، والمنهج المقاصدي في فهم النصوص. – الخصوصية الحضارية: انبثقت رؤية الإسلام من مركزية التوحيد، وجمعت بشكل متوازن بين العقل والنقل، وربطت بين العلم والعمل والإيمان، في وحدة معرفية ترفض الازدواجية بين "الحقيقة الدينية" و "الحقيقة العلمية" كما في الفكر الغربي. – الإضافات المعرفية الأصيلة: قدم الفكر الإسلامي نظريات اجتماعية واقتصادية وأخلاقية أصيلة في بناء الدولة والمجتمع، كنظام بيت المال والتكافل الاجتماعي. خاتمة: يتضح من خلال هذا البحث أن الفكر الإسلامي حافظ على أصالته واستقلاليته في تفاعله مع الحضارات الأخرى. لقد كان تعامله مع التراث الإنساني تعاملاً ناقداً ومبدعاً، يأخذ الصحيح ويرد السقيم، ويؤصل المنهج ويطور الأدوات. كان تفاعلاً قائماً على الثقة والقدرة على الهضم والتمثل والإبداع، لا على التقليد والتبعية. وتظل هذه الأصالة الفكرية شاهدة على ثراء التراث الإسلامي وقدرته على الاستمرار والتجدد، محافظاً على هويته مستفيداً من التجارب الإنسانية. وما زال هذا النموذج في التفاعل الواعي بالأصالة والابتكار يمثل خارطة طريق للفكر الإسلامي المعاصر في تعامله مع منتجات الحضارة الإنسانية اليوم. مما يؤكد أن الأصالة الحقيقية لا تعني العزلة، بل التفاعل الواعي مع الإبداع الإنساني، مع الحفاظ على الثوابت والهوية. وهكذا، كان الفكر الإسلامي في رحلته التاريخية مُؤَصِّلاً لا مُؤَصَّلاً، ومُبْدِعًا لا مُقَلِّدًا، فحافظ على ذاته وأثرى الإنسانية. د. محمد سعيد مصطفى أركي مع تحيات كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات الإسلامية Generations and Technology University https://gtuedu.org