شعب العبقرية المفقودة

شعب العبقرية المفقودة.. حين يتفوق العقل ويفشل الوعي بقلم الدكتور مروان أحمد بحري الدكتور مروان بحري في مشهدٍ يكرّر نفسه كل يوم، نرى أبناءنا يخترقون مستحيلات العلم، يحلّون شيفرة الوجود في الحمض النووي، يفككون طلاسم الدارات المعقدة، يسيطرون على لغات المخ والأعصاب، لكنهم يعجزون عن فك أبسط شيفرة على الإطلاق: شيفرة الهوية والإيمان. إنه المفارقة الأكثر إيلاماً في عالمنا السني: عقول جبارة تصل إلى النجوم، لكنها تعجز عن تمييز النور من الظلام، الإيمان من الإلحاد، الإسلام من الباطنية. يخرجون من معاملهم ومختبراتهم وقد قدّموا للبشرية أعظم الخدمات، بينما بيوتهم تُهدم، وأعراضهم تنتهك، وأرضهم تُغتصب. عباقرة بلا بوصلة لقد أصبحنا ننتج جيلاً من العباقرة التقنيين، الذين يحصدون أعلى الدرجات في كل العلوم، إلا في علم واحد فقط: كيف يكونون سنة؟ كيف يدافعون عن دينهم؟ كيف يحمون أرضهم؟ كيف يصونون كرامتهم؟ تقرأ كل بضعة أيام عن عبقري سوري أو عربي، قدّم للغرب إنجازاً علمياً يخدم تقدمهم وحضارتهم، بينما يتفرغ هذا الغرب نفسه لإرسال كلابه المفترسة إلى بلادنا، لتنهش لحوم أهل السنة، وتدنس مقدساتهم، وتقضي على آخر معاقلهم. الغرب يستهلك عقولنا ويذبح أبناءنا يا له من مشهد مأساوي: عقل عربي يخترع دواءً ينقذ حياة الأوروبيين، بينما طائرات أوروبيا تقصف بيوت إخوته وتذبح أطفالهم. عالم سوري يحل معضلة فيزيائية كانت تقف عائقاً أمام تقدم الحضارة الغربية، بينما سياسات الغرب تقف عائقاً أمام بقاء حضارته هو. إنهم يستقبلون عباقرتنا في جامعاتهم، ويستهلكون عقولنا في مختبراتهم، بينما يرسلون مرتزقتهم لتقطيع أوطاننا إرباً إرباً. لماذا هذا الفصام النكد؟ لأننا درّبنا أبناءنا على حل كل المعادلات، إلا معادلة الوجود. علمناهم كل العلوم، إلا علم المواطنة والكرامة. منحنيهم مفاتيح المعامل، وسلبنا منهم مفاتيح الوعي. صار عندنا دكاترة في الهندسة الوراثية لا يعرفون كيف يحمون جينات أمتهم من الانقراض. خبراء في الدارات الإلكترونية لا يستطيعون فصل تيار المقاومة عن تيار الاستسلام. أطباء أعصاب لا يشعرون بألم الأمة. صحوة الضمير يا أبناء السنة: لا يكفي أن تكونوا عباقرة في العلوم. لا تكفي شهاداتكم واختراعاتكم. الأهم أن تكونوا أذكياء في فهمكم لهويتكم، أبطالاً في الدفاع عن وجودكم. لقد حان الوقت لتصحيح المسار: عقل بلا وعي كسيف بلا مقبض - يجرح صاحبه قبل عدوه. علم بلا إيمان كطائر بلا جناحين - لا يصل إلى السماء ولا يستقر على الأرض. إنقاذ الأمة لا يحتاج إلى عباقرة فقط، بل يحتاج إلى عباقرة يعرفون لمن يقدمون عبقريتهم، ولمن يوجهون براعتهم، وفي أي سبيل يستثمرون طاقاتهم. كفانا تفريقاً بين العقل والقلب، بين العلم والإيمان، بين التكنولوجيا والهوية. فلنربِّ جيلاً من العباقرة الذين يعرفون أن أعظم شيفرة عليهم فكها هي شيفرة مؤامرة تدمير أمتهم، وأعقد دارة عليهم توصيلها هي دارة الوحدة بين أبناء ملتهم، وأهم جهاز عصبي عليهم التحكم به هو الجهاز العصبي الجماعي للأمة. فالأمة التي تنتج العباقرة ثم تتركهم ليخدموا أعداءها، هي كمن يحفر قبره بيده.. بل بأيدي أبنائه! د.مروان بحري Mervan Bahri مع تحيات كلية العلوم الاجتماعية Generations and Technology University