قراءة في فكر الدكتور عداب محمود الحمش: بين توقير العالم وتقليده - دراسة في إشكالية التقدير والتجديد

قراءة في فكر الدكتور عداب محمود الحمش: بين توقير العالم وتقليده - دراسة في إشكالية التقدير والتجديد بقلم الدكتور محمد سعيد أركي مقدمة: إشكالية التوقير والتجديد يُطرح في الفكر الإسلامي المعاصر سؤال ملحّ حول علاقة الأمة بتراثها العلمي: كيف نوفق بين تقدير علماء الأمة السابقين وإجلالهم، وبين ضرورة تجديد الفكر ومواكبة العصر؟ يجيب الدكتور الشريف عداب محمود الحمش على هذا السؤال بإجابة مركبة، ترفض الثنائيات الجاهزة، وتقدم رؤية نقدية تستحق القراءة والتأمل. ففي مقاله الموسع "بين توقير العالم وتقليده"، يهدم الكاتب بجرأة الفهم السطحي للعلاقة مع التراث، ويبني تصوراً يجمع بين الوفاء الأخلاقي للأسلاف والتحرر الفكري من سلطتهم العلمية المطلقة. تهدف هذه القراءة إلى تفكيك أطروحة الكاتب، وتحليل مرتكزاتها الفكرية، وتقويم إسهامها في فتح آفاق للتجديد المنضبط. أولا: التفريق الجذري بين التوقير والتقليد يؤسس الكاتب لموقفه على تمييز حاسم بين مفهومين كثيراً ما يُخلط بينهما: 1. التوقير: وهو قيمة روحية وأخلاقية واجبة، تنبع من تقدير الجهد العلمي، والورع الشخصي، والإخلاص في خدمة الدين. هذا التوقير عاطفة إيمانية وحق للعالم، لكنه – في فكر الكاتب – شعور داخلي لا ينتج بالضرورة حكماً عملياً ملزماً. فهو يحب أئمة آل البيت وعلماء الصحابة والتابعين، ويحب الأئمة الأربعة بدرجات متفاوتة (مفضلاً الشافعي علماً)، لكن هذه المحبة "لا تستلزم تقليدهم". 2. التقليد: وهو المنهج الفقهي القاضي باتباع عالم معين في جميع آرائه أو جلها دون نظر في أدلته. هنا يرفض الكاتب الرفض القاطع أن يكون هذا التقليد "واجباً أو حتى مندوباً"، لأنه يتعارض مع التكليف الشرعي للأفراد (خاصة المتعلمين) في طلب الدليل ووزن الأدلة وترجيح ما يرونه صواباً. بل إنه يرى أن تقليد المختلفين يؤدي حتماً إلى "اتباع المتناقضات". هذا الفصل هو حجر الزاوية في رؤيته، فهو يحرر طالب العلم من عقدة الذنب التي قد يشعر بها إذا خالف من يحب من العلماء، ويجعل الاجتهاد والنظر واجباً عقلياً وشرعياً، لا خروجاً على الأدب ولا انتقاصاً من القدر. ثانيا: النقد المزدوج: من التقليد الجامد إلى الفوضى اللامذهبية لا يقف نقد الكاتب عند حدود المقلدين، بل يمتد ليشكل موقفاً نقدياً مزدوجاً: · نقد التقليد المذهبي الجامد: يسخر الكاتب من الصنمية التي تحيط بالأئمة، والتي تبلغ حد جعل كلامهم – في نظر بعض المعاصرين – أعقد من كلام الله تعالى نفسه، كما في القصة الدالة التي يسردها عن أستاذه البروفيسور الذي "بكى خشوعاً" أمام قداسة كلام أبي حنيفة الغامض! وينتقد فكرة أن "الأقدم أعلم مطلقاً"، مذكراً بأن العلوم تراكمية، وأن وسائل العصر توفر إمكانيات هائلة للمعرفة لم تكن متاحة للأسلاف. · نقد الفوضى السلفية اللامذهبية: في الوقت ذاته، لا ينخرط الكاتب في تيار "اللامذهبية" الفوضوي الذي يرفض الضوابط. فهو يرفض "الفوضى العلمية لدى الحركة السلفية" التي تفتقد إلى الأدوات والمنهجية، وتفتح الباب أمام كل من هب ودب للفتوى دون تأهيل. هذا الموقف المتوازن يضع فكره في منطقة وسطى، ترفض الجمود ولكنها تحتضن الانضباط العلمي. ثالثا: مشروع النهضة: من الفردانية إلى المؤسسية الجماعية لا يكتفي الكاتب بالنقد، بل يقدم رؤية إصلاحية جوهرية تشكل لب مقاله، وهي الانتقال من النموذج الفردي إلى النموذج المؤسسي الجماعي. وهو هنا يلامس أحد أعصاب أزمة الفكر الإسلامي الحديث: · تشخيص الداء: "تاريخنا العلمي كله فردي، لم تؤسس له الدول الإسلامية، ولم ترعه رعاية مؤسسية قطّ!". · العلاج المقترح: على الأمة ممثلة بحكوماتها أن تنتقل إلى "العمل المؤسسي الجماعي"، من خلال: 1. رعاية المتفوقين علمياً منذ الصغر حتى يبلغوا درجة الاجتهاد. 2. اعتماد أقسى شروط الاجتهاد (كما ذكرها الشافعي) في برامج الإعداد. 3. تكوين مؤسسات علمية جماعية توحد الأمة وتلزمها بنتائج اجتهاداتها المدروسة. · الثقة بالعصر: يؤمن الكاتب بقدرات العصر، رافضاً أسطورة تفوق القدماء الذهني المطلق، ومذكراً بأن بين أيدينا من التقنيات والمعارف الميسرة ما لم يكن موجوداً قبل خمسين سنة فقط. تقويم الرؤية: بين قوة الطرح وإشكاليات التطبيق تتمتع رؤية الدكتور عداب بقوة منهجية وأخلاقية واضحة، فهي: 1. رؤية متوازنة تخرج من الصراع التاريخي بين التقليد والاجتهاد بطرح بديل. 2. رؤية واقعية نابعة من خبرة أكاديمية وإدارية طويلة، تلمس مواطن الخلل في التعليم الديني الحالي. 3. رؤية جريئة تتحدى المسلمات المتصالَح عليها في الوسط التقليدي دون تجريح. لكنها تطرح أيضاً أسئلة وإشكاليات تحتاج إلى مزيد بحث: 1. إشكالية التطبيق: كيف يمكن تحقيق "المؤسسة العلمية الجماعية" في ظل الانقسامات المذهبية والسياسية التي تمزق العالم الإسلامي؟ وهل يمكن للدولة (ككيان سياسي) أن تكون الراعي المحايد والفاعل لهذا المشروع دون أن تسييسه؟ 2. إشكالية الضمان: ألا يحتمل النموذج المؤسسي الجديد أن يسقط في جمود جديد، شبيه بجمود المذاهب الفردية، إذا تحول إلى بيروقراطية علمية مغلقة؟ ما هي الآليات الداخلية التي تقترحها الرؤية لمنع جمود المؤسسة ذاتها؟ 3. إشكالية المعايير: هل تكفي شروط الاجتهاد التقليدية (رغم صرامتها) في عصر التعقيد الحضاري؟ ألا تحتاج الأمة إلى إضافة أدوات جديدة من مناهج العلوم الإنسانية والاجتماعية والنقد الحديث لفهم النصوص وتنزيلها على الواقع المعقد؟ خاتمة: نحو أخلاقية جديدة في التعامل مع التراث يقدم الدكتور عداب محمود الحمش في مقاله نموذجاً لفكر نقدي بنّاء، يرفض أن يكون توقير العلماء سجناً للعقل، أو أن يكون التجديد انسلاخاً عن الأصول. لقد رسم معالم "أخلاقية علمية" جديدة تقوم على: · الاحترام الوجداني للتراث ورجاله. · التحرر العقلي من سلطة السلف العلمية المطلقة. · المسؤولية الجماعية في بناء مؤسسات تجدد دماء الأمة الفكرية. ربما تبقى أسئلة التطبيق والتوظيف السياسي والإجرائي مفتوحة، ولكن قيمة المقال تكمن في كونه صدمة مفيدة للوعي، تدعو الأمة إلى الخروج من سباتها الفكري، لا بالتمرد العشوائي، ولا بالتمسك الأعمى، بل بتأسيس عقد جديد بين الماضي والحاضر: عقد يتخذ من التوقير منطلقاً، ولا يتخذ منه سجناً؛ عقد يجعل من التجديد واجباً، ولا يجعل منه فوضى. وهذا، في ذاته، إسهام فكري جليل يستحق التأمل والمدارسة. جامعة أجيال وتكنولوجيا مع تحيات قسم الدراسات الإسلامية .............................................. مقال فضيلة الدكتور عداب الحمش : في سبيل العلم: بين توقير العالم وتقليده!؟ بسم الله الرحمن الرحيم (الحَمدُ للهِ، وسَلامٌ على عِبادِه الذين اصْطَفَى). أما بعد: قال لي صاحبي: تعلمنا منكم أن من حق الإنسان إذا أشكل عليه شيء من كلام أخيه؛ أن يستفهم منه، قبل أن يتهمه ويشنع عليه، أليس كذلك؟ قلت: بلى هذا صحيحٌ، وأدبٌ عال. قال: سمعتك مرات تثني على الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى. وقرأت لك منشورا قلت فيه: إنني أحبه أكثر من الأئمة الثلاثة الآخرين المتبوعين: مالك والشافعي وأحمد. ثم قرأت لك منشوراً أو أكثر تعيب فيه التقليد، وترفض أن يكون التزام واحدٍ من المذاهب الأربعة واجباً أو حتى مندوباً. وفي الوقت ذاته أنت ترفض الفوضى العلمية لدى الحركة السلفية التي تشاركك فكرة (اللامذهبية). أرجو أن تشرح لنا هذين الموقفين بمنشور موسع، فأنا لست وحدي من يستشكل صدور هذه المواقف عنك. أقول وبالله التوفيق: يقول الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: «هذه القلوب أوعية، فخيرها أوعاها، الناس ثلاثةٌ: فعالمٌ ربّاني، ومتعلّم على سبيل نجاة، وهَمَجٌ رعاع أتباع كلّ ناعق، يميلون مع كلّ ريحٍ، لم يستضيؤوا بنورِ العلم، ولم يلجأوا إلى ركنٍ وثيق» نهج البلاغة. قال الفقير عداب: العلماءُ الربّانيون؛ هم العلماء المتحقّقون بالفهم والعلم والتقوى. والمتعلّمون على سبيل النجاةِ؛ هم طلّاب العلم الشرعيّ. والعوامُّ والجهّال؛ هم الهمج الرعاع، الذين يتقلّبون يمنةً ويسرةً، على حسب المزاج والرغبةِ ووُجهةِ المجتمع الفكريّة والعاطفيّة، التي يمكن تسميتها «العَقل الجمعيّ»! إذْ ليست لدى هؤلاء ملكةٌ علميّةٌ راسخةٌ، ولا تربية إيمانية عالية، وهم الغالبية العظمى في كلّ أمّة (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)! قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً، فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ، وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ، لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122) [التوبة]. والعلم نور يَهَبُه الله تعالى لبعضِ عبادِه، ومَن يظنُّ حضورَ مجالسِ العلم يجعلُ من الحاضرِ عالماً؛ فقد ظنّ باطلاً! كنّا في مجلس شيخنا محمّد الحامد رحمه الله تعالى أكثرَ من ثلاثِ مائةِ طالبِ علمٍ، تخرّج عددٌ كبيرٌ منهم في كليّة الشريعة، وليس في تلامذة الشيخِ محمّد الحامد خمسةُ علماءَ مذهب، وليس فيهم مجتهدٌ واحد! وهناك طائفة كبيرةٌ مُتعلّمون على سبيل النجاة، يدعوهم الناس علماءَ، وما هم بعلماء حتماً! أنا الفقير عداب أحبّ المسلمين جميعاً السنيّ والشيعيّ والإباضيّ، وأُبغِضُ التعصّبَ لدى الجميع، وأمقتُ سوءَ ظنّ بعض المسلمين ببعضٍ، وأرفض رفضاً قاطعاً خضوعَ العلماء لأهواء الجماهير الجاهلة الرعاع! وممّا لا ارتياب لديّ فيه؛ أنني أحبُّ العلماءَ أكثرَ من بقية شرائح المجتمع، حتى أكثرَ من المجاهدينَ والشهداءِ! ويَتفاوت حبّي للعلماءِ بمقدار تحقّق بعضهم في التزكية أكثرَ من الآخرين. أنا أحبّ علماءَ آل البيت أكثرَ من غيرهم، هذا صحيح؛ لأنّ هؤلاء علماء أتقياء، ولهم على الأمة كلّها (المودّة في القربى). وأحبُّ العلماءَ الشجعانَ أكثرَ من غيرهم، حتى لو كان غيرُ الشجعان أعلمَ! الإمام محمّد الباقر جدّي، والإمام زيد بن عليّ أخوه، الإمام زيد بن عليّ؛ أحبُّ إليّ من جدّي الباقر، رضي الله عنهم أجمعين! الأئمة علي زين العابدين، وسعيد بن المسيّب، والقاسم بن محمّد بن أبي بكر، وسعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر، جميعهم علماء، وجميعهم أحبّهم. بيد أنّ محبّتي لهم؛ لا تستلزم تقليدَهم، ولو استلزمَتْ؛ للزم اتّباع المتناقِضات، إذ إنّ هؤلاء اختلفوا، كما اختلف الذين مِنْ قبلهم، ومَن بَعدَهم! فاعترافي بأنّ هؤلاء علماء؛ يستلزم أن أوقّرهم وأحبّهم، وكونهم بشراً يخطؤون ويصيبون؛ فأنا أتخيّر من اجتهاداتهم ما أراه أقرب إلى الصواب، وهذا هو تكليفي الشرعيّ. نأتي إلى الأئمة الأربعة (النعمان ومالك والشافعي وأحمد) رحمهم الله تعالى. من وراء قراءتي تاريخ العلم الإسلاميّ في مصادر كثيرةٍ؛ لم يتوضّح لديّ أنّ أبا حنيفةَ أعلمُ أهل عصره، ولم يكن مالك أعلم أهل عصره، وكثيرون في عصر أحمد ابن حنبلٍ أعلم منه. الشافعيُّ وحدَه كان أعلمَ أهلِ عصره، من وجهة نظري، ومع هذا لا أرى وجوبَ تقليدِه! عندما أنجزتُ كتابي «القرآن الكريم ودعاوى النسخ فيه» عام (1977م) خالفتُ الشافعيّ في أربعَ عشرةَ دعوى نسخٍ، ادّعاها في القرآن الكريم! أحبّ الشافعيَّ بالتأكيد، وأراه أعلمَ الأربعةِ يقيناً، لكنني لا أرى على أحدٍ وجوبَ تقليدِه! تاريخنا العلميّ كلّه فرديّ، لم تؤسس له الدول الإسلامية، ولم ترعَه رعايةً مؤسّسيّة قطّ! ويَجب على الأمّة أن تخرجَ من هذه الفردانيّة، إلى العمل المؤسسي الجماعيّ. ويجب على الأمّة ممثّلةً بحكّامها؛ الاهتمامُ الأعلى بتخريج المجتهدين! ويجب على الحكوماتِ المسلمةِ؛ أنْ لا تنظر إلى موافقة «اليونسكو» على البرامج والمناهج الدراسية، التي تتبنّاها، خاصّة في التخصصات الشرعيّة! وعلى الحكومات المسلمةِ؛ أن ترعى المتفوّقين النابهين وكفايتهم من بداية طلبهم العلم، حتى يحصلوا على درجة الاجتهاد. وحتى يتحقّق العالمُ بمرتبة الاجتهادِ حقيقةً؛ على الجهاتِ المنظّمة لإعداد المجتهدين الأخذُ بأقسى شروط الاجتهاد، الذي رواها الخطيب البغدادي في كتابه «الفقيه والمتفقه» عن الإمام الشافعيّ إذْ قال: «لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُفْتِي فِي دِينِ اللهِ ، إِلَّا رَجُلاً عَارِفاً بِكِتَابِ اللهِ : بِنَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ. وَبِمُحْكَمِهِ وَمُتَشَابِهِهِ. وَتَأْوِيلِهِ وَتَنْزِيلِهِ. وَمَكِّيِّهِ وَمَدَنِيِّهِ. وَمَا أُرِيدَ بِهِ, وَفِيمَا أُنْزِلَ. ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ بَصِيراً بِحَدِيثِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَبِالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ. وَيَعْرِفُ مِنَ الْحَدِيثِ مِثْلَ مَا عَرَفَ مِنَ الْقُرْآنِ. وَيَكُونُ بَصِيرًا بِاللُّغَةِ, بَصِيرًا بِالشِّعْرِ, وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنه لِلْعِلْمِ وَالْقُرْآنِ. وَيَسْتَعْمِلُ مَعَ هَذَا الْإِنْصَافَ, وَقِلَّةَ الْكَلَامِ. وَيَكُونُ بَعْدَ هَذَا مُشْرِفاً عَلَى اخْتِلَافِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ. وَيَكُونُ لَهُ قَرِيحَةٌ بَعْدَ هَذَا. فَإِذَا كَانَ هَذَا «العالمُ» هَكَذَا؛ فَلَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ، وَيُفْتِيَ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ هَكَذَا؛ فَليس له أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي الْعِلْمِ وَلَا يُفْتِي». إنّ بلوغَ درجةِ الاجتهادِ؛ ليس محالاً، ومن ظنّ الأقدمين أذكى منّا؛ فقد ظنّ باطلاً! وبين أيدينا من التِقنياتِ والوسائل الميسّرة لتحصيل العلم؛ ما لم تكن تَعرفه البشريةُ قبل خمسين عاماً، فضلاً عن ألف عام مضت وانقضت! والذي يقرأ تراجمَ كبار العلماءِ، ويطّلع على تراثهم العلميّ؛ قلّما يجدُ لأحدهم ذلك التميّز الصارخ لديهم. طلبةُ العلم يعرفون منزلةَ الإمام مالكٍ، عند علماء الأمّة عامّةً، وعندَ المحدّثين خاصّة! وموطّأ الإمام مالكٍ - وهو الأثر العلميّ الوحيدُ له - إذا وَزنتَه بمسندِ الإمامِ أحمدَ مثلاً؛ فلا يساوي أكثرَ من جُزءٍ من عشرين جزءاً منه! جملة رواياتِ موطّأ مالك - حسب موسوعة صخر - (1594) روايةً! الأحاديثُ المرفوعةُ المنسوبةُ إلى الرسولِ صلّى الله عليه وآله وسلّم (736) حديثاً، منها الصحيحُ، ومنها الضعيف! والآثار الموقوفة على الصحابة رضي الله عنهم (599) أثراً. والأخبارُ المقطوعةُ على التابعين، فمن دونهم، رحمهم الله تعالى (248) خبراً. ولم يدّعِ مالكٌ، ولم يُدَّعَ له؛ أنّه كان يحفظ الأحاديثَ المرفوعةَ في كتابه! بدليلِ أنّه كان يمسك بكتابه، ويعرضُ عليه الطلبةُ ما جاءَ فيه! ومع هذا يُصرّ المالكيّة وكثيرٌ من أهل الحديثِ؛ على أنّ مالكاً أعلمُ أو من أعلمِ الأئمّة بالحديث! إنّ العلومَ كلّها تراكميّةٌ، إلّا علومَنا الإسلاميّة، وعلماءَنا المسلمين؛ فإنّ الأقدَمَ هو الأعلمُ والأتقى والأذكى! إنّ هذا الواقعَ غدا أقربَ إلى المسلّماتِ المتصالَحِ عليها، وليكن ذلك كذلك لدى العامّة وصغار طلبةِ العلمِ. أمّا أن ينشأَ طالب العلم، فيصبح عالماً، كما يظنّ نفسَه ويظنّه الناس، وهو يعتقد بهذه العقيدةِ، ويذهب هذا المذهب؛ فهذا تخلّف علميٌّ، وجمودٌ هادم! كوّن رئيسُ جامعة صدّام للعلوم الإسلامية لجنةً أسماها «لجنة مراجعة المناهج الدراسيّة» وجعلني عضواً فيها، بصفتي رئيس اللجنة العلمية في كليّة أصول الدين يومئذٍ! تبادلنا الحديثَ حيالَ الاجتهادِ والتقليد، ونبّهتُ إلى ضرورةِ إعداد المجتهدين؛ فقال أحدُ أعضاء اللجنة، وهو بروفيسور «أ د»: «يا شيخ عداب: أين نحن من علم أبي حنيفةَ مثلاً؟ أنا واللهِ لا أفهمُ كلامَه» أو قال: «لا أفهم بعضَ كلامه»! قلت له: يا أستاذي، أنا أفهم كلامَ الله تعالى من الفاتحة إلى الناس، فهل كلام أبي حنيفةَ أعمقُ من كلام الله تعالى، أو هو أكثرُ غموضاً وتعقيداً؟ حتماً هو ليس أعمقَ من كتاب الله تعالى، ولم يُعْرَفْ عن أبي حنيفةَ البلاغةُ أصلاً! فلو سلّمنا بأنّك لا تفهم كلام أبي حنيفةَ؛ فهذا يعني أنّ كلامه غامضٌ ومعقّد! فهل تَرى هذه مزيّةً لكلام أبي حنيفةَ، ولماذا يَجعلُ كلامَه غامضاً إذا كان قاصداً، وهذا نقيضُ البلاغةِ والفصاحة! فبكى الأستاذ الدكتور خشوعاً وخضوعاً بين يدي قداسةِ كلام أبي حنيفةَ، المنقولِ عنه شفويّاً، ولم يخطَّ يَراعُه منه صفحةً واحدة! هذه المواقفُ - من وجهةِ نظري - قصورٌ في التأهلِ العلميّ، أو إنّها حِفاظٌ على المنزلةِ العلميّةِ التي يحتلّها كل «بروفيسور» أمثال أستاذنا هذا؛ لأنّه إذا تجاوزها إلى ما فوقها؛ لم يجد نفسَه متأهّلاً للتربّعِ على كرسيٍّ «فوقَ»! ختاماً: أدعو حكومة «الجمهورية العربية السوريّة» خاصّةً، إلى الاهتمام الحقيقيّ بتأهيلِ العلماء ورعايتهم وتطوير إمكاناتهم ومهاراتهم، حتى يكون لدينا مؤسساتٌ علميّةٌ تُوَحّد المجتمعَ السوريّ، وتلزمه بنتائجِ اجتهاداتِ تلك المؤسساتِ، بعد أن تكونَ حوَتْ علماءَ حقيقيّين مؤهّلين، يمتلكون أدوات الاجتهاد. والله تعالى أعلم. والحمد لله على كلّ حال. د. محمد سعيد أركي مع تحيات قسم الدراسات الإسلامية Generations and Technology University جامعة أجيال وتكنولوجيا الأمريكية https://gtuedu.org/