كيف تصنع المرأة جنتها

كيف تصنع المرأةُ جنتها؟ لم يكن البيت في هدي النبي صلى الله عليه وسلم مجرد جدرانٍ تأوي الأجساد، بل هو محرابٌ تُقام فيه صلوات المودة، المرأة الصالحة التي بشر بها النبي صلى الله عليه وسلم هي التي تجعل من الكلمة الطيبة بخوراً يملأ أركان البيت سكينة، وتجعل من الابتسامة قبلةً يتجه إليها الزوج والولد كلما ضاقت بهم دروب الحياة، وتبني صرحاً من الود، هي في بيتها كالغيث؛ أينما وقع نفع، وإن لم يقع ترك أثراً من الندى والبلل الجميل. في منطق النبوة، ليست العلاقة بين الزوجين عقداً مدنياً فحسب، بل هي سفرٌ مقدس نحو الجنة. في رحاب الهدي النبوي، تطلُّ علينا صورةٌ مشرقة للمرأة التي لا تعبر الدنيا عبوراً عابراً، بل تترك خلفها أثراً كأريج المسك، ويُبنى لها في الفردوسِ نزلٌ بما قدمت يداها من إحسان. حين يتحدث النبي صلى الله عليه وسلم عن نساء أهل الجنة، فهو لا يصف أجساداً، بل يصف أرواحاً ملائكية تعيش على الأرض بقلوبٍ معلقة بالسماء، هي المرأة التي جعلت من بيتها محراباً للحب، ومن علاقتها بزوجها طريقاً ممهداً نحو الخلود. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا أُخْبِرُكُمْ بنِساؤُكُمْ من أهلِ الجنةِ الوَدُودُ الوَلودُ العؤودُ على زوجِها، التي إذا غَضِبَ جاءتْ حتى تَضَعَ يَدَها في يَدِ زَوْجِها، وتقولُ: لا أَذُوقُ غَمْضًا حتى تَرْضَى) [رواه النسائي]. تبدأ اللوحة بصفتي (الوَدُودُ الوَلودُ)؛ فالودود ليست المحبة فحسب، بل هي التي تتودد وتتحبب، فهي كالزهرة التي لا يتوقف عطرها عن الانتشار، تحيل قسوة الأيام ليونة، وجفاف العيش رياً، هي الشمس التي تمنح الدفء لزوايا البيت، والنسمة التي تداوي جراح الصدر بابتسامةٍ صادقة. أما (الوَلودُ)، فهي الأرض الخصبة التي تهب الحياة، لا تكتفي بمنح الأبناء، بل تغرس فيهم بذور القيم، لتكون كالنخلة المعطاءة التي يمتد خيرها لجيلٍ بعد جيل، تبني أمةً لا مجرد أسرة، وهي في علاقتها بزوجها كالأرض الطيبة؛ تُسقى بالوفاء، فتنبت الوداد، وتثمر ذريةً هي غرسٌ للجنة. ثم تأتي صفة (العؤودُ)، وهي من أبلغ الكلمات عن النفس التوّاقة للرضا، فهي التي تعود بالفضل، وتعود بالاعتذار، وتعود بالوصل، إنها كالغيث الذي يطفئ نيران الخصام، لا تجعل للأنانية والكبر مكاناً في صرح زواجها، هي كالمسافر الذي أضاع طريقه في ليل الخلاف، فما لبث أن عاد لبوصلة الحب قبل أن يبزغ فجر الندم. إنها لا تمشي خلف زوجها تابعة، ولا أمامه متحدية، بل تمشي بجانبه كظله، ويسكن في صدرها كقلبها؛ فإذا هبّت عواصف الحياة، كان بيتها الميناء الهادئ الذي تنكسر عنده كل الأمواج العاتية. يصل الحديث إلى ذروة الجمال الفني والشعوري في قوله: (جاءتْ حتى تَضَعَ يَدَها في يَدِ زَوْجِها) هذا الفعل ليس مجرد حركة جسدية، بل هو ميثاق سلام واستسلامٍ لداعي المودة، إن وضع يدها في يده هو هدمٌ لأسوار العزلة، وتذكيرٌ بأن الروحين لا ينفصلان. وما أجمل الختام، حين تقول: (لا أَذُوقُ غَمْضًا حتى تَرْضَى)؛ فهو تشبيهٌ بليغ لحال المحب الذي يرى في غضب محبوبه أرقاً، وفي رضاه كحلاً للعين، إنها تعتبر الغمض والنوم طعاماً ترفض أن تذوقه ما دام كدر الخاطر يشوب صفو الود، فقد جعلت الرضا كأنه بوابةُ النوم، فلا عبور للأحلام الهادئة إلا بتأشيرة القبول من شريك الحياة. إن هذه المرأة التي وصفها الحديث الشريف ليست منكسرة، بل هي ملكةٌ تربعت على عرش الخلق الرفيع؛ انتصرت على شيطان الغضب بسلاح الحلم، وقهرت كبرياء النفس بفيض الحنان، هي التي تجعل من بيتها قطعةً من الجنة قبل أن تدخلها، وتصيغ من صمتها وكلامها قصيدةً من الوفاء لا يمحوها الزمان. لذا قال صلى الله عليه وسلم: (إذا صلَّتِ المرأةُ خَمْسَها، وصامَت شهرَها، وحصَّنَتْ فرجَها، وأطاعَت زوجَها، قيلَ لها: ادخُلي الجنَّةَ مِن أيِّ أبوابِ الجنَّةِ شِئتِ) [رواه ابن حبان والطبراني في الأوسط]. الدكتور محمد محمود كالو مع تحيات جامعة أجيال وتكنولوجيا Generations and Technology