دروس في القيادة من قرارات النبي ﷺ

دروس في القيادة من قرارات النبي ﷺ مقدمة: في علم القيادة، ثمة مقولة شهيرة: "أعظم القادة هم الذين يفعلون ما يبدو للآخرين غير قابل للفهم، ثم يتضح بعد ذلك أنهم كانوا وحدهم من يفهمون". وهذا بالضبط ما نجده في السيرة النبوية، حيث اتخذ النبي محمد ﷺ قرارات حاسمة بدت في لحظتها مخالفة للمنطق السائد، ومضادة للبديهة العسكرية أو السياسية، ولكنها أثبتت عبر الزمن أنها كانت قرارات غيرت مجرى التاريخ، بتوفيق من الله ثم بحكمته العظيمة. هذا المقال يسعى إلى كشف الستار عن بعض تلك اللحظات الفارقة التي اختار فيها النبي ﷺ طريقاً لم يكن متوقعاً، متحدياً بذلك قوانين الصحراء، وحكمة القبائل، ومنطق القوة، ليؤسس نموذجاً قيادياً فريداً يمكن تسميته "القيادة بالوحي والحكمة". أولاً: التأصيل النظري لمفهوم القيادة بالوحي والحكمة ١. تعريف المفهوم القيادة بالوحي والحكمة هي نمط قيادي يقوم على اتخاذ قرارات تبدو في ظاهرها مخالفة للمنطق السائد، أو للحكمة التقليدية، أو للحسابات الآنية، لكنها تستند إلى وحي من الله أولاً، ثم إلى رؤية ثاقبة واستراتيجية بعيدة المدى. ٢. الفرق بينها وبين القيادة التقليدية · القيادة التقليدية: تبحث عن الحلول المباشرة، وتستجيب للضغوط بردود فعل متوقعة. · القيادة بالوحي والحكمة: تصنع واقعاً جديداً بكسر التوقعات، وتتحول نقاط الضعف إلى قوة، والأعداء إلى حلفاء. ٣. لماذا يحتاج القائد إلى التفكير خارج المألوف لأن المنطق المباشر يؤدي غالباً إلى نتائج متوقعة، بينما التاريخ يصنعه من يوفقهم الله لرؤية ما لا يراه الآخرون. والنبي ﷺ كان سيد هؤلاء. ثانياً: لحظات التجلي - نماذج من القرارات النبوية غير المتوقعة النموذج الأول: صلح الحديبية - الهزيمة التي كانت نصراً مبيناً في العام السادس للهجرة، خرج النبي ﷺ مع ألف وأربعمائة من أصحابه إلى مكة لأداء العمرة، دون سلاح يذكر. وعندما علمت قريش بخبره، خرجت بجيشها لتمنعه. دارت مفاوضات انتهت بصلح الحديبية، الذي تضمن بنوداً بدت في نظر الكثيرين - حتى بعض كبار الصحابة - مجحفة ومذلة: · أن يرجع المسلمون ذلك العام دون أداء العمرة. · أن يردوا من يأتيهم مسلماً دون إذن وليه. · أن لا ترد قريش من يأتيها مسافراً من المسلمين. · هدنة عشر سنوات. لماذا كان القرار غير متوقع؟ المنطق العسكري كان يقتضي: لديك جيش مؤمن، قريش خافت من مواجهتك، أنت الأقوى نفسياً، فلماذا لا تقاتل وتدخل مكة عنوة؟! كيف غيّر هذا الصلح موازين القوى؟ · الاعتراف بالدولة الإسلامية: كانت قريش تتعامل مع المسلمين لأول مرة كند سياسي. · فترة الهدنة: تفرغ المسلمون للدعوة، فدخل الناس في دين الله أفواجاً (دخل في السنتين التاليتين أكثر ممن دخل في ١٩ سنة سابقة). · فتح مكة: بعد عامين فقط، نقضت قريش العهد، فكان الفتح الأعظم الذي مهد لدخول الناس في الإسلام. يقول تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} [الفتح: ١]، لقد كان هذا الصلح فتحاً، رغم أنه بدا هزيمة في نظر السطحيين. النموذج الثاني: فتح مكة - العفو في ساعة التمكين بعد أن دخل النبي ﷺ مكة فاتحاً، وكان بين يديه جيش قوامه عشرة آلاف مقاتل، وقف أمام من آذوه وطردوه وحاربوه سنيناً طويلة، وسألهم: "ما تظنون أني فاعل بكم؟" قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم. فقال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء". لماذا كان القرار غير متوقع؟ المنطق يقول: انتقم ممن آذوك، اقتل رؤوس الفتنة، صادر أموال الذين حاربوك، أذل من أذلوك سنيناً. ما الأثر العميق الذي أحدثه هذا العفو؟ · هذا العفو حول أشد الأعداء إلى دعاة. عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، وغيرهم أصبحوا من كبار قادة الفتح الإسلامي بعد ذلك. · دخل الناس في دين الله بسبب هذه الرحمة، فلم يعد أحد يخشى الإسلام كدين ينتقم من أتباع الديانات السابقين. · أصبحت مكة مركز إشعاع للإسلام بعد أن كانت مركزاً للشرك. النموذج الثالث: غزوة الخندق - الخروج عن التقاليد العسكرية عندما اجتمعت الأحزاب (عشرة آلاف مقاتل) لغزو المدينة، استشار النبي ﷺ أصحابه. فأشار سلمان الفارسي بحفر خندق حول المدينة، وهي فكرة غير معروفة في جزيرة العرب. لماذا كان القرار غير متوقع؟ العرب كانوا يقاتلون بالمبارزات والكر والفر، ولم يعرفوا حروب الخنادق. وكان المنطق يقول: حصنوا أنفسكم في الجبال، أو واجهوهم في معركة مفتوحة كما حدث في أحد. كيف قلب هذا التكتيك الجديد الطاولة على الأحزاب؟ · تحييد التفوق العددي: الخندق جعل جيش الأحزاب عاجزاً عن اقتحام المدينة. · إرهاق العدو نفسياً: فرض حصار طويل لم يعتد عليه العرب. · التمهيد لتفكك التحالف: جاءت ريح شديدة فشتتت جيش الأحزاب، بعد أن أكل الحصار قواهم. النموذج الرابع: الهجرة - اختيار الغار في مواجهة المنطق عندما خرج النبي ﷺ مهاجراً إلى المدينة، والمشركون يطاردونه، لجأ إلى غار ثور، وهو غار في اتجاه غير متوقع (جنوباً، بينما المدينة شمالاً). لماذا كان القرار غير متوقع؟ المنطق يقول: اسلك الطريق الرئيسي، أو اختبئ في مكان قريب من مكة لتعود بعد فتور الطلب. لكن النبي ﷺ اختار الغار في الاتجاه المعاكس. ما الدرس الخالد في هذه المخاطرة المحسوبة؟ · تضليل المشركين: ظنوا أنه توجه شمالاً فاتجهوا هناك، بينما كان في الغار مع صاحبه. · تعليم درس في الثقة بالله: لما قال أبو بكر: لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا. قال: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما". · بناء نموذج للتخطيط مع التوكل: لم يترك النبي ﷺ الأمر للصدفة، بل أعد خطة محكمة مع دليل خبير وطرق غير متوقعة. النموذج الخامس: التعامل مع المنافقين - سياسة الإعراض كان في المدينة منافقون يظهرون الإسلام ويبطنون الكيد، وعلى رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول. وكانوا يسببون المتاعب للمسلمين، ويتخلفون عن الجهاد، ويثبطون الناس. لماذا كان القرار غير متوقع؟ المنطق يقول: اقتل رؤوس النفاق، واستأصل شأفتهم، فهم خطر على الأمة من الداخل. كيف كانت هذه السياسة أكثر فاعلية من القتل؟ · حماية وحدة الأمة: لو قتل النبي ﷺ المنافقين، لقال الناس: محمد يقتل أصحابه. وكانوا من نفس القبائل التي دخلت الإسلام حديثاً. · تحييدهم تدريجياً: بكشف ألاعيبهم وتعريتهم أمام المجتمع، تحولوا إلى أقلية مهمشة. · إعطاء فرصة للتوبة: كثير من هؤلاء تابوا بعد ذلك، مثل عبد الله بن أبي نفسه قبل موته، وغيره. النموذج السادس: تخيير النساء - قمة الاحترام في لحظة القوة بعد أن كثرت زوجات النبي ﷺ، وطلب بعضهن زيادة النفقة، نزلت آية التخيير: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: ٢٨-٢٩]. لماذا كان القرار غير متوقع؟ المنطق يقول: أنت نبي وقائد، يمكنك إجبارهن على ما تريد، أو تهديدهن، أو معاقبة من تتذمر منهن. ما الذي أضافه هذا الموقف للعلاقة الزوجية والقيادة الأسرية؟ · تأصيل مبدأ الكرامة والاختيار: المرأة شريكة حرة، لا قسر في العلاقة الزوجية. · نموذج للقيادة الأسرية: القائد العظيم يبدأ بيته قبل أن يبدأ مجتمعه. · اختيار زوجات النبي لله والرسول: هذا الموقف زاد من مكانتهن وثقتهن بأنفسهن. ثالثاً: تحليل معمق - لماذا نجحت هذه القرارات غير المتوقعة؟ ١. الرؤية المستنيرة بالوحي النبي ﷺ لم يكن ينظر إلى المكسب الآني، بل إلى المستقبل البعيد. كان يرى ما لا يراه الآخرون، لأنه كان يتلقى الوحي من الله أولاً، وكان ينظر بعين الحكمة ثانياً. ٢. فهم طبائع القلوب أدرك النبي ﷺ أن القلوب إذا دخلت بالإكراه خرجت عند أول فرصة، لكنها إذا دخلت بالمحبة والرحمة صمدت أمام أصعب الظروف. ٣. الثقة بالله مع الأخذ بالأسباب لم يكن اتخاذ القرارات غير المتوقعة تواكلاً، بل كان تخطيطاً محكماً يستند إلى ثقة عميقة بأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب. ٤. كسر الجمود الفكري القيادة الناجحة تكسر النماذج الذهنية الجامدة، وتخلق إمكانيات جديدة لم تكن في الحسبان. وهذا ما فعله النبي ﷺ مراراً بتوفيق من الله. رابعاً: دروس مستفادة للقيادة المعاصرة الدرس الأول: لا تكن أسير التوقعات أكبر أخطاء القادة أن يفعلوا ما ينتظره الناس منهم دائماً. القائد العظيم هو الذي يمتلك الجرأة لمخالفة التوقعات عندما تقتضي المصلحة. الدرس الثاني: القوة الحقيقية في العفو في لحظة التمكين، يكون العفو أقوى من الانتقام. التاريخ لا يتذكر المنتقمين، بل يتذكر العافين عن الناس. الدرس الثالث: الصبر استراتيجية لا ضعف بعض الانتصارات تحتاج إلى وقت. صلح الحديبية علمنا أن الصبر على المكاسب الآنية قد يكون مفتاحاً لانتصارات كبرى. الدرس الرابع: توحيد الصفوف أولى من القضاء على الخصوم النبي ﷺ ترك المنافقين لأن قتالهم كان سيشتت الأمة. أحياناً يكون التعايش مع الخصوم الداخليين أهون من استئصالهم وتفكيك المجتمع. الدرس الخامس: الثقة بالله تمنحك الجرأة على المخاطرة المحسوبة المؤمن الحق لا يخاف من المخاطرة عندما يكون على حق، لأن الله معه. خاتمة: حين يصبح اللامنطق هو المنطق الأسمى لقد علمنا النبي محمد ﷺ أن القيادة الحقيقية ليست في اتباع القواعد الجاهزة، بل في صنع قواعد جديدة تناسب الزمان والمكان والمصلحة. علمنا أن الانتصار ليس دائماً في الانتصار العسكري، بل قد يكون في صلح يبدو هزيمة. علمنا أن القوة ليست دائماً في الانتقام، بل قد تكون في العفو. هذه اللحظات التي خالف فيها النبي ﷺ المنطق السائد لم تكن مجرد أحداث عابرة، بل كانت محطات تأسيسية في بناء أمة. وكل من يريد أن يكون قائداً ناجحاً في أي مجال، عليه أن يتأمل هذه النماذج، وأن يتعلم كيف يفكر خارج الصندوق، وكيف يرى ما وراء المرئي، وكيف يثق بأن الله معه إذا كان على الحق. وإذا كان العقل البشري قد اندهش من هذه القرارات، فليس ذلك لأنها كانت مجرد عبقرية بشرية، بل لأنها كانت مستمدة من وحي الله، ومفعمة بحكمة النبوة، ونابعة من قلب رحيم يؤمن بأن الخير والنصر قادمان لا محالة. "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا" [العنكبوت: ٦٩]. الدكتور محمد سعيد مصطفى أركي مع تحيات كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات الإسلامية جامعة أجيال وتكنولوجيا الأمريكية Generations and Technology University gtuedu.org