العدوان الإسرائيلي على سوريا: انتهاك صارخ للقانون الدولي وطعنة في خاصرة الاستقرار الإقليمي بقلم الدكتور نضال خلوف Nedal Khalouf أستاذ مساعد في القانون الدولي الإنساني في اللحظة التي يحشد فيها المجتمع الدولي جهوده، وإن كانت متعثرة، من أجل إيجاد حل للأزمة السورية، تواصل إسرائيل تفجير هذه الجهود من جذورها. فالهجمات المتكررة، وآخرها استهداف بلدة بيت جن في ريف دمشق، ليست سوى حلقة جديدة في مسلسل عدواني طويل، تتبنى من خلاله أجندة تدميرية واضحة، لا تهدف فقط إلى تقويض سيادة سوريا، بل إلى إبقاء المنطقة بأكملها على حافة الهاوية. انتهاك السيادة وحرمة الحدود: جريمة بمقتضى مواثيق الأمم المتحدة وفقاً لأحكام القانون الدولي، وخاصة ميثاق منظمة الأمم المتحدة، تمثل سيادة الدول وسلامة أراضيها أساساً راسخاً للعلاقات بين الدول. تنص المواد الأساسية للميثاق بوضوح على أن "جميع الأعضاء يمتنعون في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة". تمثل الهجمات الإسرائيلية المتكررة داخل الأراضي السورية خرقاً واضحاً لهذا المبدأ الأساسي. فادعاءات "الضربات الوقائية" أو "ملاحقة عناصر معادية" تتهاوى أمام نصوص القانون، خاصة في ظل الغياب التام لأي خطر مباشر وقائم من سوريا تجاه إسرائيل، وهو الشرط الوحيد المقبول لممارسة حق الدفاع عن النفس طبقاً للميثاق. هذه التصرفات تمثل إعلاناً صريحاً من إسرائيل بأنها تعلو على القانون، وأن حدود الدول مجرد خطوط وهمية يمكن اختراقها متى أرادت. الخطر على المدنيين وواجب الحماية يضع قانون الحرب، المتمثل في اتفاقيات جنيف الأربعة وما يتبعها من بروتوكولات، أعباءً وواجبات صارمة لحماية المدنيين أثناء النزاعات. تستهدف هذه الهجمات، التي كثيراً ما تنفذ في مناطق سكنية أو على مقربة منها، بشكل مباشر أمن وسلامة المدنيين الأبرياء. إن سقوط قتلى أو جرحى من المدنيين، أو تدمير مساكنهم ومرافقهم الحيوية، يشكل انتهاكاً جسيماً للمبادئ التي تفرق بين المقاتلين والمدنيين، وتحظر الهجمات غير المحددة التي قد تخلف خسائر بين المدنيين تفوق بكثير ما هو مطلوب عسكرياً. المجتمع الدولي، الذي ارتضى مبدأ "المسؤولية عن حماية المدنيين"، أصبح ملزماً بالتحرك الفوري لحماية المدنيين السوريين، ليس فقط من النزاع الداخلي، بل أيضاً من هذا العدوان الخارجي المستمر. تدمير متعمد لجهود الاستقرار وتمزيق النسيج المجتمعي ليست هذه الهجمات عمليات حربية منعزلة، بل هي جزء من خطة شاملة لعرقلة أي جهد جاد لبناء الأمن والاستقرار في سوريا. فبعد سنوات من المعاناة والدمار، يحاول الشعب السوري ومؤسساته، بدعم من حلفاء، إعادة إعمار ما دمر وترميم نسيج المجتمع. تأتي هذه الضربات لتذكر الجميع بأن هناك قوى تعمل بجد لإطالة أمد المعاناة، ومنع أي استقرار حقيقي لا يخدم مصالحها. إنها تشكل تهديداً مباشراً لأي أمل في مصالحة وطنية وعيش مشترك آمن للسوريين. مسؤولية المجتمع الدولي: بين الصمت المشبوه والواجب الأخلاقي الصمت الدولي، أو الردود الضعيفة من قبل بعض القوى العظمى على هذه الانتهاكات، هو صمت مريب يتجاوز التقصير ليصل إلى درجة المشاركة في الإثم. يقع على عاتق كل أعضاء المجتمع الدولي، وخصوصاً الدول الكبرى ذات النفوذ في مجلس الأمن، مسؤولية خلقية وقانونية للقيام بواجبهم. هذا الواجب يحتم: 1. إدانة علنية وحازمة لهذه الانتهاكات باعتبارها جرماً ضد سيادة الدول وأمن النظام العالمي. 2. الضغط السياسي والاقتصادي على إسرائيل لثنيها عن مواصلة اعتداءاتها. 3. مطالبة مجلس الأمن بتحمل تبعاته في الحفاظ على السلام والأمن العالميين، واتخاذ خطوات عملية لوضع نهاية لهذه الاعتداءات. 4. دعم المسار السياسي في سوريا ورفض جميع المحاولات الرامية إلى تخريبه عبر الوسائل الحربية غير المشروعة. خاتمة الهجوم على بيت جن، وسلسلة الاعتداءات التي تسبقه، هي صيحة إنذار تعلو شدتها. إنه امتحان حقيقي لإرادة المجتمع الدولي ومدى تمسكه بالمبادئ التي ينادي بها. إما أن يقف العالم كتلة واحدة في وجه هذا الازدراء بالقانون الدولي، مؤسساً لمرحلة جديدة من احترام سيادة الدول وحقوق الشعوب في العيش بأمان، أو أن يظل صامتاً فيُرسي بذلك قاعدة جديدة للفوضى يحكم فيها منطق القوة الغاشم، وهي فوضى ستلتهم الجميع دون تمييز. لقد حان الوقت لوضع حد فوري لهذه الهجمات، فسيادة سوريا واستقرار المنطقة ليسا رهينة يمكن التلاعب بها. الدكتور محمد نضال هادي خلوف مع تحيات كلية القانون الدول Generations and Technology University https://gtuedu.org