الاستعمار المعرفي للمجال الديني: آليات صناعة الداعية البديل وإقصاء العالم الأصيل بقلم الدكتور محمد سعيد السلمو مقدمة: تحوُّلٌ محكومٌ بخطة لا يحدث التحول في الخطاب الديني والمشهد الدعوي بمعزل عن إرادات واعية تخطط وتنفذ، بل هو عملية محكمة الصنع، تهدف إلى إحلال نموذج ديني مُطوَّع ومُفرَّغ من مضمونه الحضاري، محل العالم الأصيل الحامل لهِمَّةِ النهوض والمواجهة. هذه العملية ليست عفوية، بل هي نتاج سياسة ممنهجة تعمل على مستويين متكاملين: الأول، صناعة البديل وفق مواصفات تخدم أجندة معينة، والثاني، إقصاء الأصل عبر مراحل متدرجة تهدف إلى تطويقه وتجريده من تأثيره. والنتيجة النهائية هي تفريغ الدين من دوره كقوة ضمير ومساءلة وتحويله إلى طقوس فردية وخطاب مُسكِّن. الفصل الأول: تشريح عملية صناعة الداعية البديل الداعية البديل ليس ظاهرة طبيعية في تطور الخطاب الديني، بل هو منتج مُصمَّم وفق متطلبات مرحلية، يهدف إلى تقديم صورة "معتدلة" و"ممكنة" للإسلام، تكون في جوهرها مُجرَّدة من الفاعلية والتأثير الاجتماعي. تتم هذه الصناعة عبر خطوات منهجية: 1. تفكيك شرعية العالم الأصيل: تُهيأ الساحة أولاً بإسقاط الثقة في العالم الحقيقي، عبر اتهامات مُعلَّبة متكررة (كالتشدد، الرجعية، العجز عن مواكبة العصر) بغض النظر عن صحتها. يتحول التكرار الإعلامي إلى دليل، والهمس إلى يقين، مما يؤدي إلى خلق فجوة بين الجمهور وعلمائه دون حاجة إلى حجة علمية. 2. إعادة تعريف العلم ذاته: بعد تقويض الثقة، يُعاد صياغة مفهوم العلم الديني. فلا يعود هو ضبط النصوص وفقه المقاصد والجمع بين الأدلة، بل يصبح مرادفاً للغة الناعمة، والخطاب المطمئن، و"القدرة على عدم الإزعاج". ويُستبدل المنهج التحقيقي بالاقتباس السطحي، والفهم العميق بالحفظ الآلي، والعالم الموسوعي بالمتحدث الخفيف الظل. 3. استبدال الشرعية العلمية بالشرعية الإعلامية: لا يستمد الداعية البديل شرعيته من سند علمي أو إنجاز معرفي، بل من القبول الإعلامي والجماهيري المُصطنَع. يُغمر حضوراً في وسائل الإعلام، وتُفتح له المنصات، ليس لأعلميته، بل لكونه "الأقل إزعاجاً" والأكثر انسجاماً مع الخطاب السائد، فيتحول المنبر من موقع أمانة ومسؤولية إلى مساحة عروض واستعراض. 4. تليين الخطاب ونزع الجرأة: لا ينكر الداعية البديل النص صراحة، لكنه يفرغه من حِدَّته وموجباته العملية. يتجنب تسمية الظلم بأسمائه، ويؤجل الحديث عن الباطل، ويستبدل المواجهة بالدعوة المجردة إلى "الحكمة" التي تُفسر في سياقها بأنها دعوة إلى الصمت. وهنا يتم إنتاج دين بلا موقف، وعلم بلا أثر تغييري. 5. اختزال الدين في الطقوس الفردية: يُعاد تعريف التدين نفسه ليُختزل في العبادات الشخصية والخواطر الوجدانية المعزولة عن هموم الجماعة. يُحذف من خطابه أي حديث عن الهوية، والعدالة، والكرامة، والمسؤولية الاجتماعية، ويُوصف كل خروج عن هذا النموذج بـ "التسييس" أو "التشدد". 6. وأد السؤال النقدي: العالم الأصيل يُقلق لأنه يطرح الأسئلة الكبرى: لماذا؟ ومن المسؤول؟ وأين الخلل؟ أما مهمة الداعية البديل فهي قتل السؤال في مهده، وتدجين العقل تحت شعارات "السكينة" و"الرضا"، لينشأ جيل يحفظ كثيراً ويفهم قليلاً، ولا يربط بين قيم الدين وتناقضات الواقع. الفصل الثاني: الآليات الباردة لإقصاء العالم الحقيقي بالتوازي مع صناعة البديل، تجري عملية إقصاء هادئة ومتدرجة للعالم الأصيل، تهدف إلى تجفيف منابعه وتحييده دون ضجة. هذه العملية لا تأتي بقرار مفاجئ، بل عبر خطوات صغيرة مجتمعة تشكل "مذبحة معنوية": 1. التجاهل المنهجي: تبدأ المرحلة بالإهمال المتعمد. لا يُستضاف العالم، ولا يُستشار، ولا يُنقل عنه. يُترك ليواجه صمتاً مقصوداً، على أمل أن يعتزل نتيجة الإحباط والتعب من "طرق الأبواب المغلقة". 2. تفريغ المكان من الأثر: يُزاح العالم تدريجياً عن مواقع التأثير. يُسلَّم منبره لآخرين "مؤقتاً"، تُلغى حلقته العلمية "لأسباب تنظيمية"، وتُستبدل مواده بغيرها. ويُغلف هذا كله بعبارات مثل "إعادة ترتيب المشهد" أو "التطوير". 3. صناعة الفراغ ثم ملؤه ببديل هش: لا يُترك الفراغ الناتج عن إزاحة العالم شاغراً. يُملأ فوراً ببديل مُصمَّم خصيصاً: متحدث بلا جذور علمية رصينة، أو داعية بلا عمق، أو عالم "منزوع الموقف". الشرط الأساسي أن يكون هذا البديل أخف ظلاً، وألين لساناً، وأكثر قابلية للتوجيه والاستخدام. 4. التشويه غير المباشر: بعد ابتعاد العالم عن الأضواء، تبدأ حملة تشويه سمعته عبر الهمسات والإشاعات. تُناقش شخصيته (بوصفه "صعباً" أو "منفصلاً عن الواقع") بدلاً من مناقشة أفكاره، لأن نقد الأفكار اعتراف بقيمتها، بينما الهجوم الشخصي أسهل وأكثر تأثيراً في تشويه الصورة. 5. الإرهاق النفسي حتى الاعتزال الذاتي: يُترك العالم ليواجه سيلاً من الاتهامات (التشدد، الجمود، إثارة الفتن) والسخرية، في بيئة معادية تسعى إلى إقناعه بأن "السلامة في الصمت". وعندما يعتزل، يحسب من أقصوه أنهم انتصروا، غير مدركين أن الكارثة الحقيقية ليست في صمته وحده، بل في "تديين الجهل" الذي يملأ الفراغ بعد رحيله. خاتمة: الفاجعة المكتملة والبديل الزائف عند اكتمال هاتين العمليتين المتلازمتين (الصناعة والإقصاء)، تقع الفاجعة الكبرى: عالم مُبعَد عن مجاله الطبيعي، وداعية مُصنَّع يُقدم على أنه "الوجه المعاصر للإسلام"، وجمهور مُوجه يصفق للبديل وهو يحسب أنه يحسن صنعاً. وتصبح الأمة بلا مناعة فكرية أو روح نقدية. يُقدم هذا المشهد على أنه "تطوير" و"اعتدال" و"إسلام ممكن". لكن الحقيقة العميقة التي يتم تمويهها هي أن هذا الداعية البديل ليس مجرد بديل عن عالم واحد؛ إنه في جوهره بديل مُخطَّط له عن الدين في كليته، وعن وظيفته الحضارية كمنبع للوعي والعدالة والتحرر، ليحل محله دين الشكل والطقس والخطاب المُسكِّن الذي لا يوقظ ضميراً ولا يقلق سلطاناً. الدكتورمحمد سعيد السلمو د. محمد سعيد السلمو مع تحيات كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات الإسلامية #جامعية_أجيال_وتكنولوجيا Generations and Technology University