الطغيان كبنية فكرية: تحليل سوسيولوجي لإعادة إنتاج الأنظمة الاستبدادية بقلم المربي الفاضل الدكتور مروان أحمد بحري Mervan Bahri مقدمة: يُمثِّل السعي نحو التغيير السياسي إحدى الإشكاليات المركزية في علم الاجتماع السياسي. وفي حين يُركِّز الخطاب الشعبي والسياسي غالباً على "الشخص" الطاغية باعتباره المشكلة الجوهرية، يجادل هذا التحليل بأن الظاهرة الاستبدادية هي، في جذورها، نتاج بنيوي لسياق اجتماعي-معرفي مُحدد. بمعنى آخر، الطغيان هو نظام فكري وثقافة ممارسة قبل أن يكون تجسيداً فردياً. وعليه، فإن إزالة التجسيد الفردي دون تفكيك البنية الفكرية التي أنتجته تؤدي حتماً إلى إعادة إنتاج النموذج ذاته بأشكال جديدة. الإطار النظري: إشكالية اختزال الظاهرة في الفرد يقع التحليل السائد في فخ "الاختزالية الفردانية"، حيث يُعزى تعقيد الظاهرة السياسية إلى أفعال وشخصية الفرد الحاكم. هذا المنظور يتجاهل النظرية البنيوية التي ترى أن الفعل السياسي، بما فيه الاستبدادي، مُحدَّد بشبكة معقدة من العوامل: الثقافة السياسية السائدة، مستوى التنوير المجتمعي، هياكل الاقتصاد، والتوازنات الاجتماعية. فالمجتمع الذي يتسامح مع الاستبداد في علاقاته الأفقية (في الأسرة، العمل، المؤسسات الوسيطة)، يكون تربة خصبة لاستبداد عمودي في الحكم. التحليل: الديناميكية التكرارية لإنتاج الاستبداد السؤال المركزي هنا: ما الجدوى من إزالة النخبة الحاكمة الفاسدة إذا بقي المجتمع حبيس دورة الجهل والتخلف التي أنتجتها؟ تشير النظرية السياسية إلى أن المجتمعات التي تفتقر إلى "رأس المال الاجتماعي" القائم على الثقة والمشاركة والمساءلة، وتمتلك ثقافة سياسية تسلطية، تكون عُرضةً لدورة مُفرغة. في هذه الدورة، يؤدي سقوط نظام استبدادي، دون تغيير الثقافة والمؤسسات التي دعمته، إلى فراغ سلطة يملؤه نظام جديد غالباً ما يعيد إنتاج آليات الحكم القديمة، وربما بصورة أكثر قسوة لضمان بقائه. المعضلة، إذن، ليست في تشخيص الداء، فالكثير من المجتمعات تدرك عللها البنيوية. بل تكمن في: 1. عجز الإرادة الجماعية عن الإعلان الصريح عن هذه العلل، بسبب مخاوف مرتبطة بالأمن أو بالمصالح الضيقة، أو بسبب هيمنة الخطاب التبريري الذي يحول المشكلة البنيوية إلى قضايا ثانوية. 2. عدم الاستعداد لدفع "الثمن الانتقالي" للتغيير الجذري. هذا الثمن ليس مادياً فحسب، بل هو اجتماعي ونفسي ومعرفي: تفكيك الولاءات العصبوية، قبول التعددية، تبني قيم النقد الذاتي والمساءلة، والاستثمار الطويل الأمد في التعليم والتنوير. إن التردد في دفع هذا الثمن هو شكل من أشكال "المقاومة الخفية" للتغيير. نتيجة لهذين العاملين، تلجأ المجتمعات والأنظمة البديلة إلى مُعالجات وهمية: معالجة أعراض الاقتصاد (كالتضخم) دون المساس بفساد المؤسسات، أو إجراء تغييرات شكليّة في الدستور مع إبقاء ثقافة الخوف والتزلف سائدة. وهو ما يمكن وصفه بـ "الاستبداد ذو الوجه الجديد". الخلاصة: نحو تفكيك البنية المعرفية للاستبداد يقتضي الخروج من هذه الدورة التكرارية تحولاً جذرياً في البنية المعرفية والثقافية للمجتمع. وهذا لا يعني انتظار "المعجزة" أو "القائد الملهم"، بل يتطلب مشروعاً تنويرياً تراكمياً يهدف إلى: · رفع نسبة الوعي النقدي والمساءلة الاجتماعية. · بناء مؤسسات وسيطة فاعلة ومستقلة (مجتمع مدني، إعلام حر، نقابات). · تعميم ثقافة المواطنة القائمة على الحقوق والواجبات المتساوية، بديلاً عن ثقافة الرعية والخضوع. · إعادة بناء المنظومة التربوية لتعزيز قيم التفكير النقدي، التسامح، والحوار. وفي هذا السياق، يمكن فهم الإشارة القرآنية ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: 79] كإطار تحليلي سوسيولوجي يُبرز كيف أن السكوت الجماعي عن المنكر (الفساد، الظلم، الجهالة) ليس خطيئة أخلاقية فحسب، بل هو آلية مؤسِسة لإعادة إنتاج النظام الفاسد واستدامته. فالفرج الإلهي، وفق هذا المنطق، مرتبط بتحقيق شروطه الموضوعية في الأرض، والتي أولاها تغيير ما بالنفس والجماعة من فكر وسلوك. الدكتور مروان بحري مع تحيات كلية العلوم الاجتماعية #جامعة_أجيال_وتكنولوجيا Generations and Technology University https://gtuedu.org/