الفيل والمفكر: قراءة تحليلية في حكاية شعبية عن السلطة والمجتمع بقلم الدكتور مروان أحمد بحري أولاً النص : #من_تراث_الشعوب! يُروى أنَّ ملكاً كان يحب الفِيَلة، فاقتنى "فيلاً" ووضعه في حديقة قصره،ولكن صحة الفيل أخذت تتراجع جراء ضيق الحديقة،فنصحه أهل الكار بتركه يخرج إلى شوارع المدينة وساحاتها ليروِّح عن نفسه، خرج الفيل للتجول في شوارع المدينة وراح يعبث ويفسد فيها دون أن يعترضه أحد،فهو فيل الملك! اشتكى الناس الى"مُفكِّر" المدينة ليجد حلا لهذا الفيل فنصحهم بتنظيم مسيرة إلى قصر الملك لرفع شكوى لمقامه السامي عما تسببه لهم أعمال الفيل من الأذى والضرر! تحركت المسيرة وعلى رأسها "المفكر" وهم يهتفون: "فيلك فيلك ياملك الزمان"! خرج الملك إلى شرفة القصر ليستطلع الأمر.و ولكن سرعان ماتفرّق الجمع ولم يبق أمامه إلا المفكر، فسأله الملك : ماهي مشكلتك مع الفيل يامُفكِّرنا؟ نظر المُفكِّر حوله وخلفه فلم يجد أحدا غيره،وعلم أنهم خذلوه جميعا، فأجاب الملك على الفور: إن فيلك المحترم ياملك الزمان، يشعر بالوحدة. لذلك جئتك بالتماس العطف للنظر في حالته وإحضار "فيلةٍ" أنثى تكون زوجة له،حتى ينجبا لنا عدداً من الفيلة الصغيرة. ذكورا وإناثا ،ويتكاثر قطيع الفِيَلَة وينتشر في الشوارع والأزقّة ليدعس ويفسد ويخرِّب حتى لا يسلم منه صغير ولا كبير ولا مقمَّط بالسرير!!! د.مروان بحري Mervan Bahri ........................................................................................... الفيل والمفكر: قراءة تحليلية في حكاية شعبية عن السلطة والمجتمع بقلم الدكتور مروان أحمد بحري الدكتور مروان بحري مقدمة: الحكاية الشعبية كمرآة للعلاقات الاجتماعية تمثل الحكايات الشعبية مخزوناً ثقافياً تعكس من خلاله المجتمعات رؤيتها للعلاقات بين السلطة والشعب، وبين المثقف والجماهير. حكاية "فيل الملك" التي تتناقلها الأجيال، ليست مجرد قصة ترفيهية، بل هي نموذج مصغر لتفاعلات اجتماعية وسياسية عميقة، تطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة السلطة، ومسؤولية المثقف، وجبن الجماهير، وآليات التضامن الاجتماعي. تحليل الرموز في الحكاية الفيل: تجسيد السلطة المطلقة المنفلتة يمثل الفيل في هذه الحكابة السلطة غير المقيدة التي تمنحها المؤسسة الحاكمة. بدايةً، ضيق الحديقة يرمز إلى القيود الشكلية التي تفرضها السلطة على نفسها، بينما خروجه إلى الشوارع يعكس تحول هذه السلطة من مقيدة ظاهرياً إلى منفلتة تماماً. عَبَث الفيل في المدينة دون اعتراض يُجسد إفلات أصحاب النفوذ من المحاسبة، واستغلال مناصبهم للإضرار بالمصلحة العامة تحت حماية السلطة العليا. الملك: السلطة العليا غير المبالية شخصية الملك تمثل القمة الهرمية للسلطة التي تخلق المشكلة ثم تتغافل عن عواقبها. حب الملك للفيلة دون اكتراث بتأثيرها على الناس يعكس انفصال النخبة الحاكمة عن معاناة المحكومين. مشهد الشرفة يشير إلى العزلة الرمزية والمادية للحاكم، بينما سرعة تقبله "حل" المفكر تكشف عن سطحية فهمه للمشكلة أو عدم اكتراثه بأبعادها الحقيقية. المفكر: المثقف المنعزل والخائب دور "مفكر المدينة" يقدم صورة قاتمة للمثقف في المجتمعات المستبدة: يبدأ بدور المنقذ والمبادر، لكنه يتحول إلى خائب عندما تتركه الجماهير. تحوله السريع من المطالبة بإزالة الظلم إلى طلب تكريسه (بطلب فيلة إضافية) يكشف عن آليات التكيف والانتهازية التي قد يمارسها المثقف تحت وطأة الخوف أو الإحباط. هذا التحول يمثل خيانة لدوره كضمير المجتمع ومدافع عن مصلحته. الجماهير: التضامن الهش والخذلان المسيرة الجماهيرية التي تتفكك عند أول مواجهة مع السلطة ترمز إلى ظاهرة التضامن الهش في المجتمعات الخانعة. الهتافات الجريئة من بعيد تتحول إلى صمت مطبق عند المواجهة المباشرة، مما يكشف عن الفجوة بين الشجاعة اللفظية والثبات العملي. هذا المشهد يعكس أزمة الثقة المجتمعية والخوف الفردي والجماعي من مواجهة السلطة. الأبعاد الاجتماعية والسياسية للحكاية 1. آلية تبرير الظلم وتطبيعه الحكاية تكشف كيف تتحول المطالبة بإزالة الظلم إلى مبرر لتعميقه. تحول طلب إزالة الفيل إلى طلب إحضار أنثى له يمثل آليات التكيف النفسي والاجتماعي مع الظلم، حيث يتحول المطالِبون بإلغاء المشكلة إلى مطالبين بتعميمها وتكبيرها. 2. عقدة الخوف والخضوع تظهر الحكاية كيف يتحول الخوف من السلطة إلى خضوع طوعي، ثم إلى تعاون مع آليات الظلم. هروب الجماهير يترك المثقف وحيداً أمام خيارين: المواجهة المستحيلة أو التكيف المذل. 3. أزمة المثقف بين المبدأ والواقع تحول المفكر من قائد احتجاج إلى مقدم التماس يعكس المأزق الوجودي للمثقف في المجتمعات المغْلَقة: الاختيار بين الثبات على المبدأ (مع عواقبه الخطرة) أو التكيف مع واقع القوة (مع خسارة المصداقية والأخلاق). 4. سيكولوجية الجماعة تحت القمع الحكاية تقدم تحليلاً دقيقاً لسيكولوجية الجماعة الخائفة: الشجاعة في الحشد، الجبن في المواجهة الفردية، الاستعداد للتضامن عندما يكون الخطر بعيداً، والانسحاب عندما يقترب. الدروس المستفادة والمعاصر رغم أن الحكاية تنتمي إلى الموروث الشعبي، إلا أنها تقدم رؤى ثاقبة تنطبق على مجتمعات معاصرة عديدة: 1. أهمية التضامن الحقيقي: الضمان الحقيقي للتغيير ليس في المسيرات المؤقتة، بل في التضامن المستمر والثبات عند المواجهة. 2. مسؤولية النخبة المثقفة: على المثقف أن يدرك حدود قدرته دون دعم شعبي حقيقي، وأن يرفض التحول من ناقد إلى داعية للظلم. 3. حتمية المواجهة الشجاعة: الهروب من مواجهة المشكلات الصغيرة يؤدي إلى كوارث أكبر، كما أن طلب "فيلة" إضافية سيزيد الدمار. 4. الوعي بالآليات الخفية للقمع: السلطة تستخدم أحياناً "الحلول" الوهمية التي تعمق المشكلة بدلاً من حلها. خاتمة: الحكاية كدعوة لليقظة المجتمعية في النهاية، هذه الحكاية ليست مجرد سرد لمأساة جماعية، بل هي دعوة مبطنة لليقظة والنقد الذاتي. إنها تذكرنا بأن الخطر الأكبر لا يكمن في جبروت الفيل وحده، بل في خوف الناس من مواجهته، وفي استعدادهم للتكيف مع ظلمه، وفي تحول مدعيّ الإنقاذ إلى شريك في استمرار الأزمة. الحل الحقيقي يبدأ بالاعتراف بالمشكلة كما هي، ورفض كل الحلول الوهمية التي تعمقها، والثبات على المطالبة بالعدالة حتى عندما يقف المرء وحيداً. الحكاية تختتم بصورة مرعبة لكنها واقعية: انتشار الفيلة في كل الشوارع والأزقة. هذه النهاية الكارثية هي نتيجة حتمية لغياب الشجاعة الجماعية، واستسلام المثقف، وتجاهل السلطة. ولكنها أيضاً تحذير صارخ: ما لم تواجه المجتمعات مشكلاتها بشجاعة ووضوح، فإن الأزمات الصغيرة ستتحول إلى كوارث تعم الجميع "صغيراً وكبيراً ومقمطاً في السرير". الدكتور مروان بحري Mervan Bahri مع تحيات كلية العلوم الإجتماعية جامعة أجيال وتكنولوجيا Generations and Technology University https://gtuedu.org