حرمة دور العبادة بين تشريعات السماء ومواثيق الأرض: استهداف المساجد نموذجا بقلم الدكتور محمد نضال هادي خلوف Nedal Khalouf مقدمة: تتشكل الهوية الروحية لأي مجتمع عبر رموزه المقدسة، وتأتي دور العبادة في صدر هذه الرموز؛ فهي ليست مجرد حجر ومئذنة وقباب، بل هي تعبير مادي عن الضمير الجمعي، وحصون للأمن النفسي والاجتماعي. وعندما تتحول هذه الحصون إلى أهداف في صراع السلاح، كما حدث ويحدث في سوريا وغيرها من بقاع العالم، فإن الجريمة تكون مزدوجة الطابع: فهي انتهاك صارخ لحرمة المقدس في الدين، ونيل من جوهر الكرامة الإنسانية في القانون. إن استهداف المساجد، في هذا السياق، لا يهدف فحسب إلى إزهاق الأرواح البريئة تحت قباب الصلاة، بل يضمن في صلب مقاصده زرع بذور الفتنة المذهبية، وتمزيق النسيج الاجتماعي الواحد الذي تكرس عبر قرون من التعايش السلمي. وهذا المقال يستعرض جريمة استهداف المساجد من منظورين متكاملين: منظور الشريعة الإسلامية التي تنبثق منها هوية المجتمع الروحية، ومنظور القانون الدولي الإنساني الذي يمثل الإطار الأخلاقي والقانوني العالمي لحماية الإنسانية في زمن الحروب. المحور الأول: حرمة المساجد ودور العبادة في الشريعة الإسلامية تؤسس الشريعة الإسلامية لحرمة دور العبادة، وخاصة المساجد، على أصول قطعية تتجاوز الحماية الشكلية إلى تأصيل قيم التعايش والأمان. أولا: النص القرآني الصريح والسنة النبوية: يقول الله تعالى: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا} [الحج: 40]. تحمل هذه الآية عدة دلالات عميقة: · المساواة في الحرمة: حيث سوت بين "الصوامع" (أديرة الرهبان)، و"البيع" (كنائس النصارى)، و"المساجد"؛ فالحرمة منبثقة من كونها أماكن يذكر فيها اسم الله كثيرا، لا من انتماء أتباعها. ·السببية الروحية: فدفع العدوان عن المؤمنين موضعه في الشرع مرتبط بحفظ حرمة هذه المواضع الروحية جميعا، ما يجعل حمايتها قيمة عليا. أما السنة النبوية والتاريخ التطبيقي، فيؤكدان هذا المنهج. فقد منح النبي صلى الله عليه وسلم الأمان لكنائس النصارى في نجران، وكتب لهم وثيقة تنص على أن "لهم جوار الله وذمة محمد النبي على أموالهم وأنفسهم وملتهم وكنائسهم وصلبانهم...". وهذا يرفع حرمة مكان العبادة إلى مستوى العهد والمواثقة العامة، ويجسد مبدأ "الأمان" الشامل حتى لغير المسلمين. ثانيا: الإجماع والتأسيس الفقهي لحرمة غير المقاتلين: أجمعت مذاهب الفقه الإسلامي على تحريم الاعتداء على غير المقاتلين في الحرب، ومن في حكمهم. والمصلون في بيوت الله، من مسلمين وذميين، هم في حكم "المتعبدين الآمنين" الذين تنطبق عليهم أحكام الحماية الكاملة. إن استهداف المصلي وهو في ذروة الخشوع والضعف أمام خالقه يمثل انتهاكا فاضحا لهذا الأمان المقدس. ثالثا: مقاصد الشريعة العليا وتجلياتها في مسألة الحرمة: يقع استهداف دور العبادة تحت طائلة "الإفساد في الأرض" الذي يعده العلماء من أشد الكبائر. وذلك لأنه يهدم المقاصد الكلية للشريعة، وفق التحليل التالي: 1. حفظ النفس: بإزهاق الأرواح البريئة في حالة عبادة وسكون. 2. حفظ الدين: بتعطيل أماكن ممارسته وإرهاب أهله، ما يؤدي إلى فترة الوعي الديني وانقطاع الروحي. 3. حفظ النسل والعقل: فالتفجير يشرد الأسر ويلحق صدمات نفسية جمعية عميقة بالناجين والمجتمع، تهدد بنى الترابط الأسري والسلامة العقلية. 4. حفظ المال: بتدمير الممتلكات العامة والتراثية التي تمثل ثروة للمجتمع والتاريخ. 5. حفظ الكرامة الإنسانية والوحدة الاجتماعية: فالجريمة تنبش جذور التعايش وتزرع أحقادا طائفية، مهددة "مقصد حفظ العرض" و"مقصد وحدة الصف" الذي حثت عليه النصوص. المحور الثاني: استهداف دور العبادة في ضوء القانون الدولي الإنساني والمواثيق الدولية يشكل القانون الدولي الإنساني (قانون النزاعات المسلحة) والإطار الدولي لحقوق الإنسان سدا منيعا في وجه هذه الأفعال، بتصنيفها كجرائم دولية. أولا: الحماية الصريحة في صلب المواثيق الدولية: · اتفاقية لاهاي لسنة 1954: وهي الاتفاقية الأقدم والأكثر تخصصا في حماية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح. تعتبر أماكن العبادة جزءا من التراث الثقافي للبشرية وتضع علامتها الخاصة (الدرعة الزرقاء) لحمايتها. ·اتفاقية جنيف الرابعة (1949): تنص المادة 16 على وجوب احترام وحماية دور العبادة باعتبارها ممتلكات مدنية. ·البروتوكولان الإضافيان لاتفاقيات جنيف (1977): تنص المادة 53 من البروتوكول الإضافي الأول صراحة على حظر "أعمال العداء الموجهة ضد الآثار التاريخية، أو أعمال الفن، أو أماكن العبادة التي تشكل التراث الثقافي أو الروحي للشعوب". ثانيا: انتهاك المبادئ الأساسية لقانون النزاعات المسلحة: يمثل الهجوم على مكان عبادة انتهاكا لثلاثة مبادئ أساسية: · مبدأ التمييز: وهو حجر الزاوية في القانون الدولي الإنساني، ويفرض التفريق الدائم بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية. ودور العبادة هي النموذج الأصلح للعين المدني المحمى بشكل مطلق، ما لم تستخدم فعليا وبشكل جوهري لأغراض عسكرية. ·مبدأ التناسب: الذي يمنع أي هجوم يتوقع منه أن يسبب خسائر في الأرواح المدنية أو أضرارا في الممتلكات المدنية تكون مفرطة بالقياس إلى الميزة العسكرية المتوقعة والمباشرة. وحتى لو وجد عنصر عسكري قرب مسجد، فإن تدمير المسجد نفسه ينعدم فيه شرط التناسب. ·مبدأ الحد من المعاناة: الذي يوجب اتخاذ كل الاحتياطات الممكنة لحماية المدنيين وممتلكاتهم. والتوجه بهجوم مباشر إلى مكان عبادة مشغول بالمصلين هو نكوص صارخ عن هذا الواجب. ثالثا: التصنيف القانوني كجريمة دولية والمساءلة: ·جريمة حرب: يصنف الهجوم العمدي على أماكن العبادة المحمية، بشكل صريح، على أنه جريمة حرب وفق المادة 8 (2) (ب) (9) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (1998). هذا التصنيف يفتح الباب أمام المساءلة الفردية للقادة والمنفذين. ·تحديات المساءلة: تواجه المحاسبة عقبات كبرى، أهمها: استخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي، وعدم تعاون الدول، وصعوبة الوصول إلى أماكن ارتكاب الجرائم. لكن يمكن تجاوز بعض هذه العقبات عبر: · آليات موازية: كالجمعية العامة للأمم المتحدة وآليات التحقيق المستقلة. · مبدأ الولاية القضائية العالمية: الذي يسمح للمحاكم الوطنية في أي دولة بمحاكمة مرتكبي جرائم الحرب، بناء على طبيعة الجريمة لا على جنسية الجاني أو مكان ارتكابها. الخاتمة والتوصيات: نحو استراتيجية متكاملة للحماية إن استهداف المساجد ليس "خطأ عابرا" في حسابات المعارك، ولا هو "ضرر جانبي" مقبول. إنه جناية مزدوجة الطابع: كبيرة في ميزان الشرع، وجريمة حرب في بنود القانون الدولي. وهو سيف يضرب روح المجتمع قبل جسده، بحكم سعيه لتحويل دور العبادة من أماكن للتوحيد والسلام إلى ساحات للدم والفروقات. لذا، تبرز الحاجة إلى استراتيجية متكاملة للحماية والمواجهة، تعمل على مستويات متوازية: 1. على المستوى الديني والروحي: توحيد الصوت الديني العالمي: ·الفاعلون الأساسيون: المؤسسات الدينية الإسلامية المرجعية والعالمية (كالأزهر الشريف، وهيئة كبار العلماء في السعودية، ومجمع الفقه الإسلامي الدولي، والمجالس الإسلامية العليا في مختلف البلدان)، بالتعاون مع القيادات الدينية المسيحية واليهودية وغيرها. ·الإجراءات المقترحة: · إصدار "إعلان عالمي لحرمة دور العبادة" موقَّع من قبل كبار العلماء من جميع المذاهب، يشرح الحرمة المطلقة لها في الإسلام، ويفسر النصوص بشكل جماعي يقطع الطريق على التأويلات المتطرفة. · عقد مؤتمرات وندوات دينية عالمية مشتركة بين أتباع الأديان، تركز على القيم المشتركة في حرمة المكان المقدس. · توظيف الخطب والدروس في الجوامع والكنائس لتعزيز وحدة النسيج الاجتماعي ونبذ خطاب الكراهية. 2. على المستوى القانوني والدولي: منع الإفلات من العقاب: ·الفاعلون الأساسيون: مجلس الأمن الدولي، الجمعية العامة للأمم المتحدة، المحكمة الجنائية الدولية، الآلية الدولية المحايدة والمستقلة (IIIM) المعنية بتوثيق جرائم سوريا، المنظمات الحقوقية الدولية (كمنظمة العفو الدولية وهيومان رايتس ووتش)، الدول ذات التشريعات التي تسمح بالولاية القضائية العالمية. ·الإجراءات المقترحة: · الضغط الدبلوماسي والسياسي المكثف لإحالة ملفات هذه الجرائم بشكل منهجي إلى المحكمة الجنائية الدولية. · دعم وتعزيز قدرات الآليات الدولية للتحقيق والتوثيق (مثل الـ IIIM) ماليا وسياسيا، وضمان حفظ سجلاتها لأجيال قادمة. · تشجيع الدول التي لديها تشريعات "الولاية القضائية العالمية" على ممارسة دورها في ملاحقة المشتبه بهم الذين قد يمرون بأراضيها. · استغلال كافة المنصات الدولية (مثل مجلس حقوق الإنسان) لتسليط الضوء الدائم على هذه الجرائم ووصفها بمسمياتها الصحيحة: "جرائم حرب". 3. على المستوى المجتمعي والإعلامي: تحصين النسيج الاجتماعي: ·الفاعلون الأساسيون: المؤسسات التربوية والتعليمية، منظمات المجتمع المدني المحلية والدولية، وسائل الإعلام الوطنية والعالمية، الناشطون والقيادات المجتمعية. ·الإجراءات المقترحة: · إدراج مفاهيم "المواطنة المشتركة" و "حرمة المقدسات للجميع" و "تاريخ التعايش" في المناهج التعليمية والبرامج الثقافية. · قيام حملات إعلامية مبتكرة تظهر كيف أن هذه الجرائم "لا تستهدف طائفة بعينها، بل تستهدف نفس المجتمع الواحد وسلامه الأهلي". · تسليط الضوء الإعلامي على نماذج التعايش والتعاون في إعادة بناء دور العبادة المختلفة، ونماذج التضامن الشعبي عبر الخطوط الطائفية في أوقات المحن. 4. على مستوى إعادة الإعمار: بناء الحجر وترميم الإنسان: ·الفاعلون الأساسيون: الحكومة (في حالات ما بعد النزاع)، الوكالات الدولية المتخصصة (مثل اليونسكو للمواقع التراثية)، مؤسسات الوقف الخيرية، المنظمات الإغاثية المحلية والدولية. ·الإجراءات المقترحة: · إعطاء أولوية مادية وأخلاقية لإعادة بناء دور العبادة المدمرة، باعتبار ذلك خطوة أساسية في استعادة كرامة المجتمع. · ربط إعادة الإعمار المادي ببرامج إعادة الإعمار المعنوي: عبر جعل عملية البناء نفسه مناسبة للمصالحة، بمشاركة أبناء جميع مكونات المجتمع في ترميم دور عبادة جيرانهم. · دعم برامج الدعم النفسي والاجتماعي للناجين من هذه الهجمات وللمجتمع المحيط. خاتمة: الدفاع عن حرمة دور العبادة هو، في حقيقته، دفاع عن عقدة الإنسانية المشتركة. فانهيار حرمة مسجد أو كنيسة في مكان ما، هو بداية ترهل فكرة الحرمة نفسها في كل مكان. لقد أكدت الشريعة بوصفها تشريع سماء، وأكد القانون الدولي بوصفه ميثاق أرض، على قداسة هذه الحرمة. وإنما يبقى التحدي الأكبر: أن تتحول هذه اليقينيات النظرية والقوانين المكتوبة إلى إرادة عملية جماعية. فمسؤولية الحماية لا تقع على عاتق رجل الدين وحده، ولا على عاتق القانوني أو السياسي وحده؛ بل هي ملقاة على كاهل كل إنسان يؤمن بأن للمقدسات حصانة، وللضمير قداسة، تعلو فوق صراعات السياسة وزئبق المصالح ودمار الحروب. الدكتور نضال خلوف مع تحيات كلية القانون الدولي جامعة أجيال وتكنولوجيا Generations and Technology University