عُصاب الآخر: الوباء الذي يجثم على صدر الأمة

عُصاب الآخر: الوباء الذي يجثم على صدر الأمة بقلم المربي الدكتور دروان أحمد بحري Mervan Bahri لم يعد الخطر يأتي من عدوٍّ مرئي يُحشد له الجيوش، أو أزمةٍ اقتصادية تُعالج بخطة إنقاذ. لقد تسلل إلينا داءٌ أخطر، أكثر دهاءً وتعقيداً، يحوِّلنا إلى ظِلالٍ تائهة في متاهة من صنع أوهامنا. إنه "عُصاب الآخر"، ذلك الوباء النفسي-الاجتماعي الذي حوَّل "الآخر" – سواء كان غرباً، أو نظاماً عالمياً، أو حتى شبحاً وهمياً – إلى شماعة معلَّقة في عقلنا الجمعي، نعلق عليها كل عجزنا، وكل فشلنا، وكل هزائمنا المتتالية. تشخيص الداء: الأعراض لا تخطئها عين مريض "عُصاب الآخر" يعيش في انفصامٍ مريع. أعراضه واضحة: فهو يَزْأرُ كالأسد حين يتعلق الأمر بمفاخر الماضي، لكنه في حاضره يسلك سلوك الأرنب الخائف، يهرب من مواجهة الذات، ويختبئ في قطيع لا يفكر. ينسب كل انتصار – ولو كان قديماً – إلى "أصالتنا وعبقريتنا الفذة"، بينما يُلصق كل هزيمة – ولو كانت حديثة – بـ "مؤامرة الآخر الدائم". وهكذا، نصنع لأنفسنا تاريخاً من البطولات الأسطورية، وحاضراً من الضحايا المسكينين، دون أن نربط بين الفراغ الأخلاقي والفكري اليوم وبين التردي الذي نعيشه. الشماعة الوهمية: من "المؤامرة" إلى ثقافة العجز ها هو الشاهد الأكبر: ثقافة المؤامرة. لقد تحولت نظرية المؤامرة من مجرد فرضية تحليلية إلى عقيدة شبه دينية. فهل يعقل أن تكون كل هزائمنا العسكرية، وكل إخفاقاتنا التنموية، وكل أزماتنا التعليمية، وكل فسادنا الإداري، محض نتيجة لمخططات خارجية دقيقة؟ أين مسؤولية الإهمال المُزمن في صيانة المعدات؟ وأين حساب الكسل المؤسسي الذي يجعل القرار يستغرق سنوات؟ وأين مواجهة الفساد الذي ينخر كالسوس في عظام الدولة والمجتمع؟ إن تعليق كل شيء على شماعة المؤامرة هو أشبه بتخدير جماعي، يريحنا من ألم المواجهة مع ذواتنا المُعَطَّلة. أمجاد الآباء: مخدرُ الحاضر وسلاحُ العاجز وأما الشاهد الثاني، فهو الاسترخاء على أريكة التاريخ. نلهج بأمجاد صلاح الدين وابن سينا والخوارزمي، ونرتديها دروعاً وهمية في معارك الحاضر التي نخسرها بسبب الجهل والتخلف. إن ترديد أناشيد المجد الغابر بينما نتخلف في كل مؤشرات التنمية البشرية والعلمية الحديثة، هو نوع من الانتحار الحضاري البطيء. لقد حوّلنا تراث الأجداد – الذي يجب أن يكون حافزاً للإبداع – إلى سجن فكري، نرفض الخروج منه لننافس في عالم اليوم. إن أمجاد الماضي لا تُبنى عليها حاضراً مشرقاً إلا إذا تم استخلاص منهجيتها في التفوق والإبداع، وليس الاكتفاء بتمجيد نتائجها. العلاج: الخروج من ساحة الوهم إلى فضاء المسؤولية فمتى نتعلم فن تحمل المسؤولية؟ العلاج يبدأبخطوة واحدة شجاعة: نزع "الآخر" الوهمي من مركزية وعينا. يجب أن ندرك أن العالم ليس دائماً ضدنا، بل في أغلب الأحيان مشغولٌ بنفسه. القوى لا تُعطى بل تُنتزع انتزاعاً بالعلم والعمل والانضباط. 1. مساءلة الذات قبل اتهام الآخر: كل أزمة، كل فشل، يجب أن يخضع أولاً لـ "محكمة داخلية" صارمة: أين قصّرنا؟ أين أخطأنا؟ ما دور إهمالنا؟ 2. من ثقافة التمجيد إلى ثقافة البناء: لنوقف استعراض العضلات التاريخية، ولنبدأ في بناء عضلات حقيقية في البحث العلمي، والإنتاج الصناعي، واحترام الوقت، والنزاهة. 3. استعادة الفعل: يجب أن ننتقل من منطقة رد الفعل (التي تهيمن عليها نظريات المؤامرة والشكوى) إلى منطقة الفعل (التخطيط، الابتكار، المبادرة). صحوة الضمير أو الفناء البطيء "عصاب الآخر" هو أكبر عملية غسيل مخ جماعي نمر بها. إنه يحولنا من فاعلين في التاريخ إلى مشاهدين مأزومين، يتلذذون بلعب دور الضحية. لقد حان الوقت لنسأل أنفسنا: إلى متى سنبقى رهائن هذا الوهم؟ إلى متى سنبرر تقصيرنا بشماعة الآخر، ونتغطى ببطانية الماضي؟ الخلاص ليس في انتظار زوال "الآخر" المتآمر، بل في ولادة "ذات" مسؤولة، واعية، قادرة على مواجهة نفسها قبل خصومها، قادرة على البناء في الحاضر كما بنى الأجداد في الماضي. فقط حين نجرؤ على نزع قناع "الضحية" عن وجوهنا، سنتمكن من رؤية طريق النجاة، طريق المسؤولية. خطة عملية للخروج من "عُصاب الآخر": من التشخيص إلى الفعل الجزء العملي: آليات تنفيذية للتخلص من الداء بعد تشريح الداء، لا بد من وصفة علاجية عملية، وخطة محكمة للخروج من كهف الوهم إلى فضاء المسؤولية. إليكم الخطوات التنفيذية على مستويات الفرد، المؤسسة، والمجتمع: المستوى الفردي: ثورة داخلية تبدأ من الذات 1. ممارسة "المساءلة اليومية": · الآلية: تخصيص 10 دقائق مساءً لمراجعة اليوم، بسؤالين أساسيين: "ما الخطأ الذي ارتكبته اليوم؟ وما المسؤولية المباشرة لي فيه؟" و"ما الإنجاز الذي حققته اليوم بجهدي الشخصي؟" · التنفيذ: استخدام دفتر مذكرات أو تطبيق تدوين، مع الالتزام بالصراحة التامة وعدم السماح لعقلية "لولا..." أو "بسبب..." بالتدخل. 2. إعلان الاستقلال عن "شماعة المؤامرة": · الآلية: عند مواجهة أي فشل شخصي (رسوب في مادة، خسارة عمل، مشكلة عائلية)، اكتب أولاً ثلاثة أسباب داخلية تتعلق بك قبل البحث عن أي عامل خارجي. · التنفيذ: تحويل هذه الأسباب إلى "خطة تصحيح شخصية" قابلة للقياس (مثال: سبب الفشل: إهمال. التصحيح: تخصيص ساعتين للدراسة يومياً ومتابعة جدول محدد). 3. تطوير "الهوية الإنتاجية" بدلاً من "الهوية الاستهلاكية": · الآلية: تحويل جزء من الوقت المخصص لتصديق نظريات المؤامرة ومتابعة صراعات الآخرين، إلى وقت للإنتاج (تعلم مهارة جديدة، كتابة مقال، بدء مشروع صغير، التطوع في مجال مفيد). · التنفيذ: تحديد ساعة واحدة يومياً أو نصف يوم أسبوعياً كـ "وقت إنتاج مقدس" غير قابل للمساومة. المستوى المؤسسي (التعليم، الإعلام، العمل): 1. إصلاح المنظومة التعليمية: من التلقين إلى تحمل المسؤولية: · الآلية: إدخال مناهج وأنشطة تعزز المساءلة الذاتية وحل المشكلات. · التنفيذ: · استبدال جزء من الامتحانات التقليدية بـ "مشاريع مجتمعية" يحدد الطالب فيها مشكلة في محيطه ويقدم حلاً عملياً لها، ويقيم بناءً على تنفيذه وتقيمه لأخطائه. · إلغاء ثقافة "الطالب الضحية" في الصف، وتعويضها بثقافة "الطالب المسؤول عن تعلمه". 2. تحويل الإعلام: من بوق التبرير إلى مرآة النقد البناء: · الآلية: إعادة توجيه البرامج الحوارية والتحليلية من تحليل "مؤامرات الآخر" إلى تحليل "إنجازاتنا وإخفاقاتنا الداخلية". · التنفيذ: · تخصيص برامج أسبوعية ثابتة بعنوان "محاسبة القطاع" (التعليم، الصحة، النقل) تظهر تقارير موضوعية عن الأداء، مع استضافة مسؤولين مباشرين للمساءلة العلنية عن أرقام ومؤشرات محددة. · منع استخدام مصطلحات فضفاضة مثل "المؤامرة العالمية" دون تقديم وثائق وتحليل متسلسل وعقلاني. 3. ثقافة العمل: من التواكل إلى المحاسبة: · الآلية: تطبيق معايير الأداء والمحاسبة الشفافة في كل مؤسسة. · التنفيذ: · اعتماد نظام "لوحات الأداء" العلنية داخل الإدارات، تُظهر مؤشرات الإنجاز والفشل للفرق والأفراد بشكل شفاف. · ربط المكافآت والترقيات بشكل أساسي بالإنجاز القابل للقياس والمسؤولية المُثبتة، وليس بالأقدمية أو العلاقات. المستوى المجتمعي والحضاري: 1. مشروع "ذاكرة المسؤولية" الوطنية: · الآلية: إنشاء أرشيف وطني رقمي مفتوح، لا يُسجل فقط انتصارات الأمة، بل يوثق بدقة أسباب انتكاساتها الداخلية. · التنفيذ: توثيق تقارير رسمية وشهادات لأزمات كبرى (هزائم، كوارث، أزمات اقتصادية) مع التركيز على قرارات الإدارة الخاطئة، والإهمال، والفساد الذي كان سبباً جوهرياً، لتصبح هذه الوثائق جزءاً من الذاكرة الجمعية كدرس لا يُنسى. 2. إطلاق "مبادرات الفعل المحلي": · الآلية: تحويل الطاقة السلبية الناتجة عن خطاب "المؤامرة" إلى طاقة إيجابية في العمل المحلي. · التنفيذ: تشجيع وتسهيل قيام المجموعات الشبابية بمبادرات مثل: "هذه شارعي" لتنظيف وتجميل الأحياء، أو "مهارات حيّنا" لتعليم أبناء الحي مهارات مجانية، أو "مراقبة الموازنة" لمتابعة تنفيذ مشاريع الحي المعلنة من البلدية. 3. تغيير الخطاب الرمزي: · الآلية: تكريم النماذج الحية من "صناع التغيير" و"حَمَلة المسؤولية" بدلاً من التركيز الحصري على رموز الماضي. · التنفيذ: منح جوائز وطنية سنوية وتغطية إعلامية موسعة للمعلم المبدع، والطبيب المتفاني في منطقة نائية، والمواطن الذي أصلح مشكلة في بيئته، والمهندس الذي ابتكر حلاً لمشكلة محلية. جعل هؤلاء أبطالَ الحاضر الذين يُحتذى بهم. آلية المتابعة والتقييم: 1. مؤشرات قياس التقدم: تطوير مؤشرات لقياس تراجع "عصاب الآخر"، مثل: انخفاض نسب تداول ونشر نظريات المؤامرة غير الموثقة على وسائل التواصل، زيادة نسبة البرامج الإعلامية التي تركز على النقد الذاتي البناء، ارتفاع عدد المبادرات المجتمعية المحلية المسجلة. 2. مراجعة دورية: قيام مراكز أبحاث مستقلة بإصدار "تقرير سنوي عن ثقافة المسؤولية" يقيس مدى تقدم المجتمع في تبني خطاب وفعل المسؤولية الفردية والجماعية. خاتمة تطبيقية: البداية من هنا والآن الخروج من "عصاب الآخر" ليس شعاراً، بل هو مشروع تحريري يبدأ من قرار شخصي لا يُؤجل: أن أرفض أن أكون ضحيةً لوهم، وأن أتحول إلى فاعل في واقعي. لننتقل من سؤال: "من المتآمر علينا؟" إلى سؤال: "ما الخطوة التالية التي يمكنني أنا القيام بها لتحسين وضعي ووضع محيطي؟". العلاج بين أيدينا. الجرأة على مواجهة المرآة هي أول جرعة من الدواء. حين نغسل أدران التبرير من عقولنا، ونملأ أيامنا بالفعل البناء، سنكتشف أن "الآخر" الذي استحوذ على أحلامنا وكابوسنا، كان مجرد ظلٍ لحالتنا الداخلية. وحين تستقيم حالتنا، يختفي الظل. سؤال تفاعلي جوهري: قبل أن تغلق هذه الصفحة، أو تشارك المقال محمّلاً بالغضب أو الإعجاب، أو تُلق باللوم على "الآخر" المعتاد، أوقف نفسك لحظةً وأجب بصراحة تامة: "ما هي المسؤولية المباشرة الخاصة بك في مشكلة واحدة على الأقل تعاني منها في محيطك المباشر (عائلتك، عملك، حيك)، والتي كنت تُحمّل 'الظروف' أو 'الآخرين' أوضاعهم تبعاتها حتى هذه اللحظة؟ وما هو الفعل الأول البسيط الذي ستقوم به غداً لبدء تصحيحها؟" اطرح هذا السؤال على نفسك أولاً، ثم ناقشه مع صديق، أو في حلقة عمل، أو على طاولة العائلة. الشفاء يبدأ عندما نتحول من محللين بارعين لأخطاء الآخرين، إلى أطراف معالجة -ولو بشكل بسيط- لأخطائنا نحن. الدكتور مروان أحمد بحري الدكتور مروان بحري مع تحيات كلية العلوم الاجتماعية Generations and Technology University #جامعة #أجيال_وتكنولوجياالأمريكية