رد على شبهة انتحال المسلمين لعلوم الآخرين: دراسة تحليلية في المنهج والإبداع تهدف هذه الدراسة إلى تفنيد الشبهات التاريخية التي تزعم انتحال المسلمين لعلوم الأمم السابقة، من خلال تحليل منهجي لطبيعة التعامل الإسلامي مع التراث العلمي العالمي. اعتمد البحث على المنهج التاريخي التحليلي النقدي، مستنداً إلى الشواهد الوثائقية والنماذج التطبيقية. وتوصلت إلى أن الحضارة الإسلامية قدمت نموذجاً فريداً في الاستقبال الناقد والترجمة التحويلية، مبرهنة على تجاوزها دور الناقل إلى دور المبدع والمطوّر، من خلال تأسيس علوم جديدة وتطوير مناهج البحث وتصحيح النظريات السابقة. وخلصت الدراسة إلى أن هذه الشبهة تفتقر إلى السند المنطقي والتاريخي، في ضوء الاستمرارية الزمنية والجغرافية للإنجاز العلمي الإسلامي. مقدمة تشكل شبهة انتحال المسلمين لعلوم الأمم السابقة إشكالية تاريخية تثار بين الحين والآخر، في محاولة لنزع الشرعية عن الإنجاز العلمي للحضارة الإسلامية. لذلك تتبنى هذه الدراسة منهجاً تحليلياً نقدياً لتفنيد هذه الشبهة، مركزة على الإشكالية الأساسية: هل كان دور الحضارة الإسلامية مجرد نقل للتراث القديم، أم أنها قدمت نموذجاً تحويلياً فريداً استوعب المعرفة القديمة ثم أعاد إنتاجها وإثراءها؟ من خلال تحليل الجوانب المنهجية والتطبيقية، تسعى هذه الورقة إلى تقديم رؤية واضحة قائمة على الأدلة التاريخية. أولاً: الإطار المنهجي والمفاهيمي للدراسة منهجية البحث اعتمدت الدراسة على المنهج التاريخي التحليلي النقدي، مع الاستعانة بتحليل المخطوطات والوثائق التاريخية ودراسة نماذج تطبيقية من الإنجازات العلمية والمقارنة بين التراث العلمي السابق والإضافات الإسلامية. الإطار النظري والمفاهيمي تقوم الدراسة على مفهومي الاستقبال الناقد والترجمة التحويلية، مع التمييز بين النقل الآلي للمعرفة والاستيعاب الناقد الذي يتضمن التصحيح والتطوير. كما تنطلق من أن العلم في الحضارة الإسلامية لم يكن منفصلاً عن الدين، بل كان طلب العلم فريضة، مما يفسر الدافع الأخلاقي والحضاري للتلقي والإبداع، وينفي الدافع الانتحالي لتحقيق مجد شخصي. ثانياً: طبيعة التعامل الإسلامي مع التراث العلمي: الاستيعاب والتحويل الترجمة الانتقائية والناقدة اتسمت حركة الترجمة في العصر العباسي بالانتقاء الواعي واختيار ما يتوافق مع الرؤية الإسلامية والعقلية العلمية، ورفض ما يخالفهما. كما شملت النقد والتمحيص وتصحيح الأخطاء العلمية في التراث المترجم، والبناء على ما تم نقله وإضافة الجديد. ولم تكن الترجمة نقلاً حرفياً، بل كانت عملية إنشاء للمصطلحات العلمية العربية وتأسيساً لمفاهيم جديدة. التصحيح العلمي المنهجي قدم العلماء المسلمون تصحيحات جوهرية شملت مختلف العلوم، ففي الفلك صحح البتاني أرصاد بطليموس ووضع جداول فلكية أكثر دقة. وفي الطب اكتشف ابن النفيس الدورة الدموية الصغرى قبل هارفي بثلاثة قرون. وفي الكيمياء أسس جابر بن حيان المنهج التجريبي المخبري مخالفاً المنهج النظري اليوناني. وفي الفلسفة نقد ابن سينا نظريتي الفيضان والمادة عند أرسطو. ثالثاً: الإبداع المنهجي والعلمي: تجاوز دور الناقل تأسيس علوم جديدة أنشأ العلماء المسلمون علوماً لم تكن معروفة من قبل، مما ينفي تهمة الانتحال بشكل قاطع. ومن هذه العلوم علم أصول الفقه الذي أسسه الإمام الشافعي، وعلم مصطلح الحديث ونقد الأسانيد، وعلم العمران الذي أسسه ابن خلدون، وعلم الجبر كفرع مستقل عن الحساب الذي وضعه الخوارزمي. تطوير مناهج البحث العلمي أسس ابن الهيثم منهجية البحث التجريبي القائمة على الملاحظة ووضع الفرضية والتجريب والاستنتاج في كتاب المناظر. وطور الطبري والمسعودي وابن الأثير أساليب نقد الرواية والتوثيق التاريخي. كما أنشأ العلماء نظام الفهرس والمكتبات المتخصصة ودور العلم. رابعاً: نماذج الإبداع التطبيقي: الشاهد والدليل الخوارزمي وأسس العصر الرقمي وضع الخوارزمي أسس علم الجبر كفرع مستقل في كتابه المختصر في حساب الجبر والمقابلة. وطور مفهوم الخوارزميات الذي تقوم عليه برامج الحواسيب اليوم. وقدم النظام العشري والحساب الابتدائي. ابن الهيثم وتأسيس البصريات الحديثة نقض ابن الهيثم نظرية إقليدس وبطليموس في الرؤية القائلة بانبعاث الضوء من العين. وأسس نظرية الرؤية العلمية القائمة على انعكاس الضوء من الجسم إلى العين. ووضع قوانين الانعكاس والانكسار الضوئي بشكل منهجي. الزهراوي وثورة الجراحة اخترع الزهراوي أكثر من مئتي أداة جراحية ووصف عمليات جراحية مبتكرة مثل استئصال حصى المثانة وتفتيت الحصى. ووضع أسس الجراحة التجميلية وخياطة الجروح. البيروني وعلم الأرض المقارن درس البيروني تكّون الأرض وتطور الأحياء بالاعتماد على الملاحظة والمقارنة. وقاس محيط الأرض بدقة ملحوظة. وقدم دراسات مقارنة بين الهند وثقافات أخرى. خامساً: الرد المنهجي على الشبهة: الحجج والبراهين الحجة المنطقية: الإبداع المنهجي دليل الأصالة كيف يمكن لمنتحل أن يؤسس علوماً جديدة مثل عِلمَي العمران وأصول الفقه، أو يطور مناهج بحث مثل المنهج التجريبي؟ الانتحال لا ينتج إبداعاً منهجياً، بل يقتصر على التقليد. الحجة الكمية والزمنية: استمرارية العطاء كيف نفسر ظهور آلاف العلماء المبدعين في كل تخصص عبر أكثر من ثمانية قرون متواصلة، وامتداداً من الأندلس إلى الهند؟ الانتحال ظاهرة عابرة، وليس استمراراً إبداعياً عبر القرون. حجة الشهادات العلمية العالمية اعترف علماء ومؤرخون غربيون منصفون بفضل الحضارة الإسلامية، فقد قال جورج سارتون مؤرخ العلوم: "إن فضل العرب ليس في اكتشافهم للعلم اليوناني فحسب، بل في توسيعهم وتطويرهم إياه بطرق أصلية". وأكد فيلبي أن الخوارزمي هو أبو الجبر بكل معنى الكلمة. حجة الديناميكية الحضارية: التفاعل سُنة الحياة الحضارات لا تنمو إلا بالتفاعل. فقد تفاعل الإغريق مع المصريين والفرس، وتفاعلت أوروبا مع المسلمين. السؤال الجوهري ليس من نقل من، بل كيف تم استيعاب المعرفة وإعادة إنتاجها؟ وكان المسلمون الحلقة الأقوى والأكثر إبداعاً في هذه السلسلة الحضارية. سادساً: النتائج والتوصيات أثبت البحث أن التعامل الإسلامي مع التراث العالمي كان انتقائياً ناقداً تحويلياً، وليس انتحالاً. وكشفت الدراسة عن الإضافات المنهجية والتطبيقية المبتكرة التي قدمها العلماء المسلمون. وبين التحليل ضعف الأساس العلمي والمنطقي للشبهة، من خلال الحجج الكمية والزمنية والمنهجية. توصيات دراسة المناهج العلمية الإسلامية مثل المنهج التجريبي والنقد كمصدر إلهام للبحث العلمي المعاصر. وتوثيق الإنجازات العلمية الإسلامية بلغة أكاديمية معاصرة وتضمينها في المناهج التعليمية. وتعزيز الحوار الحضاري حول الإسهامات العلمية الإسلامية، والرد على الشبهات بالحجة والبرهان. خاتمة تظهر هذه الدراسة أن الشبهة المثارة حول انتحال المسلمين لعلوم الآخرين تفتقر إلى الأساس العلمي والمنهجي. فقد قدمت الحضارة الإسلامية نموذجاً فريداً في التعامل مع المعرفة، يجمع بين الأصالة والابتكار، وبين الاستمرارية والتجديد. كان نموذجاً للاستيعاب الناقد والتحويل الإبداعي، لا للنقل السلبي. وكانت بحق جسراً نقلت فيه المعرفة ثم طورتها وأضافت عليها، مساهمة في تقدم البشرية جمعاء. والسؤال الذي يظل ملهماً: ما الذي يمكن أن تتعلمه حضارتنا المعاصرة من هذا النموذج الإسلامي في التعامل مع معارف الآخرين: الاستيعاب الناقد، والابتكار الأصيل، والإضافة للإنسانية؟ د. محمد سعيد أركي مع تحيات قسم الدراسات الإسلامية Generations and Technology University جامعة أجيال وتكنولوجيا الأمريكية America Generations and Technology University