تفكك النسيج الاجتماعي وانهيار الدولة: الآثار المدمرة للقتل خارج الإطار القانوني بقلم د. مروان بحري

تفكك النسيج الاجتماعي وانهيار الدولة: الآثار المدمرة للقتل خارج الإطار القانوني الدكتور مروان بحري Mervan Bahri يناقش هذا المقال التحليل الفلسفي والشرعي والاجتماعي للقتل خارج نطاق الدولة وسيادتها القانونية، مع التركيز على العواقب المتسلسلة التي تهدد استقرار المجتمعات وتماسكها. تتبنى الورقة منهجية تحليلية استنباطية لفحص التداعيات المتعددة الأبعاد لهذه الممارسة، بدءاً من التصدع الأمني وانتهاءً بالانهيار الاقتصادي. مقدمة يشكل احتكار الدولة للعنف المشروع أحد الركائز الأساسية لنظرية الدولة الحديثة كما صاغها ماكس فيبر، حيث تمثل الدولة الكيان الوحيد المخول باستخدام القوة بشكل قانوني لفرض النظام وحماية الحقوق. يهدف هذا المقال إلى تحليل الانحراف عن هذا المبدأ عبر ممارسة القتل أو الاغتيال خارج الإطار المؤسسي، وتفكيك العواقب الاجتماعية والأمنية والاقتصادية المترتبة عليه، مع الإشارة إلى الحكم الشرعي الواضح بتحريم هذه الأفعال لما تولده من فوضى وتفكك. الإطار المفاهيمي والشرعي يؤسس الفقه الإسلامي والسياسي لضرورة وجود سلطة تنظم العلاقات بين الأفراد وتحمي الحقوق. فمبدأ "السلطان ولي من لا ولي له" يجسد فكرة الدولة كضامن للحقوق ومانع للفوضى. ممارسة الأفراد للقصاص أو أخذ الحقوق بأنفسهم خارج هذا الإطار يمثل خروجاً على هذا المبدأ، ويُعد انتهاكاً صريحاً للنظام العام الذي يحفظ دماء الناس وأموالهم وأعراضهم. الآثار الأمنية: من الفردية إلى الفوضى العامة تصفية الحسابات وتفشي ثقافة الثأر عندما يتحول القتل إلى ممارسة فردية أو جماعية خارج سيطرة الدولة، يتحول المجتمع إلى ساحة لتصفية الحسابات الشخصية والعائلية والطائفية. هذا لا يؤدي فقط إلى سلسلة من الاغتيالات والاغتيالات المضادة، بل يخلق دورة عنف مستدامة يصعب كسرها. تتحول العدالة من مفهوم مؤسسي قائم على الأدلة والإجراءات النظامية إلى عملية انتقامية تعتمد على القوة والفرصة. انهيار ثقافة الثقة وانتشار الوشاية يؤدي غياب الأمن إلى انهيار الثقة بين أفراد المجتمع، حيث يصبح كل شخص مشتبهاً به أو هدفاً محتملاً. تُستخدم الوشايات والاتهامات الكيدية كأدوات للانتقام أو التسويات، مما يؤدي إلى قتل أبرياء بناءً على ادعاءات غير مثبتة. كما يخلق هذا بيئة خصبة لانتشار الشائعات والدعايات الكاذبة التي تزيد من حدة التوترات وتعميق الشرخ الاجتماعي. الآثار الاجتماعية: تشظي النسيج المجتمعي التفتت العائلي والمناطقي والطائفي يتطور العنف الفردي سريعاً إلى صراعات جماعية، حيث تتحول الجريمة الفردية إلى نزاع عائلي أو مناطقي أو طائفي. ينتج عن ذلك تشظي المجتمع إلى جماعات متناحرة تضع الولاءات الضيقة فوق الانتماء الوطني، مما يقوض فكرة المواطنة المتساوية ويُضعف التماسك الاجتماعي. ثقافة الاتهام والتخوين يفقد المجتمع قدرته على الحوار الموضوعي، وتحل محل ذلك ثقافة اتهام الآخر وتخوينه. يُنظر إلى الضحايا - حتى الأبرياء منهم - أحياناً كخونة أو مستحقين للقتل، مما يُعمق المعاناة النفسية لأسرهم ويزيد من عزلتهم الاجتماعية. تختزل العلاقات الإنسانية المعقدة إلى معادلات بسيطة من الاتهام والبراءة دون محاكمة عادلة. الآثار الاقتصادية والسياسية: من عدم الاستقرار إلى الانهيار هروب الاستثمار وانهيار النشاط الاقتصادي غياب الأمن يعني غياب الاستقرار، وهو الشرط الأساسي لأي نشاط اقتصادي. يهرب رجال الأعمال والمستثمرون من البيئات غير الآمنة، وتتوقف صفقات التجارة والصناعة والبناء. كما يؤدي انعدام الثقة إلى شلل الحركة الاقتصادية اليومية، حيث يخشى الأفراد من التنقل أو العمل خوفاً على حياتهم. فقدان الشرعية والتدخل الدولي تفقد الدولة شرعيتها عندما تفقد احتكارها للعنف المشروع وقدرتها على حماية مواطنيها. قد يؤدي اتساع نطاق هذه الأفعال إلى تدخل دولي تحت ذرائع إنسانية أو أمنية، مما يهدد السيادة الوطنية ويُعقد المشهد السياسي. تحول الدولة من كيان ضامن للأمن إلى بيئة طاردة للاستقرار والتنمية. الخاتمة يؤكد التحليل أن القتل خارج نطاق الدولة ليس مجرد جريمة فردية، بل هو هجوم على النظام الاجتماعي بأسره. تتداخل العواقب الأمنية والاجتماعية والاقتصادية لتخلق حلقة مفرغة من العنف وعدم الاستقرار يصعب الخروج منها. الحل الوحيد يكمن في إعادة تأكيد سلطة الدولة واحتكارها للعنف المشروع، وتعزيز مؤسسات القضاء والأمن، وبناء ثقافة المواطنة التي تحترم سيادة القانون. فقط من خلال الدولة القادرة والعادلة يمكن كسر دوائر العنف وبناء مجتمع آمن ومستقر. التوصيات 1. تعزيز سيادة القانون واستقلالية القضاء لضمان العدالة الناجزة. 2. بناء قدرات أمنية مهنية تحترم حقوق الإنسان وتواجه الإجرام بفعالية. 3. تعزيز التماسك الاجتماعي عبر الحوار الوطني وبرامج المصالحة المجتمعية. 4. تطوير آليات مؤسسية فعالة لفض النزاعات قبل تصاعدها إلى عنف. 5. تعزيز التربية المدنية التي تؤكد على قيمة النظام العام واحترام مؤسسات الدولة. الدكتور مروان أحمد بحري الدكتور مروان بحري مع تحيات كلية العلوم الاجتماع Generations and Technology University https://gtuedu.org