لماذا لم يتأثر الإسلام بالمسيحية؟(استحالة الاقتباس)

لماذا لم يتأثر الإسلام بالمسيحية؟(استحالة الاقتباس) رد شبهات المستشرقين (5) مقدمة: سؤال يبحث عن إجابة شبهة اقتباس الإسلام من المسيحية ليست جديدة،لكنها تظل واحدة من أكثر الشبهات ترويجاً. كيف لرسالة نزلت في بيئة وثنية أن تكون مجرد اقتباس من ديانة سابقة؟ هذا السؤال يظل محور الجدل حول شبهة التأثير المسيحي في الإسلام، التي نحن بصدد تفنيدها بالأدلة القاطعة. أولاً: الشبهات التاريخية وتفنيدها لقاء الراهب بحيرى: حقائق وتفنيد ·التقى النبي صلى الله عليه وسلم ببحيرى الراهب في رحلة تجارية وهو في سن الثانية عشرة فحسب، أي في مرحلة الطفولة التي لا يتشكل فيها وعي ديني منهجي. ·يفصل بين هذا اللقاء العابر وبداية البعثة ما يقارب ثمانية وعشرين عاماً، وهي فترة كافية لنسيان أي تأثير محتمل، كما أنها تنفي بشكل قاطع فرضية التلقي المنهجي. ·يضاف إلى ذلك أن بحيرى كان راهباً نسطورياً، ينتمي إلى مذهب مسيحي منشطر عن العقيدة الرئيسية للإمبراطورية البيزنطية، وكان موجوداً في مناطق نائية، مما يضعف افتراض تأثر النبي صلى الله عليه وسلم بالمسيحية الأرثوذكسية السائدة. السياق الجغرافي والثقافي: ·مكة لم تكن مركزاً للمسيحية، بل كانت معقل الوثنية العربية الأصيل، ولم يُعثر على أي أثر لكنيسة أو دير فيها قبل الإسلام. ·التواصل مع المسيحيين كان نادراً ومحدوداً في الرحلات التجارية الموسمية إلى الشام، ولم يكن هناك وجود دائم للمسيحيين في مكة. ·البيئة العربية كانت منعزلة ثقافياً عن المراكز المسيحية الرئيسية في الإمبراطورية البيزنطية، مما يجعل فرضية التأثر الثقافي العميق مستبعدة. ثانياً: الموقف النقدي من المعتقدات المسيحية المحرفة الرفض القاطع لعقيدة التثليث والألوهية: يقول تعالى:{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ} [المائدة: 73] ويقول:{وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا - لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا} [مريم: 88-89] التأكيد على بشرية المسيح وعبوديته لله: يقول تعالى:{إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ} [الزخرف: 59] ويقول:{إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} [آل عمران: 59] نفي صلب المسيح والتأكيد على التنزيه: يقول تعالى:{وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ} [النساء: 157] ويقول:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] ثالثاً: البراهين على استقلالية الإسلام الوحي: رسالة سماوية مقابل شخص إلهي ·الإسلام: الوحي هو كلام الله المنزل على النبي محمد صلى الله عليه وسلم ·المسيحية: الوحي يتمحور حول شخص المسيح نفسه كمظهر للإله. الأمية والبيئة المحيطة: ·النبي صلى الله عليه وسلم كان أمياً في بيئة أمية لم تعرف الكتابة والقراءة، مما ينفي تلقينه من كتب، كما قال تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت: 48] ·لم يسجل التاريخ أي اتصال منهجي مع المصادر المسيحية، والمشركون الذين عاصروه - وهم أحرص الناس على اتهامه - لم يوجهوا له تهمة التعلم من أهل الكتاب رغم حرصهم على اتهامه بكل شيء. الوحدة القرآنية والمعجزة اللغوية: ·وحدة النسيج اللغوي والبياني للقرآن، رغم تنوع موضوعاته ونزوله على مدى ثلاث وعشرين سنة في ظروف مختلفة، هو برهان قاطع على أنه كلام إلهي واحد، ينفي أي تطور خارجي أو تأثر بمصادر متعددة. ·التحدي بالإعجاز اللغوي لا يتوافق مع فرضية الاقتباس، فالمنقول يحاكى ولا يمكن أن يكون معجزاً. رابعاً: الاختلافات الجوهرية في الأسس العقدية مفهوم الألوهية والتنزيه ·الإسلام: توحيد خالص - {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ·المسيحية: عقيدة التثليث - ثلاثة في واحد وواحد في ثلاثة مفهوم النبوة والوحي ·الإسلام: النبوة وظيفة والوحي رسالة ·المسيحية: النبوة تجسد والوحي اتحاد بالذات الإلهية المنهج التشريعي والمصادر ·الإسلام: قرآن محفوظ ونصوص قطعية الثبوت ·المسيحية: أناجيل متعددة كتبت بعد رفع المسيح بسنين خامساً: الرد على شبهة التشابه في القصص التشابه والاختلاف: تصحيح لا اقتباس ·الإسلام يصدق ما جاء في الرسالات السابقة من أصلها، ويصحح ما حرف فيها. ·التشابه في القصص دليل على وحدة المصدر السماوي، وليس دليلاً على الاقتباس. ·الاختلاف الجوهري في التفاصيل والعبر دليل على التصحيح والهيمنة، كما في قصة آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام. سادساً: شهادات علمية منصفة من الباحثين الغربيين الموثوقين ·الأستاذ مونتغمري وات في كتابه "محمد في مكة" يقول: "فرضية التأثر بالمسيحية تتعارض مع الطبيعة الجوهرية للقرآن". ·الباحث كيث سمول في كتابه "القرآن وانعكاساته الكتابية" يقول: "القرآن يسير إلى إيقاع طبله اللاهوتي الخاص، ويعيد صياغة المواد السابقة في قالب جديد". خاتمة: ثلاث حقائق تقضي على الشبهة 1. القرآن ناقد لا تلميذ: موقفه الصريح الناقد من العقائد المسيحية ينفي الاقتباس، فالناقل لا ينقد منقوله. 2.البيئة المعزولة: جغرافية مكة وتاريخها ينفيان التواصل المنهجي مع المراكز المسيحية. 3.المنهج المختلف: الأسس العقدية للإسلام تتعارض جذرياً مع المسيحية في مفهوم الألوهية والنبوة والوحي. فهذه الحقائق تجعل فرضية التأثر مستحيلة عقلاً وتاريخاً. فجاء الإسلام شاهداً ومهيمناً على ما قبله من الرسالات، مصححاً للانحراف، مؤكداً للحق، ومتمماً لمكارم الأخلاق. وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا بقلم الدكتور محمد سعيد أركي مع تحيات قسم التاريخ والفكر الإسلامي Generations and Technology University - GTU جامعة أجيال وتكنولوجيا