نداءٌ للعقلِ بين ضِفَّتَيْ الأَثَرِ والتَّزْكِيَة

نداءٌ للعقلِ بين ضِفَّتَيْ الأَثَرِ والتَّزْكِيَة إنّ المتأمل في المشهد الديني المعاصر بين ضفتي "الأثر" و"التزكية" في بلدنا الحبيب يلحظُ شرخاً في بنيان الأمة، تحول فيه الخلاف العلمي الذي كان قديماً سحابة صيف تُمطر وعياً، إلى عواصف عاتية تقتلع أواصر الأخوة الإسلامية. إن الواقع الذي نشهده بين المدرستين السلفية والصوفية ليس مجرد تباينٍ في الفهم، بل هو انحباسٌ حضاري ناتجٌ عن نقض ميثاق الاحترام المتبادل، وغياب بوصلة الأخلاق التي وجّهنا إليها الوحي الإلهي. طعن العقائد: نصلٌ في جسد الواحد حين يطعن كل طرف في عقيدة الآخر، فإنهما يحولان الدين من سفينة نجاة إلى حلبة صراع، فبدلاً من أن يكون العقلاء حراساً على ثغور العقيدة، صار السفهاءُ يرمون بجمرات التبديع والتفسيق وكأنهم يملكون مفاتيح الجنان. لقد صار الحوارُ بينهما خناجر مسمومة تُغمد في صدر وحدة الصف، بدلاً من أن يكون مشكاةً تضيء مآزق الطريق. ومن أعجب التناقضات أن كلا الطرفين يرتدي عباءة المظلومية؛ فالسلفي يرى نفسه غريباً في زمن الفتن، والصوفي يرى نفسه مستهدفاً في موروثه، وكلاهما يتجه إلى مؤسسة الأوقاف لا طلباً للإصلاح، بل ليكون سيفاً مسلطاً على رقبة خصمه. إن استعداء أجهزة الدولة على المخالف يشبه من يحرق بيته ليغيظ جاره، ففي النهاية ينهار السقف فوق رؤوس الجميع، وتفقد المؤسسة الدينية وقارها لتصبح ساحة لتصفية الحسابات الضيقة. إنّ البلية الكبرى تكمن فيمن يتصدّر للمشهد؛ أولئك الذين لم يتضلعوا من أخلاق النبوة، فصار لسانهم مِبردًا يبري عظام الأخوة، إنهم كالأطفال الذين يعبثون بمصباحٍ زيتي وسط حقلٍ من القش؛ لا يدركون أن النار إذا اشتعلت لن تميز بين مذهب ومذهب. نداء إلى عقلاء الفريقين: إن الواجب المحتم على العقلاء اليوم ليس هو الانتصار للمذهب، بل الانتصار للحق بكفّ أيدي السفهاء. إنّ السكوت عن السفيه في كلا الطرفين هو بمثابة الثقب في سفينة المجتمع؛ فإذا لم يؤخذ على يده غرق الجميع. على الحكماء أن يكونوا سدوداً منيعة أمام طوفان الكراهية، وأن يعيدوا بناء جسر الميثاق الذي ستهدمه معاول الجهل. إنّ الإسلام ليس ساحةً لتقاذف التهم، بل هو بستانٌ تتعدد فيه الأزهار وتختلف ألوانها، لكن يسقيها ماءٌ واحد، فهل نعي أن قوة أي طرف لا تكمن في سحق الآخر، بل في موازنته وإكماله؟ وسأقترح ميثاقاً يؤلف بين القلوب ويحفظ للمدرستين هيبتهما في إطار الوحدة الإسلامية: (ميثاق الأخوة الرشيدة بين مدرسة الأثر ومدرسة التزكية) انطلاقاً من قول الحق سبحانه وتعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46]، أضع هذه البنود لتكون طوق نجاة للعقلاء إن شاء الله تعالى. أولاً: صيانة حمى العقيدة 1) الكف عن التكفير والتبديع: يُمنع منعاً باتاً رمي المخالف بـ "خوارج الملة" أو "فساد الاعتقاد" في المسائل التي يسوغ فيها الخلاف، فالعقيدة حصنٌ حصين، لا يجوز استخدامه كمنصة لإطلاق قذائف الإقصاء. 2) التفريق بين الرأي والدين: اعتبار اجتهادات الشيوخ والعلماء اجتهادات بشرية وليست وحياً منزلاً، فلا يُوالى عليها ولا يُعادى. ثانياً: لجام السفهاء (مبدأ الحجر الفكري) 1) كفّ الأذى الإعلامي: يلتزم عقلاء كل طرف بإسكات الأصوات الغوغائية التي تقتات على الفتنة، فالسفيه في أي طرف هو خرقٌ في السفينة، والأخذ على يده واجب شرعي قبل أن يغرق الجميع. 2) التبرؤ من البذاءة: إعلان البراءة من كل أسلوبٍ يفتقر لأدب الإسلام في الحوار، فالدين الذي بُعث متمماً لمكارم الأخلاق لا يُنصر بسلاطة اللسان. ثالثاً: تحييد المؤسسات الرسمية (الأوقاف) 1) الاحتكام للعدل لا للوشاية: التوقف تماماً عن استخدام التقارير إلى الأوقاف إذ يُعَدُّ هذا كخناجر غدر لتصفية الخصوم، فالمسجد وبيت الله تعالى يجب أن يظلا واحة أمن للجميع، لا إقطاعية لطرف دون آخر. 2) إقرار التعددية الإدارية: القبول بأن المؤسسة الدينية هي مظلة جامعة، والعمل فيها يجب أن يقوم على الكفاءة والأمانة، لا على المحاصصة المذهبية. رابعاً: ثقافة المساحات المشتركة 1) البحث عن الكلمة السواء: التركيز على القضايا الكبرى التي تهم الأمة (الإلحاد، التحلل القيمي، الفقر) بدلاً من الانحباس في متاهات الجدل حول مسائل فرعية قُتلت بحثاً منذ ألف عام. 2) التراحم قبل التخاصم: استحضار أن الطرف الآخر هو أخٌ في الدين، وأن ما يجمعنا من كلمة التوحيد وأركان الإسلام والقِبلة والقرآن الكريم أعظم بكثير مما يفرقنا من تفاصيل التأويلات البشرية. إنّ هذا الميثاق ليس استسلاماً من طرف لآخر، بل هو إخاء الأقوياء الذين يدركون أن العدو الحقيقي يتربص بالجميع، وأنّ البناء المصدوع ينهار بأول زلزلة. ولتحويل هذا الميثاق من نص مكتوب إلى واقع ملموس، نحتاج إلى جسور عبور تتجاوز القطيعة النفسية، أقترح آلية عمليّة تتسم بالواقعية والرصانة، بعيداً عن الشعارات الرنانة، وتعتمد هذه الآلية على مبدأ التسلل الهادئ للحكمة داخل الصفوف، من خلال المسارات التالية: 1- مبادرة المنصة المشتركة (فقه القضايا الكبرى) بدلاً من مناقشة مسائل "التوسل" أو "الاستغاثة" أو "الصفات" التي أُشبعت جدلاً، تُعقد ندوات دورية تجمع علماء من الطرفين لمواجهة التيارات العاصفة التي تهدد أصل الدين، مثل: • مواجهة الإلحاد المعاصر: كيف يقدم الطرفان رؤية عقدية وعقلية صلبة للشباب؟ • أخلاقيات الأسرة: وضع ميثاق تربوي مشترك لمواجهة التفكك الأسري. • هنا يصبح الطرفان كتيبة واحدة في خندق الدفاع عن بيضة الإسلام، بدلاً من انشغالهما بالمناوشات الجانبية. 2- ميثاق المنابر (الرقابة الذاتية) بالتنسيق مع وزارة الأوقاف، يتم اعتماد وثيقة "أدب الخلاف" كجزء من تكوين الأئمة: • قاعدة الذهب: نتكلم عما نعتقد، دون التعريض بما يعتقده الآخر. • يُمنع استخدام المنبر لتصفية الحسابات أو إسقاط الرموز التاريخية للطرف الآخر. • المنبر يجب أن يكون مشفىً للأرواح يضمد الجراح، لا منصة إطلاق تزيد القلوب قسوة. 3- لجنة الحكماء لفض الخصومات تشكيل لجنة مصغرة من (ثلاثة أشخاص من كل طرف) من المشهود لهم بالورع والاتزان: • المهمة: التدخل الفوري عند حدوث فتنة في مسجد أو منطقة ما نتيجة تصرف أرعن من أحد السفهاء. • الهدف: وأد الفتنة في مهدها قبل أن تتحول إلى حريق مجتمعي يستدعي تدخل الجهات الأمنية. 4- صياغة معجم لغوي مهذب في الحوار؛ لأن الكلمات هي مفاتيح القلوب، وتغيير المصطلحات الحادة هو بمثابة نزع صواعق التفجير من لغة الحوار 1) استبدال كلمة "مبتدع" والتعويض عنه "مخالف في الاجتهاد". 2) استبدال كلمة "جامي" أو "خارجي" والتعويض عنه "متمسك بظاهر النص". 5- المؤاخاة العلمية (تبادل المراجع) تشجيع الباحثين من كلا الطرفين على دراسة كتب الطرف الآخر بإنصاف: 1) إقامة مسابقات بحثية حول نقاط الاتفاق بين السلفية والصوفية مثلاً. 2) إنّ قراءة كتب الخصم بعين الإنصاف هي نافذة تفتح في جدار الجهل، تتيح للطرفين رؤية المساحات الخضراء المشتركة بينهما. في نهاية المطاف أقول: إنَّ الناظر في مآلات هذا الصراع المفتعل بين "أهل الأثر" و"أرباب التزكية"، يدركُ يقيناً أنَّ الاستمرار في نكث ميثاق الأخوة هو بمثابة انتحارٍ حضاري في زمنٍ لا يرحم الضعفاء، فما كان الخلاف يوماً نقيصةً في جسد الأمة، بل كان رئةً تتنفس بها العقول، حتى حوّله السفهاء إلى خناقٍ يضيق به الصدر، ويحبس أنفاس الوحدة. لقد آن الأوان ليعلم العقلاء من كلا الفريقين أنَّ القوة لا تكمن في كسر جِناح الأخ، بل في التحليق معه بجناحين متوازنين لرفع راية الإسلام فوق قمم التحديات المعاصرة. إنَّ التمسك بالمظلومية الكاذبة، والارتماء في أحضان الوشاية المؤسسية، ليس إلا سراباً يحسبه الظمآن ماءً، حتى إذا جاءه وجده وبالاً وهدماً لمكانة الدين في نفوس العامة. إنَّ الإسلام بستانٌ عظيم، والسلفية والصوفية فيه كنهرين انبثقا من نبع المشكاة النبوية؛ فإذا تعكّر أحدهما أو حاول طمر الآخر، جفَّت ثمار الروح والقيم؛ لذا فإنَّ كفَّ أيدي السفهاء اليوم ليس مجرد خيارٍ دعوي، بل هو سدٌّ منيع يُبنى في وجه طوفان الفتن، فليكن حادينا في هذه المرحلة هو الإنصاف، ورائدنا هو التراحم، ولنعلم أنَّ الحق أبلج، وأنَّ ما يجمعنا من قبلةٍ واحدة أعظم وأبقى مما يفرقنا من تأويلاتٍ بشرية عابرة. أ.د.محمد محمود كالو د. محمد كالو مع تحيات كلية الآداب والعلوم الإنسانية Generations and Technology University جامعة أجيال وتكنولوجيا