قرار تصنيف "الإخوان" كجماعة إرهابية: قراءة في الموقف القانوني والتداعيات الإقليمية بقلم الدكتور نضال خلوف Nedal Khalouf مقدمة: في خطوة ذات آثار واسعة النطاق، يعيد التوجه الأمريكي الأخير نحو تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كـ"جماعة إرهابية" الجدل الدائر حول مدى توافق هذا القرار مع المعايير القانونية الدولية. بينما يقدم هذا القرار في سياقه السياسي كإنجاز للتحالف المعادي للجماعة، تبقى مشروعيته وملاءمته للقانون الدولي محل تساؤل ونقاش. تهدف هذه القراءة إلى تحليل هذا القرار من خلال منظور القانون الدولي، متجاوزة الخطاب السياسي والأيديولوجي، لفهم مدى استناده إلى معايير قانونية راسخة وتقييم تداعياته على منطقة الشرق الأوسط. أولاً: الاختصاص الوطني مقابل التعريف الدولي للإرهاب 1. سيادة الدولة في التصنيف: يحق لأي دولة، في إطار سيادتها، تقييم التهديدات التي تواجه أمنها القومي وتصنيف الكيانات التي ترى أنها تشكل خطراً. للولايات المتحدة، مثل غيرها من الدول، قوائمها الخاصة بالمنظمات "الإرهابية" وتتبع إجراءاتها الداخلية لإدراج أي كيان فيها. هذا الإجراء هو قرار سيادي وسياسي في جوهره. 2. غياب تعريف موحد للإرهاب: يُعد التحدي الأكبر في تقييم مثل هذه القرارات هو عدم وجود تعريف شامل ودقيق للإرهاب في القانون الدولي. تختلف التعريفات من اتفاقية إلى أخرى، لكنها تجتمع عادة على عناصر رئيسية تشمل: · ارتكاب أعمال عنف (أو التهديد بها) تستهدف المدنيين أو غير المقاتلين. · وجود دافع سياسي أو أيديولوجي. · نية بث الرعب بين السكان. 3. الفجوة بين التصنيف والمعايير: عند تطبيق هذه المعايير على جماعة الإخوان المسلمين – كتنظيم دولي ذي أجنحة وفروع متعددة – يبرز إشكال قانوني كبير. فالجماعة، في نموذجها المركزي، هي حركة اجتماعية-سياسية تتبنى العمل السياسي السلمي كأداة للتغيير في معظم فروعها. إن اختزال كافة أنشطتها المتنوعة (الدعوية، الخيرية، الاجتماعية، السياسية) تحت مظلة "الإرهاب" دون إثبات منهجي ومباشر لتبنيها لعنف منهجي كسياسة، يشكل انتقاصاً من الدقة القانونية المطلوبة في مثل هذه التصنيفات. يبدو القرار وكأنه يخلط بين "الفكر السياسي الإسلامي" و"ممارسة الإرهاب"، وهو ما لا يقبله المنطق القانوني. ثانياً: مسألة "الانبثاق": هل تتحمل الجماعة تبعات ما انشق عنها؟ هذه هي النقطة المحورية التي تثيرها حجج أطراف التصنيف، وهي بحاجة إلى تحليل قانوني دقيق. · الحجة المطروحة: انبثاق جماعات متطرفة مثل "داعش" و"القاعدة" من رحم فكر الإخوان أو انشقاقاً عنها، هو دليل على أن الفكر الأم يشكل "بيئة حاضنة" للإرهاب، مما يبرر تصنيف الأصل تبعاً للفرع. · التحليل القانوني والرد: 1. مبدأ المسؤولية الفردية والذنب بالارتباط: يرفض القانون الحديث، والقوانين الدولية لحقوق الإنسان، مبدأ "الذنب بالارتباط". لا يمكن إدانة كيان (أو فرد) بناءً على أفعال كيانات أخرى انشقت عنه أو حادت عن منهجه. المسؤولية الجنائية تقوم على الفعل المادي والإثبات المباشر، وليس على "القرابة الفكرية" أو "الانبثاق التاريخي". تطبيق هذا المبدأ يعني إمكانية تجريم أي حزب سياسي أو فكرة لأن انشقاقات متطرفة خرجت منها. 2. السياق التاريخي والتحول الأيديولوجي: الجماعات المتطرفة مثل "داعش" لم تنبثق فقط عن الإخوان، بل انشقت عنها وناوأتها فكرياً وعملياً. لقد رفضت هذه الجماعات منهج الإخوان الإصلاحي السلمي واعتبرته كفراً، وتبنت منهجاً تكفيرياً عنيفاً مختلفاً جذرياً. من الناحية القانونية، يصبح من غير العادل تحميل الأصل مسؤولية انحراف الفرع الذي حاد عن مساره. 3. سابقة خطيرة: إذا قبل المجتمع الدولي بمبدأ تجريم الأصل بسبب انبثاق فرع متطرف، فسيؤدي ذلك إلى منزلق خطير. هل يمكن، مثلاً، تجريم الفكر الاشتراكي لأن نظام ستالين ارتكب جرائم؟ أو تجريم الفكر القومي لأنظمة فاشية انبثقت عنه؟ هذا المنطق يقوض حرية الفكر والمعتقد ويجمد التطور السياسي والفكري لأي حركة. ثالثاً: التداعيات القانونية والحقوقية للتصنيف 1. تأثير الوصمة: يحمل التصنيف تبعات قانونية وعملية خطيرة، أبرزها: · تجفيف المصادر المالية: تجميد أصول الكيانات المرتبطة بالجماعة ومنع التبرعات لها، مما قد يشمل جمعيات خيرية وإغاثية لا صلة لها بالعنف. · التقييد على الحركة: منع سفر الأفراد المشتبه في انتمائهم للجماعة أو دخولهم لدول معينة. · التأثير على الحقوق المدنية: خاصة للمسلمين في الغرب، حيث قد يؤدي التصنيف إلى خلق مناخ من الشك والمراقبة الجماعيين، مما يقوض مبدأ الذنب الفردي وهو حجر الزاوية في أي نظام قضائي عادل. يصبح أي شخص مرتبط بأي شكل بالجماعة – حتى في ماضيها – مشتبهاً به. 2. تأثير "الدومينو" على المجتمع المدني: كما أشارت الدراسة الأصلية، فإن الخطر الأكبر يكمن في استخدام هذا التصنيف كذريعة لقمع أوسع نطاقاً للمجتمع المدني. قد تستخدم الحكومات التصنيف الأمريكي كمبرر قانوني لقمع أي صوت معارض تحت حجة "مكافحة الإرهاب"، مما يؤدي إلى تآكل مساحة الحريات العامة والحق في التنظيم السلمي، وهو ما يتعارض مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان. رابعاً: تأثيرات القرار على دول الشرق الأوسط 1. تأثيرات داخلية: تعزيز أدوات القمع وتضييق مساحة المعارضة · "شرعية مطلقة" للأنظمة الاستبدادية: سيمنح القرار شرعية مُعلَنة للأنظمة التي كانت بالفعل تتهم معارضيها بالانتماء للإخوان. ستشهد هذه الدول: · توسعاً في حملات القمع: تصفية أي معارضة سياسية سلمية تحت ذريعة "مكافحة الإرهاب". · تكميم للأفواه: إغلاق منافذ الإعلام المعارض ووسائل التواصل الاجتماعي بحجة أنها "تنشر فكر الجماعة". · تقسيم المجتمعات وإثارة الفتنة: سيعمق القرار من الانقسام السياسي والاجتماعي داخل دول مثل مصر والأردن وتونس والمغرب. سيتم استخدام التصنيف لشيطنة قطاع عريض من الشعب. 2. تأثيرات إقليمية: إعادة رسم التحالفات وتصعيد الصراعات · تعزيز محور "التطبيع والمواجهة": سيقوي القرار التحالف بين إسرائيل وبعض الأنظمة العربية الذي يقوم على العداء المشترك للإخوان. · إضعاف القوى المقاومة (حماس على وجه الخصوص): يعتبر القرار ضربة استراتيجية لحركة حماس، المنبثقة فكرياً من الإخوان. سيساهم في عزل حماس دولياً ومحاصرتها سياسياً ومالياً. 3. تأثيرات استراتيجية: تفجير المنطقة وإفشال الديمقراطية · إضعاف الإسلام السياسي المعتدل وإشاعة التطرف: يعد هذا أخطر التداعيات على المدى الطويل. بضرب الإخوان كأكبر حركة إسلامية سياسية شبه معتدلة، فإن القرار يسحب البساط من تحت أقدام التيارات الإصلاحية التي تؤمن بالعمل السلمي. · إجهاض أي أمل في التحول الديمقراطي: يرسل القرار رسالة واضحة أن الولايات المتحدة تفضل الاستقرار الاستبدادي على الفوضى الديمقراطية المحتملة. خامساً: السياق السياسي وأزمة المعايير المزدوجة من منظور القانون الدولي، الذي يفترض أن يكون حيادياً، يثير هذا القرار أسئلة حول الانتقائية وتطبيق المعايير المزدوجة. · لماذا يتم تصنيف جماعة تتبنى العمل السياسي السلمي في معظم فروعها كـ"إرهابية" بينما تتجاهل دول أخرى أو تتعامل مع جماعات تتبنى العنف بشكل علني في سياقات أخرى؟ · يظهر القرار وكأنه أداة سياسية في صراع النفوذ الإقليمي والدولي أكثر منه قراراً قانونياً قائماً على أدلة ملموسة وموحدة. هذا الاستخدام السياسي لمصطلح "الإرهاب" يفرغه من مضمونه القانوني ويضر بجدية مكافحة الإرهاب الحقيقي عالمياً. الخاتمة: بينما يحق للولايات المتحدة اتخاذ قراراتها الأمنية بناءً على تقييمها لمصالحها، فإن قرار تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كـ"جماعة إرهابية" يبدو، من منظور القانون الدولي، قراراً مفتقراً إلى السند القانوني المتين وفقاً للمعايير الموضوعية المتعارف عليها. إنه يخلط بين العمل السياسي المعارض والعنف الإرهابي، ويفتح الباب أمام انتهاكات واسعة للحقوق والحريات، ويُستخدم كأداة في صراعات جيوسياسية أوسع. الأهم من ذلك، أنه يضر بمصداقية النظام القانوني الدولي في مكافحة الإرهاب، ويظهر كيف يمكن تحويل أحد أهم أدوات الحفاظ على الأمن والسلام إلى وسيلة للقمع السياسي وتصفية الحسابات الإقليمية. الدكتور محمد نضال هادي خلوف مع تحيات كلية القانون الدولي Generations and Technology University