⁹قراءة تحليلية في أزمة القيم العصرية من منظور المقاصد الشرعية: فضيحة إبستين نموذجاً لا شك أن فضيحة جيفري إبستين الدولية، بامتداداتها السياسية والمالية والاجتماعية، تفرض نفسها كظاهرة تستدعي تأملاً عميقاً يتجاوز السرد الإخباري والتوثيق الجنائي. فما ظهر للعلن من شبكة للاستغلال الجنسي المنظم لا يمثل مجرد جرائم معقدة، بل هو عَرض مرضي بارز يشير إلى اختلال جوهري في القيم الحاكمة للمنظومة الحضارية المهيمنة. من هذا المنطلق، تسعى هذه القراءة إلى تقديم تشريح تحليلي للفضيحة، لا كحادثة شاذة، بل كمرآة كاشفة لتصدعات بنيوية في النظر إلى الإنسان والعدل والكرامة. وتعتمد هذه المقاربة على الإطار المفاهيمي الإسلامي، مستندةً تحديداً إلى ركيزتين أساسيتين: نظرية مقاصد الشريعة، ومفهوم "الفساد في الأرض" القرآني الشامل، الذي يصف كل خروج بالنظام الإنساني عن حالة الصلاح إلى حالة الخلل. ستكشف هذه القراءة كيف تجسدت الفضيحة في انتهاك مترابط للمقاصد الأساسية المتمثلة في حفظ النفس والعرض والنسل والعدل، وكيف أن التعامل القانوني والمجتمعي معها قد كشف بدوره عن خلل بنيوي في منظومة القيم المادية السائدة. وتخلص إلى أن المقاصد الشرعية لا تقدم فقط أداة تشخيص دقيقة، بل تقدم معياراً أخلاقياً شاملاً وضرورياً لإصلاح هذا الخلل واستعادة الحصانة الأخلاقية للمجتمعات الإنسانية، عبر الانتقال من منطق الترقيع إلى منطق إصلاحي يقوم على إعادة الاعتبار لكرامة الإنسان كقيمة مطلقة. الظاهرة وأبعادها إن ما جرى في فضيحة إبستين ليس مجرّد سلسلة جرائم بشعة تطالعنا في نشرات الأخبار، بل هو ظاهرة مركّبة تنبئ عن خلل عميق. فهي تكشف، وكأنها مشرط تحليل، عن تداخل مراكز القوى الخفية، وعن تصدّع في الأسس التي يفترض أن تقوم عليها العدالة. ها هنا تبرز الإشكالية: بأي عدسة نستطيع قراءة هذه الظاهرة الجامعة بين الانحطاط الأخلاقي، واستغلال الثروة، وتواطؤ المؤسسات؟ إن الإجابة تكمن في عدسة مقاصد الشرع الحكيم، فهي التي تمنحنا أداة رصينة لتشريح الأزمة في مستوياتها كافة: من الفرد إلى المؤسسة إلى الحضارة ذاتها. لذا، فإن الهدف من هذه القراءة يتجاوز السرد الإخباري إلى النقد الفكري، لبيان كيف أن انتهاك الضرورات الخمس – ولا سيما حفظ النفس والعرض – هو نذير انهيار لركائز العدالة والكرامة في أي مجتمع كان. كما تسعى إلى إيضاح كيف أن النسبية الأخلاقية والمنفعة المادية – وهما ركيزتا الفلسفة المادية السائدة – هيأتا التربة الخصبة لازدهار مثل هذا الفساد المنظم والمحمي. 1. الإطار النظري: المقاصد والفساد.. رؤية كلية يقوم مفهوم مقاصد الشريعة على حفظ مصالح الإنسان الكلية في معاشه ومعاده. وتتربّع الضروريات الخمس – حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال – على قمة هذا البناء، لتشكّل الحدود الحامية لكيان المجتمع الإنساني المتوازن. فهي ليست أحكاماً جامدة، بل هي روح التشريع وغايته التي تقوم عليها العدالة. ويرتبط بهذا المفهوم ارتباطاً عضوياً مفهوم "الفساد في الأرض" القرآني الشامل. يقول تعالى: "وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۚ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ" (البقرة: 205). إنه فساد لا يقف عند المال والاقتصاد ("الحرث")، بل يمتد ليهدم نظام القيم والأسر والمجتمعات ("النسل"). فكل منظومة تسمح بانتهاك الحرمات وتُزيّف موازين القسط، هي منظومة تشترك في هذا الإفساد، ولو تزيّت بثياب التحضّر والتقدّم. 2. تشريح الظاهرة: انتهاك مترابط للمقاصد لنضع الفضيحة تحت مجهر المقاصد، لنجدها نموذجاً صارخاً للفساد الشامل: · انتهاك مقصد حفظ النفس والعرض: إن حفظ النفس في المنظور الإسلامي يتعدّى منع القتل إلى صون الكرامة الجسدية والنفسية للإنسان. وقد حوّلت الشبكة الضحايا – وغالبيتهن قاصرات – إلى بضاعة متاجرة، فانتهكت حرمة الجسد الذي كرّمه الله. وهذا الاعتداء على العرض اقترن بهدم للنفس، تاركاً آثاراً نفسية كالجروح الغائرة. · انتهاك مقصد حفظ النسل والمجتمع: لم تكن الأفعال شذوذاً فردياً عابراً، بل كانت منظومة مُمنهجة تستهدف إهدار الكرامة وتقويض كيان الأسرة، التي هي لبنة المجتمع الأولى. لقد عملت الآلة على نشر الفوضى الأخلاقية التي تهدم هذا البناء من أساسه. · التواطؤ المؤسسي: عدالة بوجهين: إن ما عُرف بـ "صفقة الاعتذار" عام 2008، التي منعت الملاحقة الفعلية، ليست إخفاقاً إدارياً، بل هي اعتداء صريح على مقصد العدل، الذي هو غاية الشرائع. فحماية ذوي النفوذ على حساب المستضعفين هو عين الظلم الذي جاء الإسلام لمحوه. · التداخل العضوي للانتهاكات: تظهر الفضيحة بوضوح كيف أن الانحراف الخلقي لا ينفصل عن الفساد المالي الذي يموله، وعن التلاعب القانوني الذي يحميه. هذا التداخل هو التجسيد الحي للفساد الشامل الذي يحذّر منه القرآن، حيث تتعاون عناصر الفساد على إهلاك الحرث والنسل معاً. 3. أزمة الحضارة: غياب البوصلة المطلقة تكشف الفضيحة عن علل بنيوية في النموذج الحضاري السائد: · النسبية الأخلاقية وعبادة المنفعة: في غياب مرجعية أخلاقية ثابتة (كالثابتة في مقاصد الشريعة)، تصبح القيم لعبة في أيدي الأقوياء. وهذا ما يفسر كيف يُبرَّر الانحطاط أو يُتغاضى عنه إذا صدر عن "عبقري" أو "نخبة". المقاصد، بجعلها حفظ الكرامة ضرورة مطلقة، تسدّ هذا الباب وتسوّي بين الخلق في الحقوق. · فصل القانون عن الأخلاق: قداسة الشكل وموت الروح: لقد سمح الفصل بين القانون والأخلاق بتحويل النصوص القانونية إلى متاهات شكلية، تُهدر فيها الحقوق تحت سيل من "الحيل القانونية". أما في الرؤية الإسلامية، فالمقاصد هي روح النص التي تحكمه وتوجهه نحو غايته الأخلاقية العليا. · طغيان المادية والفردية: تحوّلت شهوة الفرد ومنفعته إلى معيار أعلى في الفلسفة المادية. وشبكة إبستين هي التعبير المرضي عن مجتمع يقدّس المتعة المطلقة، بغض النظر عن الدمار الذي تخلّفه. تقف الرؤية الإسلامية، التي تنظّم الغرائز في إطار يحفظ الكرامة ويصون المجتمع، نقيضاً لهذه الفوضى المدمرة. · أزمة المساواة: انهيار قاعدة القسط: يؤسس الفكر الإسلامي للعدل على قاعدة راسخة: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ..." (النساء: 135). أما الفضيحة فقد كشفت النقاب عن نظام طبقِي للعدالة، حيث تُطبق القوانين بحزم على العامة، وتذوب كالدخان أمام جبروت المال والنفوذ. الخاتمة: استعادة المعيار الإنساني إن درس إبستين ليس درساً في الإجرام وحسب، بل هو – وبصورة أوضح – درس في أزمة الحضارة. فهو يكشف هشاشة المنظومات التي تهمش الثابت الأخلاقي لصالح النسبية والمصلحة، ويجسد خواء القانون عندما ينفصل عن مقاصده في حفظ الكرامات. وتخرج هذه القراءة باستنتاجين جوهريين: 1. كفاءة المنظور المقاصدي: تثبت أدوات التحليل المستمدة من نظرية المقاصد ومفهوم الفساد الشامل قدرة تشخيصية فائقة، تسمح بفهم الظواهر المعقدة في جذورها، بعيداً عن السرد العاطفي أو السطحي. 2. الكونية والضرورة: إن مقاصد حفظ النفس والعرض والعدل ليست قيماً دينية خاصة، بل هي حقوق إنسانية كونية. انتهاكها في أي مكان هو جريمة ضد الإنسانية كلها. ومن ثمّ، فإن الدعوة إلى إعادة الاعتبار لهذه المقاصد هي في جوهرها دعوة إنسانية جامعة، لتذكّر العالم أن التقدم المادي زيف إذا فقدت البشرية بوصلة أخلاقها. فما حدث في ظلام تلك الجزيرة الخاصة لن يبقى حبيسها، بل هو نموذج لفكرة تنتشر، وعلّة إن تُركت ستُفسد الأرض جميعاً. والصلاح لا يكون إلا باستعادة تلك الحدود الحامية التي وضعها الحكيم الخبير لمصلحة البشر أجمعين. د.محمد سعيد مصطفى أركي مع تحيات كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات الإسلامية Generations and Technology University جامعة أجيال وتكنولوجيا gtuedu.org