فلسفة التشريع بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي: دراسة مقارنة في الأسس والمنطلقات والغايات إعداد الباحث : عبدالرحمن محمود حساني - الهيكل المعتمد للبحث : 1 - المقدمة الأكاديمية : 2 - الباب الأول - مفهوم التشريع وفلسفته العامة 3 - الباب الثاني - فلسفة التشريع في الشريعة الإسلامية (القرآن والسنة واجتهادات الفقهاء) 4 - الباب الثالث - فلسفة التشريع في القانون الوضعي (المنطلقات والأسس والغايات) 5 -الباب الرابع - مقارنة تحليلية بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي في فلسفة التشريع 6 - الباب الخامس - النتائج والتوصيات والفلسفة الإنسانية للتشريع 7 - الخاتمة العامة ◾️المقدمة الأكاديمية : يُعدّ التشريع من أعمق مظاهر النشاط العقلي والروحي للإنسان، إذ هو التعبير الأسمى عن حاجة المجتمعات إلى نظامٍ يضبط السلوك، ويوازن بين الحرية والمسؤولية، وبين الحق والواجب. وقد تبلورت عبر التاريخ رؤى متعددة لفلسفة التشريع، بعضها منبثق من الوحي الإلهي كما في الشريعة الإسلامية، وبعضها من العقل الإنساني المحض كما في القوانين الوضعية. تسعى هذه الدراسة إلى المقارنة التحليلية بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي من حيث فلسفة التشريع وخصائصه وأُسسه ومنطلقاته وغاياته، مع تتبع تطور الفكر الفلسفي والفقهي الذي تناول هذا المفهوم من الأنبياء والحكماء والفلاسفة والفقهاء قديماً وحديثاً. وقد تعددت الرؤى باختلاف المذاهب الفكرية والبيئات الحضارية؛ فبينما ترى الشريعة الإسلامية أن التشريع وضعٌ إلهيٌّ مقصودٌ لحفظ مصالح العباد ودرء المفاسد، يرى الفكر القانوني الوضعي أن القانون صنعٌ بشريٌّ يهدف إلى تحقيق النظام الاجتماعي. غير أن كليهما يسعى، في جوهره، إلى تحقيق العدالة وتنظيم العلاقات الإنسانية، وإن اختلفت المنطلقات والمصادر. تقوم أهمية هذا البحث في كونه يحاول الجمع بين الفقه والفلسفة، وبين النص والعقل، وبين الواقع والمقصد، ليبيّن أن التشريع في أصله ليس مجرد نصوص آمرة، بل فلسفة إنسانية سامية ترتكز على قيم العدل، والحرية، والكرامة، والمصلحة العامة. ✅ ️الباب الأول - مفهوم التشريع وفلسفته العامة : 🌍 المبحث الأول - معنى التشريع وأبعاده : - التشريع لغةً مأخوذ من “الشرع”، وهو في أصل العربية: الطريق الواضح إلى الماء، ومنه قوله تعالى: “ثم جعلناك على شريعةٍ من الأمر فاتبعها” (سورة الجاثية: 18). فالشريعة إذًا طريقٌ إلى الحياة والنظام. - أما اصطلاحًا، فالتشريع هو: وضع القواعد العامة التي تُنظِّم سلوك الأفراد في المجتمع، وتُقرن بجزاء مادي أو معنوي لضمان احترامها. - وقد عرفه الإمام الغزالي بأنه “تعبير عن إرادة الله في تنظيم حياة الإنسان بما يحقق له الصلاح في الدنيا والفلاح في الآخرة”( الغزالي، المستصفى في علم الأصول، ج1، ص35 ) - بينما عرفه الفقيه الفرنسي جان كاربونييه بأنه “منظومة من القواعد القانونية الصادرة عن سلطة بشرية، تهدف إلى تحقيق النظام في المجتمع”: ( Jean Carbonnier, Sociologie juridique, PUF, Paris, 1995, p. 22 من هذين التعريفين يتضح أن التشريع في الإسلام تعبديٌّ مقاصديٌّ، بينما في القانون الوضعي اجتماعيٌّ نفعيٌّ، غير أن كليهما يتقاطع في هدف تحقيق العدالة. 🌍 المبحث الثاني - فلسفة التشريع في الفكر الإنساني : تُعبّر فلسفة التشريع عن التساؤل الجوهري: لماذا يُشرّع القانون ...؟ وما غايته ...؟ وقد اختلفت الإجابات عبر التاريخ : - رأى أفلاطون في كتاب القوانين أن التشريع يجب أن يكون وسيلةً لبناء النفس الفاضلة، وأن القانون المثالي هو الذي يجعل الإنسان “محبًّا للخير بذاته، لا خوفًا من العقاب”. : ( Plato, The Laws, Book ) - واعتبر أرسطو أن القانون “عقلٌ خالٍ من الهوى”، وأن العدل هو التزام بالقانون حين يكون منسجمًا مع طبيعة الإنسان الاجتماعية. : ( Aristotle, Politics, Book) - أما الفلاسفة الرواقيون فقد ربطوا التشريع بـ"القانون الطبيعي" الذي يسري في الكون، مؤكدين أن كل تشريع يخالف هذا القانون يفقد شرعيته. - وفي العصر الحديث، رأى جان جاك روسو في كتاب العقد الاجتماعي أن التشريع يجب أن يصدر من الإرادة العامة، لا من فرد، لأن القانون يجب أن يعبّر عن مجموع الإرادات لا عن مصالح طبقة معينة : (Rousseau, Du Contrat Social, Livre) - أما إيمانويل كانت فعدّ التشريع “فنًّا لتنظيم حرية الإنسان بما لا ينقض حرية الآخرين”، فالقانون لديه أخلاقي قبل أن يكون سياسيًا( Kant, Metaphysik der Sitten, 1797 ) 🌍 المبحث الثالث - مقاصد التشريع وأبعاده الأخلاقية والاجتماعية : يرى علماء الإسلام أن غاية التشريع هي تحقيق مصالح العباد، وهو ما قرّره الإمام الشاطبي في الموافقات بقوله: “إن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معًا.” : ( 7. الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، ج2، ص5. ) وقد حدد العلماء مقاصد التشريع الإسلامي في خمسة أصول: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، وهي تمثل أعمدة الفلسفة التشريعية في الإسلام. أما الفلاسفة الوضعيون فقد جعلوا غاية التشريع تحقيق النظام والمصلحة الاجتماعية، كما قال أوغست كونت إن القانون “نتاج تطور اجتماعي يعكس حاجة الإنسان إلى النظام أكثر من حاجته إلى العدالة الميتافيزيقية.”: (Auguste Comte, Cours de philosophie positive, 1830) وهكذا نرى أن التشريع في الإسلام يسمو فوق المصلحة الوقتية لأنه يربطها بالمقصد الإلهي والبعد الأخلاقي، بينما التشريع الوضعي ينحصر غالبًا في المصلحة الدنيوية والغاية النفعية، وإن كان لا يخلو من روحٍ إنسانيةٍ في الفكر الفلسفي الحديث. ✅️ الباب الثاني - فلسفة التشريع في الشريعة الإسلامية (القرآن والسنة واجتهادات الفقهاء) 🌍 المبحث الأول - مصدر التشريع في الإسلام : يُعدّ الوحي الإلهي هو المصدر الأعلى للتشريع في الإسلام، إذ يستمدّ قانونه من القرآن الكريم والسنة النبوية، ثم من الاجتهاد الفقهي المبني على مقاصد الشريعة. قال تعالى : "إن الحكم إلا لله، أمر ألا تعبدوا إلا إياه" (يوسف: 40). هذه الآية تقرر أن السيادة التشريعية لله وحده، وأن وظيفة الإنسان هي الاستخلاف في تطبيق هذا التشريع الإلهي وفق المقاصد والعدل. فالقرآن هو الأصل الكلي للتشريع، والسنة هي البيان التطبيقي له، ثم يأتي الاجتهاد لملىء الفراغات وتطبيق المقاصد على المستجدات. ويرى الإمام الشافعي أن السنة “تبيّن المجمل، وتخصص العام، وتقيّد المطلق”، فهي مفسّرة للقرآن لا مستقلة عنه ( الشافعي، الرسالة، ص 20.) كما اعتبر ابن القيم الجوزية أن الشريعة “مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدلٌ كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها”: (ابن القيم، إعلام الموقعين، ج1، ص 87.) 🌍 المبحث الثاني - الأسس الفلسفية للتشريع الإسلامي 1 - العدالة الإلهية والميزان القرآني : يرى القرآن أن العدل جوهر التشريع وغايتُه، قال تعالى : “لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط” (الحديد: 25). فالتشريع الإلهي ليس مجرد أوامر، بل هو ميزان قيمي كوني يحكم العلاقات الإنسانية على قاعدة العدل والمساواة. إن قيام العدل – مثلاً – ليس بالأداء الإنساني المطلق؛ بل هو ضمن مقررات الشريعة العامة، ومحكمات الدين الحنيف، ولو حاول الإنسان تحقيق العدل الكامل فإنه لن يستطيع أن يحققه بمعزل عن قواعد الشريعة وقوانينها 2 - مقاصد الشريعة كمنطلق فلسفي : حدد العلماء المقاصد العليا للشريعة في حفظ الدين،والنفس، والعقل، والنسل، والمال ( الشاطبي، الموافقات، ج2، ص 9.) وهذه المقاصد تشكّل الأساس الفلسفي لأي اجتهاد تشريعي، إذ تجعل الإنسان محور الغاية، لا الأداة. يقول الله تعالى : { إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبـٰـى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُوْنَ﴾ النحل:90. بهذه الآية العظيمة تجلت محكمات التشريعات ومقاصدها : - فالعدل في الأحكام - والإحسان في الأعمال والأخلاق، - والإيتاء ( الانفاق) في الأموال عرض رباني لقيم الحياة العليا، ومصالحها العظيمة. - إن مقاصد التشريع هي : - الغايات والمصالح التي تتوخاها الشريعة في أحكامها، - والعلل التي من أجلها قامت الشريعة أو قامت الأحكام، فالله عز وجل من أسمائه: الحكيم الخبير الذي لايخلو أمره من حكمة ورعاية مصلحة في الدنيا أو في الآخرة . 3 - التوازن بين الثابت والمتغير : الشريعة الإسلامية تمتاز بمرونة عقلانية، فهي تجمع بين النص الثابت والمصلحة المتجددة. فالأصول ثابتة لأنها تعبير عن الحقيقة الإلهية، والفروع متغيرة لأنها تخضع لاجتهاد الإنسان في الزمان والمكان. 4 - الربط بين القانون والأخلاق يرى الإسلام أن الأخلاق جزء من بنية التشريع، وليست منفصلة عنه. فالقانون في الإسلام ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لتزكية الإنسان، قال النبي ﷺ: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق” ( رواه البيهقي في السنن الكبرى، رقم الحديث 20571.) 🌍 المبحث الثالث - آراء الفقهاء في فلسفة التشريع الإمام الغزالي اعتبر أن غاية التشريع هي تحقيق المصالح ودفع المفاسد، وأن المصلحة لا تكون مصلحة إلا إذا شهد لها الشرع بالاعتبار ( الغزالي، المستصفى، ج1، ص 178 ) العز بن عبدالسلام ربط الأحكام بالمقاصد قائلاً: “كل تصرف خرج عن قاعدة العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، فليس من الشريعة وإن أُدخل فيها بالتأويل” ( العز بن عبدالسلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، ج1، ص 7. ) الشاطبي أكد أن الشريعة “جُعلت لمصالح العباد، وهي رحمة وعدلٌ وحكمة”، وأن المقاصد هي المنطلق الفلسفي لأي فهم للنصوص ( الشاطبي، الموافقات، ج3، ص 22 ) ابن القيم شدد على أن “حيثما وُجد العدل فثم شرع الله”، جاعلًا من العدالة مفهومًا كونيًا متجاوزًا للحدود الفقهية : ( ابن القيم، إعلام الموقعين، ج2، ص 272.) من مجموع هذه الآراء يتضح أن فلسفة التشريع الإسلامي تقوم على : ١ - وحدة الغاية -(العدل)، ٢ - وتوازن المقصد - (المصلحة)، ٣ - وتكامل الأخلاق - مع القانون. ✅️ الباب الثالث - فلسفة التشريع في القانون الوضعي : (المنطلقات والأسس والغايات) 🌍 المبحث الأول - نشأة الفلسفة الوضعية للتشريع : تطوّرت فلسفة القانون الوضعي في أوروبا منذ عصر النهضة، حينما فُصل بين الدين والتشريع، وأصبح القانون نتاجًا للعقل الإنساني لا للوحي. بدأت الفكرة مع توماس هوبز الذي رأى أن الإنسان بطبعه أناني، ولا بد من وجود سلطة تفرض النظام بالقوة ( . Thomas Hobbes, Leviathan, 1651 ) ثم جاء جون لوك واعتبر أن القانون عقد اجتماعي يهدف لحماية الحقوق الطبيعية: الحياة، الحرية، الملكية ( John Locke, Two Treatises of Government, 1690 ) أما جان جاك روسو فوسّع الرؤية وجعل القانون تعبيرًا عن “الإرادة العامة” التي تحقق المساواة : Rousseau, Du Contrat Social, Livre وفي القرن التاسع عشر، ظهرت المدرسة الوضعية القانونية بزعامة جون أوستن الذي قال: “القانون هو أمرٌ من الحاكم إلى المحكوم مقرون بعقوبة.” :(John Austin, The Province of Jurisprudence Determined, 1832 ثم جاء هانز كلسن ليُنشئ نظرية “الهرمية القانونية” حيث جعل القانون نظامًا مغلقًا قائمًا على قواعد صادرة عن سلطة عليا (الدولة) : (Hans Kelsen, Reine Rechtslehre, 1934. 🌍 المبحث الثاني - الأسس الفلسفية للتشريع الوضعي: 1 - العقل والواقع أساسان للتشريع : لا تستند القوانين الوضعية إلى الوحي، بل إلى التجربة والعقل الجمعي. فالقانون، في الفلسفة الوضعية، هو نتاج تطور اجتماعي وتاريخي يعكس حاجات الناس لا عقيدتهم. 2 - النفعية والمصلحة العامة : تأثر الفكر القانوني بمدرسة جيريمي بنثام وجون ستيوارت مل، اللذين رأيا أن التشريع ينبغي أن يسعى إلى “أعظم قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس”⁶. ( Jeremy Bentham, An Introduction to the Principles of Morals and Legislation, 1789. وهكذا أصبحت المصلحة المادية والاجتماعية المنطلق الأبرز للتشريع الوضعي. 3 - فصل القانون عن الأخلاق : يرى كلسن وأوستن أن القانون نظام مستقل عن الأخلاق والدين، فوظيفته تنظيم السلوك لا إصلاح الضمير. بينما انتقد الفيلسوف الألماني هيغل هذا الاتجاه مؤكدًا أن القانون بلا روح أخلاقية يصبح مجرد أداة قهر ( Hegel, Philosophy of Right, 1821. 4 - النزعة الإنسانية الحديثة مع القرن العشرين ظهرت فلسفات حديثة تربط القانون بحقوق الإنسان، مثل فكر رادبروخ وهارت، الذين أكّدوا أن التشريع يفقد شرعيته إذا خالف العدالة الإنسانية : (Gustav Radbruch, Legal Philosophy, 1950.) وهكذا عادت الفلسفة القانونية لتبحث عن القيمة الأخلاقية والمعنوية في التشريع، بعد أن غلبت عليها المادية لقرون. 🌍 المبحث الثالث - غايات التشريع الوضعي : يمكن تلخيص غايات التشريع الوضعي في: 1 - تحقيق النظام الاجتماعي وضمان استقرار الدولة. 2 - حماية الحقوق الفردية كالحرية والملكية. 3 - تحقيق العدالة القانونية من خلال المساواة أمام القانون. 4 - تطوير المجتمع عبر القوانين الإصلاحية. ومع ذلك، فإن الفلسفة الوضعية – رغم تطورها – تعاني قصورًا في البعد الروحي والأخلاقي، إذ تكتفي بالمصلحة والمنفعة دون النظر إلى المصير الإنساني الكلي. بينما يتجاوز التشريع الإسلامي هذه المحدودية بربطه القانون بالمطلق الأخلاقي والغاية الوجودية للإنسان. - الهوامش – الباب الثالث ✅ ️الباب الرابع - المقارنة التحليلية بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي في فلسفة التشريع : 🌍 المبحث الأول - مصدر التشريع ومنطلقاته (الأسس الفكرية والفلسفية للتشريع ) 1 - في الشريعة الإسلامية : تقوم الشريعة الإسلامية على أساسٍ إيمانيٍّ إلهي، يجعل الله تعالى مصدر التشريع الأسمى والاصيل، فهو الخالق العالم بمصالح خلقه، وهو الوحي الإلهي المتمثل في القرآن الكريم والسنة النبوية، وما تفرّع عنه من اجتهادات قائمة على مقاصد الشريعة. وقد قال تعالى: "أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ" [الملك: 14]. فالتشريع في الإسلام رباني المصدر، إنساني الغاية، يقوم على مبدأ الاستخلاف، قال تعالى: إن الحكم إلا لله” (يوسف: 40). وبذلك يكون التشريع متصفًا بالكمال والسمو لأنه متصل بمصدر الحق المطلق. 2 - في القانون الوضعي : أما القانون الوضعي فيستند إلى العقل الإنساني والتجربة الاجتماعية كمصدر أساسي للتشريع، فيُعزى مصدر الإلزام إلى إرادة الإنسان الجمعية الممثلة في الدولة أو البرلمان. وهو وضعيّ المصدر، اجتماعيّ الغاية، يقوم على التجربة والعقل والتوافق العام. ومع أنه يحقق التنظيم، إلا أنه يبقى نسبيًّا متغيرًا بتغير الزمن والمجتمع. ◾️ التحليل المقارن: يرى الفيلسوف جان جاك روسو أن القانون الوضعي يجب أن يعبر عن "الإرادة العامة"، وهي إرادة الشعب حين يجتمع على ما فيه الخير العام : ( Rousseau, Du Contrat Social, Livre) بينما يرى كانت أن القانون لا يكتسب شرعيته إلا من تطابقه مع مبدأ الواجب الأخلاقي والعقل الكلي. أما فلاسفة الإسلام كـابن رشد والغزالي، فيرون أن العقل والنقل لا يتعارضان في التشريع، لأن التشريع الإلهي وُضع لمصلحة الإنسان العقلية والروحية معًا، وأن الوحي هو المصدر الذي يرشد العقل نحو الكمال. إذن، يقوم التشريع الإسلامي على توحيد المصدر الإلهي والعقل الإنساني في انسجام، بينما يقوم القانون الوضعي على استقلال الإنسان عن الغيب واعتماده على التجربة والعقل المجرد. من كل ذلك يتضح أن الشريعة الإسلامية تستمد سلطانها من المطلق الإلهي، بينما يستمد القانون الوضعي سلطانه من المجتمع الإنساني، لكن كلا النظامين يسعى إلى تحقيق العدل والنظام، وإن اختلفت نقطة الانطلاق بين السماء والأرض. 🌍 المبحث الثاني- الأسس الفلسفية للتشريع 1- الأساس القيمي : في الإسلام: التشريع قائم على قيم العدل، والرحمة، والحرية، والمساواة. في القانون الوضعي: يقوم على المنفعة، والمصلحة، والعقلانية الاجتماعية. بينما يجعل الإسلام القيمة مطلقة منضبطة بالوحي، يجعلها القانون الوضعي نسبية خاضعة للظروف. 2 - الأساس الأخلاقي: الشريعة الإسلامية تدمج القانون بالأخلاق، فالسلوك القانوني لا ينفصل عن السلوك القيمي. أما الفلسفة الوضعية، خاصة بعد كلسن، فقد فصلت القانون عن الأخلاق بحجة الموضوعية. ومع ذلك، عاد الفكر القانوني الحديث – كما عند رادبروخ وهارت – ليُقرّ بأن القانون بلا روح أخلاقية يفقد شرعيته : (Radbruch, Legal Philosophy, 1950 ) 3 - الأساس العقلي : كلا النظامين يعترف بالعقل وسيلة للفهم والتطبيق، لكن الإسلام يجعل العقل تابعًا للوحي لا حاكمًا عليه، بينما يجعل القانون الوضعي العقل مصدرًا أعلى للتشريع. 🌍 المبحث الثالث - المنطلقات الغائية والمقاصد للتشريع : 1 - في الشريعة الإسلامية : الفصل الثاني: المنطلقات الغائية للتشريع إن غاية التشريع الإسلامي تحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة، ضمن إطار العدل والرحمة وعلى مقاصد كلية عبّر عنها الإمام الشاطبي في حفظ الضروريات الخمس: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. فالشريعة جاءت لهداية الإنسان وتنظيم حياته لتحقيق العدل والرحمة والمصلحة العامة : ( الشاطبي، الموافقات، ج2، ص9 ) بينما يرى الغزالي وابن القيم أن العدالة لا تتحقق إلا إذا استند القانون إلى الضمير الإلهي والغاية الأخلاقية. والمقاصد الكلية الخمس: حفظ الدين، النفس، العقل، النسل، والمال : ( ابن القيم، إعلام الموقعين، ج2، ص 272.) 2 - في القانون الوضعي: بينما ترتكز الفلسفة القانونية الوضعية على تحقيق النظام والمصلحة الاجتماعية الدنيوية، دون النظر بالضرورة إلى المصير الأخروي أو القيم الروحية. فمثلاً، يرى هانز كلسن في نظريته "المدرسة الخالصة للقانون" أن القانون نظامٌ مغلق، منفصل عن الأخلاق والدين 🙁 Hans Kelsen, Reine Rechtslehre, 1934.) غايته تحقيق النظام الاجتماعي، وضمان الحقوق، وتقييد السلطة. وهي غايات نبيلة لكنها محدودة بالزمن والمكان، ولا تتجاوز البعد المادي. - التحليل الفلسفي : فإن غاية التشريع بين العدالة والمصلحة فإن الغاية القصوى في الشريعة الإسلامية هي تحقيق العدل الذي به قوام السماوات والأرض. قال تعالى: "لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ" [الحديد: 25]. أما في القانون الوضعي فغاية التشريع هي تحقيق التوازن الاجتماعي، كما يرى مونتسكيو في كتابه روح القوانين أن القوانين يجب أن تتناسب مع طبيعة الأمة وظروفها لضمان الحرية والنظام معًا. وفي المقابل، يرى ابن القيم أن "العدل هو روح الشريعة، فحيثما كان العدل فثم شرع الله"، مما يجعل العدالة في الإسلام غاية إلهية وإنسانية في آنٍ واحد. لذلك فإن الشريعة تتوجه إلى الإنسان بوصفه كائنًا ذا بعد روحي وأخلاقي، بينما يتعامل القانون الوضعي مع الإنسان كفاعل اجتماعي ضمن منظومة مادية. ومن هنا تأتي شموليّة التشريع الإسلامي مقابل جزئية القانون الوضعي. 🌍 المبحث الرابع - خصائص التشريع في النظامين : المقارنة : 1 - المصدر : - الشريعة الإسلامية : إلهي (الوحي) - القانون الوضعي : بشري (العقل والمجتمع) - المقارنة : 2 - الغاية : - الشريعة الإسلامية : تحقيق مقاصد العدل والمصلحة العامة في الدنيا والآخرة - القانون الوضعي : تحقيق النظام والحقوق المادية - المقارنة : 3 : الثبات والتطور : - الشريعة الإسلامية : ثوابت في الأصول ومرونة في الفروع - القانون الوضعي : متغير وفق البيئة والزمان - المقارنة : 4 - العلاقة بالأخلاق : - الشريعة الإسلامية : تكامل تام بين القانون والاخلاق - - القانون الوضعي : فصل جزئي أو كلي - المقارنة : 5 - المرجعية العليا : - الشريعة الإسلامية : الله تعالى - القانون الوضعي : الدولة أو الإرادة العامة - المقارنة : 6 - الجزاء : - الشريعة الإسلامية : دنيوي وأخروي - القانون الوضعي : دنيوي فقط - المقارنة : 7 - التصور للإنسان : - الشريعة الإسلامية : خليفة ومسؤول أمام الله - القانون الوضعي : فرد اجتماعي خاضع للنظام ✅️ الباب الخامس - النتائج والتوصيات والفلسفة الإنسانية للتشريع : 🌍 المبحث الأول - النتائج العامة 1 - الوحدة بين الحق والعدل : - يظهر من المقارنة أن فلسفة التشريع في الإسلام تربط الحق بالعدل، فلا تشريع إلا بما يحقق المقاصد الأخلاقية والإنسانية. - بينما القانون الوضعي – رغم تقدمه في مجال التنظيم – كثيرًا ما يفصل بين العدل والمصلحة. 2 -الروح الإلهية في مقابل الصياغة الوضعية : يمتاز التشريع الإسلامي بقدرته على إحياء الضمير الجمعي لأنه يخاطب الروح والعقل معًا، في حين أن القانون الوضعي – بصفته نتاجًا بشريًا – يعالج الظاهر من السلوك دون النفاذ إلى الباطن. 3 - شمولية المقصد الإنساني : - يتضح أن الشريعة الإسلامية تمتاز بالشمول والإلهام الإلهي، إذ تجمع بين العقل والوحي، والمصلحة والفضيلة. فتعتبر الإنسان غاية الوجود، وهي تشريع لكرامة الإنسان لا لسلطة الدولة، - بينما القانون الوضعي – غالبًا – يجعل الدولة محور التشريع. والتشريع الإسلامي ينطلق من غاية أخلاقية روحية، أما القانون الوضعي فيسعى غالبًا إلى النظام الاجتماعي فقط. 4 - التكامل بين الثابت والمتغير: -الإسلام وضع أصولًا ثابتة، وترك للفقيه والمجتهد مساحة واسعة للتطور والتجديد، - بينما القانون الوضعي بطبعه متغير لانه قأئم على ارادة الانسان المحدودة مما يجعله عرضة للتغير وفق مصالح الافراد والمجتمعات وأحيانًا يفتقد المرجعية العليا التي تحفظ التوازن. إعداد الباحث : عبدالرحمن حساني مع تحيات كلية القانون الدولي Generations and Technology University https://gtuedu.org