الحدود الحمراء: لماذا لا يمكن المساومة على الدين حتى في ظل الضرورات بقلم الأستاذ الدكتور عبد الله التميمي مقدمة: إغراء التنازل وثمن الثبات تتزاحم الخيارات الصعبة على الإنسان، فيضطر أحياناً إلى ارتكاب "أخف الضررين" ليدفع ضرراً أكبر: كمن يشرب الخمر لإنقاذ نفسه من الموت غصةً، أو يكذب ليصلح بين متخاصمين. هذه "قاعدة الأخذ بأخف الضررين" تجسد مرونة التشريع الإسلامي ورحمته. لكن هذه المرونة ليست مطلقة. فهناك خط أحمر لا يمكن تجاوزه، وحائط صلب لا يتزعزع أمام رياح المصالح والمفاسد، إنه حرمة الدين. فالقاعدة تنقلب على أعقابها عندما يكون الثمن هو "الإضرار بالدين"، لأن الضرر هنا ليس عادياً يمكن قياسه أو الموازنة له؛ إنه ضرر وجودي، كل ضرر فيه عظيم. القسم الأول: لماذا هذا الاستثناء؟ تشريح لجوهر الدين والدنيا لفهم هذا الحظر، يجب تفكيك طبيعة كل من الدين والدنيا: .1الدين هو الهوية والغاية، والدنيا هي الوسيلة والميدان: خلق الله الحياة الدنيا دار اختبار وامتحان، وجعل الدين هو المنهج والبوابة إلى دار القرار (الآخرة). فالدين هو الخريطة والبوصلـــة، والدنيا هي الطريق. أي تنازل عن الدين تحت ضغط ظرف دنيوي هو بمثابة تمزيق للخريطة وإتلاف للبوصلة من أجل تجاوز عقبة في الطريق. إنه انتحار روحي وانهيار للمعنى. .2استحالة المقايسة بين المطلق والنسبي: المصالح الدنيوية (مال، صحة، أمن) قابلة للقياس والمقارنة. يمكننا أن نقرر أيها أهم. أما الدين، فهو يمثل منظومة قيم مطلقة (كالتوحيد، العدل، الكرامة الإنسانية). كيف يمكن وزن "كلمة التوحيد" مقابل "إنقاذ حياة"؟ قد يبدو السؤال صادماً، لكن الفقه يجيب: الحياة التي تنتهي بالكفر حياة منقوصة، أما الحياة التي تنتَهي بالشهادة في سبيل العقيدة فهي الحياة الحقيقية. وهذا ما جسده بلال بن رباح -رضي الله عنه- وهو يعذب تحت الصخور الحارة في حر مكة، مردداً "أَحَدٌ أَحَد"، فكانت منفعته الدنيوية (توقف التعذيب) تساوي صفراً أمام حفاظه على عقيدته. القسم الثاني: الأسس العقلائية والشرعية للاستثناء (تعزيز الحجة الأكاديمية) هذا المبدأ ليس مجرد رأي عاطفي، بل له أسس متينة: · منطق المقاصد: يصنف علماء المقاصد الكليات الخمس (الدين، النفس، العقل، النسل، المال). ويؤكدون أن "الدين" هو المقصد الأسمى الذي تندرج تحته بقية المقاصد وتُقاس بها. فالحفاظ على النفس ليس مطلقاً، بل هو مقيد بحفظ الدين، ولهذا حرم الإسلام الانتحار حتى تحت وطأة الألم. عندما يصبح حفظ النفس يتطلب الإضرار بالدين (كالردة)، يتوقف الحكم. · النظر في العواقب: لو جوزنا المساومة على الدين لدفع ضرر دنيوي، لانفتح باب لا يُسد. كل طاغية سيضغط على الناس بالجوع والتعذيب ليرتدوا عن دينهم. القبول بالمساومة يعني تحويل الدين إلى سلعة في سوق المزايدات، فيهدم من الداخل تحت شعار "المرونة" و"الضرورة". · الاستقراء الشرعي: تأمل في النصوص الشرعية: · الإكراه على الكفر: أبيح للمكره "اللسان" أن يتلفظ بكلمة الكفر، لكن بشرط أن يكون قلبه مطمئناً بالإيمان. أي أن الرخصة كانت في "الكلمة" تحت التهديد، وليس في "اعتقاد القلب" وإضراره. · حد الردة: يشير إلى خطورة المساس بالكيان العقدي للأمة، فهو ليس مجرد عقوبة شخصية، بل حماية للنسيج الاجتماعي من التآكل. القسم الثالث: تجليات الاستثناء: من الشهادة إلى المفاوضات (تعميق التطبيقات) لتكن الصورة أوضح، هذه مواقف عملية: · الموت في العزية أفضل من الحياة في الذلة: قصة الصحابي الجليل خباب بن الأرت -رضي الله عنه- وهو الذي أُحميَت عليه صفائح الحديد حتى ذاب لحمه، وعُرض عليه الكفر ليتوقف التعذيب، فرفض. كان الخيار بين ضرر دنيوي (الموت تحت التعذيب) وضرر ديني (الكفر). اختار أن يدفع الضرر الأعظم (الكفر) ولو كلفه ذلك حياته. · المفاوضات الدولية: عندما تتحول السيادة إلى تبعية: دولة إسلامية تُعرض عليها صفقة اقتصادية بمليارات الدولارات مقابل التنازل عن بند في دساتيرها مستمد من الشريعة (في الميراث أو الحدود مثلاً). هنا، الضرر الدنيوي (خسارة الأموال) قد يكون كبيراً، لكن الضرر الديني (التخلي عن حكم الله وإضفاء الشرعية على ذلك) هو كارثة وكفران بالنعمة، وهو أعظم بلا مقارنة. · التمييز بين "التيسير" و"الإضرار": يجب التمييز بوضوح بين: · التيسير المشروع: وهو رخصة شرعها الله نفسه (كالفطر في السفر والمرض). هذا ليس إضراراً بالدين، بل هو تطبيق للدين. · الإضرار الممنوع: وهو التفريط في الأصول بدعوى الموازنة (كترك الصلاة لأجل العمل، أو تغيير أحكام الزكاة لتناسب النظام المصرفي الربوي). خاتمة: الدين ليس سلعة.. إنه الهوية والوجود في النهاية، تأتي هذه القاعدة لترسخ حقيقة جوهرية: الإسلام دين واقعي، لكنه ليس براغماتياً بلا مبادئ. الواقعية تعني الاعتراف بالصعوبات وإيجاد الحلول ضمن الإطار الثابت. أما البراغماتية المطلقة فتذيب الثوابت في بوتقة المصالح الآنية. رفض المساومة على الدين ليس تشدداً، بل هو تأكيد على أن للإنسان روحاً وكرامة وقيمة تتجاوز وجوده المادي. إنها رسالة أن "الضرر الديني" هو الخسارة الحقيقية، لأنه لا يعوض بمال ولا سلطان. {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ} [النحل: 107]. فالثبات على الدين هو أعظم مصلحة، والتفريط فيه هو أعظم مفسدة، ولا مقارنة بينهما البتة. بقلم الأستاذ الدكتور عبد الله الخليل التميمي الشيخ عبدالله الخليل التميمي الحمصي مع تحيات قسم الدراسات الإسلامية Generations and Technology University جامعة أجيال وتكنولوجيا