السنن النبوية في التمكين.. حين يتحول صلح الحديبية إلى "ترخيص" للتنازلات! قراءة في المنهج النبوي وأزمة التوظيف المعاصر

السنن النبوية في التمكين.. حين يتحول صلح الحديبية إلى "ترخيص" للتنازلات! قراءة في المنهج النبوي وأزمة التوظيف المعاصر مقدمة: إشكالية توظيف السيرة في الخطاب المعاصر في خضم الأزمات المتلاحقة التي تعصف بالأمة الإسلامية، يلجأ خطاب إسلامي معاصر إلى استحضار نموذج صلح الحديبية كمرجعية لتبرير التنازلات السياسية، مسوقاً فكرة أن النبي ﷺ نفسه قد قبل بشروط مجحفة في الظاهر، فلماذا لا يُقتدى بهذا النموذج اليوم؟! هذا التوظيف للسيرة النبوية يثير إشكالاً منهجياً خطيراً، إذ يخلط بين أفعال النبوة المعصومة والاجتهادات البشرية القاصرة، ويسقط حدثاً تاريخياً فريداً في سياقه على واقع مختلف تمام الاختلاف. من هنا تأتي ضرورة هذا الاستقراء العميق لسنن الله في التمكين كما تجلت في سيرة النبي ﷺ، لكشف الفروق الجوهرية التي تغفلها قراءة "الترخيص" هذه. ما نطرحه هنا ليس دعوة للتنازل أو التخاذل، بل هو محاولة لاستجلاء المنهج النبوي في التعامل مع المتغيرات، واستخلاص السنن الكلية التي ينبغي أن تحكم قراءتنا للواقع وتفاعلنا معه. بل أكثر من ذلك، هو محاولة للإجابة عن سؤال مصيري: إن كان التنازل على طريقة الحديبية مرفوضاً في سياقنا الراهن، فما هو البديل؟ وكيف نبني نموذجاً معاصراً للثبات والتمكين؟ أولاً: مصادر القرار النبوي بين الوحي والاجتهاد البشري 1. القرار المعصوم: خصوصية المصدر يشكل مصدر القرار النبوي الفارق الأكثر جذرية بين نموذج الحديبية وأي تسوية سياسية معاصرة. فقرارات النبي ﷺ لم تكن نتاج تقديرات بشرية خالصة، بل كانت تستند إلى مصدرين أساسيين: · الوحي القرآني: حيث كان جبريل عليه السلام ينزل بالآيات المنظمة للأحداث والموجهة للسياسات. · الحكمة النبوية: التي هي "لا تنطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى"، أي أنها تحمل عصمة خاصة في المجال التشريعي والتوجيهي. عندما قبل النبي ﷺ بشروط سهيل بن عمرو في الحديبية، وكانت تلك الشروط قاسية إلى درجة أن كبار الصحابة كعمر بن الخطاب رضي الله عنه اعترضوا واستفهموا، كان النبي ﷺ يستند إلى يقين الوحي بأن ما يفعله هو "فتح مبين" (الفتح: 1). كان يعلم علماً يقينياً ما يخفى على غيره، لأن السماء هي التي كانت تقوده. 2. القرار البشري: افتراض الخطأ والاجتهاد أما التنازلات السياسية التي يشهدها العالم الإسلامي اليوم، فمصدرها تقديرات بشرية خالصة، تخضع لعوامل مؤثرة: · التحليل السياسي: الذي يختلف باختلاف المدارس الفكرية والخلفيات. · الضغوط الخارجية: التي تفرض نفسها على صناع القرار في لحظات الضعف. · المصالح الآنية: التي قد تغلب على الرؤية البعيدة. · الخطأ البشري: وهو لازم للاجتهاد البشري أينما وجد. لا عصمة هنا، ولا يقين، ولا وحي. فقط تقديرات تحتمل الصواب والخطأ، وتتأرجح بين النجاح والفشل. هذه المفارقة الأولى تطرح سؤالاً منهجياً: كيف يُقاس قرار معصوم مصدره السماء على قرارات بشرية مصدرها الأرض؟! ثانياً: البوصلة الحاكمة.. ثوابت العقيدة ومتغيرات السياسة 1. ثبات المقصد في الحركة النبوية تأمل حركة النبي ﷺ في السيرة تجدها محكومة ببوصلة ثابتة لا تحيد: مرضاة الله ونشر دينه. هذه البوصلة كانت حاكمة في كل المواقف: · في مكة زمن الضعف: صبر على الأذى لكنه لم يتنازل عن الدعوة. · في المدينة زمن القوة: قاد المعارك لكنه لم يظلم أو يعتد. · في الحديبية زمن الصلح: قبل بالشروط لكنه لم يمس أصل العقيدة. · في فتح مكة زمن الانتصار: عفا عن الخصوم لكنه لم يفرط في الثوابت. لم يكن ﷺ يساوم على أصل العقيدة أبداً، ولم يفرط في ثابت واحد من ثوابت الدين، حتى تحت أعتى الضغوط. الصلح مع قريش لم يمس توحيد الله، ولم يغير في شعائر الإسلام، ولم يفرط في حق العودة للمسلمين المهاجرين، بل كان مجرد هدنة مؤقتة لها شروطها التفصيلية. 2. ذوبان الثوابت في التنازلات المعاصرة في المقابل، كثير من التنازلات التي تقدم اليوم باسم "الواقعية السياسية" أو "المصلحة العليا" أو "ضرورات المرحلة" تمس الثوابت الإسلامية والعربية بشكل مباشر: · التنازل عن المقدسات باسم السلام. · التفريط في الحقوق التاريخية تحت الضغط الخارجي. · المساومة على الهوية باسم الانفتاح. · تجاوز الثوابت الدينية والأخلاقية باسم التطور. ثم تأتي مرحلة "التأصيل الشرعي" لهذه التنازلات عبر استحضار نماذج من السيرة كصلح الحديبية، وكأن النبي ﷺ كان يتنازل عن ثوابت الدين لا عن شروط مؤقتة! الفرق هنا جوهري: النبي ﷺ كان يحافظ على الجوهر ويلين في المظهر، بينما كثير من التنازلات المعاصرة تمس الجوهر نفسه وتبرر ذلك ببعض المظاهر. ثالثاً: نتائج القرارات.. سنن التمكين وسنن الخذلان 1. سنة التمكين في القرارات النبوية تأمل سنن الله في التمكين من خلال نتائج قرارات النبي ﷺ: · صلح الحديبية لم يكن نهاية المطاف، بل كان مقدمة لفتح مكة ودخول الناس في دين الله أفواجاً. في غضون عامين فقط، تحولت الهدنة إلى نصر ساحق، وتحقق ما بشر به الوحي. · الهجرة إلى المدينة بدت في ظاهرها خروجاً واضطراراً، لكنها كانت تأسيس الدولة الإسلامية الأولى. · غزوة الأحزاب كانت دفاعاً في الظاهر، لكنها كسرت شوكة التحالف الشرير إلى الأبد. القاعدة هنا واضحة: القرارات النبوية، مهما بدت متنازلة في الظاهر، كانت تؤدي دائماً إلى عزة الإسلام والمسلمين وفتح آفاق جديدة للدعوة. هذا هو قانون التمكين الذي لا يتخلف. 2. سنة الخذلان في التنازلات المعاصرة أما التنازلات التي نشهدها في واقعنا المعاصر، فنتائجها غالباً ما تكون معاكسة تماماً: · مزيد من الضعف: حيث تزداد الهيبة انهياراً مع كل تنازل جديد. · هدر الحقوق: التي تذهب أدراج الرياح دون مقابل حقيقي. · تفريط في الثوابت: يصل إلى حد المساومة على المقدسات. · خسارة الأجيال: التي تفقد الثقة في قياداتها وخطابها. النتيجة النهائية: ضعف متزايد، وهوان مضطرد، وخذلان محقق. وهذا هو الفرق بين من يتحرك بالوحي ومن يتحرك بالاجتهاد القاصر. رابعاً: حال الأمة النفسي.. كيف يمرر خطاب التنازل؟ ثمة بعد آخر يتجاهله خطاب "الترخيص" ولا تنتبه له القراءة الحداثية للسيرة، وهو البعد النفسي والاجتماعي. فقبول التنازلات في واقعنا المعاصر ليس مجرد خطأ في الاجتهاد، بل هو نتاج حال نفسية متراكمة تمر بها الأمة. 1. ثقافة الهزيمة وكيف تتشكل كيف تحولت مفاهيم "الواقعية" إلى قيم مقدسة في الخطاب الإسلامي المعاصر؟ الإجابة تكمن في تراكم عقود من الهزائم والإحباطات التي أصابت الأمة، فأنتجت: · فقدان الثقة في الذات: بعد قرون من التخلف والتبعية. · الافتتان بالآخر: حيث تتحول قوته المادية إلى هالة من القداسة والتفوق. · إعادة إنتاج الخطاب الانهزامي: عبر وسائل الإعلام والتعليم، ليصير الهزيمة قدراً لا مفر منه. هذه الحال النفسية تجعل الأمة مستعدة لقبول أي تنازل، بل والبحث له عن مبررات شرعية، لأنها فقدت الثقة في قدرتها على الصمود والثبات. 2. العلاج النبوي لحال الصحابة النفسية هنا نعود إلى سيرة النبي ﷺ لنرى كيف تعامل مع الحال النفسية للصحابة في لحظات الشدة. في صلح الحديبية، وبعد أن اعترض عمر بن الخطاب رضي الله عنه واستفهم قائلاً: "ألسنا على الحق وهم على الباطل؟!"، لم يتركهم النبي ﷺ لحيرتهم، بل قادهم نفسياً لتقبل القرار: · باليقين: طمأنهم بأن الله لن يخذلهم أبداً. · بالقدوة: بدأ هو بنحر هديه وحلق رأسه، ليترجم القرار إلى فعل عملي يرونه بأعينهم. · بالصبر: لم يعنف المعترضين، بل احتوى مشاعرهم بكل حكمة. هذه هي القيادة النفسية التي تفتقدها الأمة اليوم. إن إعادة بناء الثقة تحتاج إلى قادة يمتلكون هذه الحكمة النبوية في التعامل مع مشاعر الأمم. 3. بناء ثقافة التمكين بدل ثقافة الهزيمة المواجهة الحقيقية ليست مع خطاب التنازل فقط، بل مع ثقافة الهزيمة التي تنتجه. وهذا يتطلب: · إصلاح الخطاب الإعلامي والتعليمي: ليتحول من ثقافة التبعية إلى ثقافة الإنتاج والثقة. · استحضار قصص النجاح: وتقديم نماذج مشرقة للصمود والثبات. · ربط الأجيال بتاريخها: قراءة صحيحة تورث العزة، وتعلم دروس الثبات في الشدائد. خامساً: قراءة سننية للسيرة لا قراءة حداثية 1. فخ القراءة الحداثية تعاني قراءاتنا المعاصرة للسيرة النبوية من مشكلة منهجية كبرى هي القراءة الأحداثية، التي تتعامل مع الأحداث النبوية كوقائع منعزلة يمكن استنساخها خارج سياقاتها الزمنية والمكانية. هذه القراءة: · تأخذ صلح الحديبية "نموذجاً" جاهزاً للصلح في كل زمان ومكان. · تتجاهل خصوصية المرحلة والمقدمات والنتائج. · تغفل عن كون النبي ﷺ إماماً معصوماً له خصوصياته. · تهمل السنن الكلية التي تحكم هذه الأحداث. 2. ضرورة القراءة السننية البديل المنهجي هو القراءة السننية التي تتعامل مع السيرة كمصدر للقوانين الكلية والسنن الإلهية الثابتة: · لماذا كان الصلح في الحديبية أداة تمكين؟ · ما الشروط التي جعلت الهدنة مقدمة للنصر؟ · كيف تعامل النبي ﷺ مع المتغيرات دون أن تمس الثوابت؟ · ما العلاقة بين الصبر المؤقت والتمكين الدائم؟ هذه الأسئلة هي التي تقودنا إلى استخلاص السنن لا استنساخ الأحداث. 3. سنن كلية من سيرة النبي ﷺ من خلال القراءة السننية يمكن استخلاص قوانين ثابتة: · سنة التدافع: الصراع بين الحق والباطل سنة ماضية، والمطلوب الثبات لا التراجع. · سنة الابتلاء: التمكين لا يأتي إلا بعد صبر وامتحان. · سنة التدرج: النصر لا يتحقق دفعة واحدة، لكن هذا لا يعني القبول بالهزيمة. · سنة الأخذ بالأسباب: لا يعطى النصر لمن يترك الأسباب ويتواكل. · سنة التمكين: لا يكون إلا للذين آمنوا وكانوا يتقون (النور: 55). سادساً: أزمة القيادة.. غياب النموذج القدوة صلح الحديبية كان قراراً استثنائياً لأنه صدر عن نموذج قيادي استثنائي. في غياب هذا النموذج اليوم، يصبح الحديث عن محاكاة القرار مجرد وهم. هنا تبرز أزمة القيادة في العالم الإسلامي. 1. معايير القيادة النبوية القيادة النبوية تميزت بخصائص لا غنى عنها في أي مشروع نهضوي: · الرؤية البعيدة: القدرة على رؤية ما وراء الأحداث، واستشراف المستقبل. · الحكمة في إدارة الأزمات: التمييز بين ما يمكن التضحية به وما لا يمكن. · القدوة العملية: أن يكون القائد نموذجاً حياً لما يدعو إليه. · الثقة بالله والثقة بالأمة: معاً، دون إفراط أو تفريط. 2. واقع القيادة في العالم الإسلامي أين نحن من هذه المعايير اليوم؟ واقع القيادات الإسلامية يعاني من إشكالات متراكمة: · نخب سياسية وعسكرية: لا تمتلك مشروعاً نهضوياً متكاملاً، بل تدير الأزمات بردود أفعال. · انفصال بين القيادة والقاعدة: حيث يفقد القادة الاتصال بهموم الأمة وتطلعاتها. · غياب آليات إعداد القيادات: فالنخب تتوارث السلطة أو تصل إليها بغير الكفاءة. · التبعية للخارج: تجعل القرار الوطني مرتهناً بإرادات خارجية. 3. كيف نبني القيادات في ضوء السيرة كيف ننتج قيادات تمتلك الحكمة النبوية في إدارة الأزمات؟ السيرة تعطينا مفاتيح أساسية: · التربية قبل التكليف: فقد ربى النبي ﷺ جيلاً كاملاً قبل أن يكلفه بالقيادة. · التدرج في المسؤوليات: البدء بالأعمال الصغيرة ثم التدرج إلى الكبيرة. · تنوع النماذج القيادية: ففي السيرة قائد عسكري، وسياسي، ودبلوماسي، وتربوي. · المشورة والمحاسبة: فالقائد النبوي ليس متسلطاً ولا ضعيفاً، بل يشاور ويلزم بالمشورة. إن بناء القيادات الراشدة هو المشروع الأهم في طريق التمكين. فلا نهضة بلا قادة، ولا قادة بلا تربية وإعداد. سابعاً: المتغيرات الدولية وتأثيرها على سنن التمكين النظام العالمي اليوم يختلف جذرياً عن نظام الأمس. الحديث عن التمكين والثبات يحتاج إلى قراءة واقعية للعالم من حولنا، تكمل القراءة السننية للسيرة. 1. طبيعة النظام الدولي اليوم العالم اليوم لم يعد ثنائياً كما في زمن الحرب الباردة، بل هو عالم: · متعدد الأقطاب: حيث قوى كثيرة تتحرك وتتنافس. · تتحكم فيه العولمة: التي جعلت الحدود مفتوحة، وأضعفت مفهوم السيادة المطلقة. · تهيمن عليه التكنولوجيا: حيث المعركة اليوم إعلامية واقتصادية، لا عسكرية فقط. · تتداخل فيه المصالح: فما يحدث في فلسطين يؤثر في أسواق النفط العالمية، والعكس صحيح. 2. كيف نستثمر المتغيرات الدولية؟ بدل أن نكون ضحايا المتغيرات الدولية، علينا أن نتعلم كيف نستثمرها لصالح قضايانا: · توظيف التعدد: كسر الهيمنة الأحادية التي استمرت عقوداً، والتحرك في مساحات جديدة. · استخدام أدوات العصر: الإعلام الرقمي، المقاطعة الاقتصادية الذكية، الضغط الشعبي عبر وسائل التواصل. · بناء تحالفات: مع قوى صاعدة تشاركنا الهم أو المصالح. · تطوير خطاب عالمي: يترجم قضايانا إلى لغة العدالة والحقوق التي يفهمها العالم. 3. سنن التمكين في ظل النظام الجديد هل لا تزال سنن التمكين تعمل بنفس الطريقة؟ الجواب: نعم، لكن أدواتها تختلف. · سنة التدافع: لا تزال قائمة، لكن ميادينه أصبحت إعلامية واقتصادية قبل أن تكون عسكرية. · سنة الأخذ بالأسباب: تبقى قائمة، لكن الأسباب تغيرت. فمن يمتلك قوة التكنولوجيا والإعلام والاقتصاد، يمتلك النفوذ. · سنة الثبات على المبدأ: لم تتغير، فالثوابت باقية، والمطلوب إيجاد أدوات جديدة لحمايتها. نحن بحاجة إلى فقه جديد يستوعب هذه المتغيرات، ويعيد قراءة السنن النبوية في ضوئها، ليحولها إلى برامج عمل واقعية. ثامناً: استخلاف الأمة.. قراءة معاصرة في ضوء السنن النبوية 1. مسؤولية الاجتهاد في زمن الفتنة إن ما تمر به الأمة اليوم من محن وتحديات يضعها أمام مسؤولية كبرى: استخلاف الأمة في غياب النبوة. هذا الاستخلاف يعني: · فهم السنن الإلهية في التغيير والتمكين. · تطبيق هذه السنن على واقع متغير مع الحفاظ على الثوابت. · التمييز بين ما هو ثابت لا يتغير وما هو متغير يقبل الاجتهاد. · تحمل مسؤولية القرار في غياب الوحي. 2. التمييز بين الأدوات والثوابت ما نحتاجه اليوم هو فقه دقيق يفرق بين: · المرونة في الأدوات: وهي سنة نبوية مطلوبة، حيث تتنوع وسائل الدعوة والعمل تبعاً للظروف والأحوال. · التنازل في الثوابت: وهو وهن بشري مذموم، يمس جوهر الدين وهوية الأمة. النبي ﷺ كان يستخدم أدوات مختلفة: الصلح تارة، والحرب تارة، والعفو تارة، والهجرة تارة، والمقاطعة تارة. لكن كل هذه الأدوات كانت تصب في هدف واحد ثابت لا يتغير: إعلاء كلمة الله ونشر دينه. 3. ضوابط التفريق بين التدرج والتراجع كيف نعرف أننا نسير في طريق التمكين لا في طريق الخذلان؟ هنا تأتي أهمية الضوابط الشرعية: · التدرج المحمود: هو الذي يكون معه ثبات على المبدأ، وتحرك نحو الهدف، مع مراعاة الواقع دون التفريط بالثوابت. مثال ذلك: مراحل الدعوة في مكة، فكل مرحلة كانت تثبت أصول العقيدة وتؤسس للمرحلة التالية. · التراجع المذموم: هو الذي يفرط فيه بثابت من الثوابت، ويقنع الناس بأنه "تدرج" أو "واقعية"، بينما هو في الحقيقة انحدار إلى الهاوية. مثال ذلك: التنازل عن حق العودة أو عن المسجد الأقصى باسم السلام. معيار الفرق: هل هذا القرار سيقودنا بعد سنوات إلى قوة وعزة واسترداد للحقوق، أم سيزيدنا ضعفاً وتبعية؟ هذا هو السؤال المصيري. 4. محاكمة الواقع بمقاصد السيرة الخلاصة المنهجية التي ننتهي إليها هي أن المطلوب اليوم ليس "تطويع" السيرة لتبرير الواقع المأزوم، بل "محاكمة" الواقع بمقاصد السيرة النبوية الشريفة. وهذا يتطلب: · نقداً جريئاً للتنازلات التي تقدم باسم الدين. · وعياً بسنن الله في التمكين والخذلان. · ثقة في وعد الله مهما اشتدت المحن. · صبراً على الأذى مع ثبات على المبدأ. · اجتهاداً في اختيار الأدوات مع حفاظ على الثوابت. خاتمة: إن أمة تمتلك هذا التاريخ المجيد، وهذه السيرة العطرة، وتقرأ كتاب ربها وسنة نبيها، لا يمكن أن تظل أسيرة أوهام "الصلح المجاني" و"التنازل المبارك". التمكين لا يأتي بالتنازل، والعزة لا توهب بالمجان، والنصر لا يتحقق بالانهزام. صلح الحديبية كان حدثاً استثنائياً في سياق استثنائي، بقيادة نبي معصوم يتلقى الوحي، وبأمة واعية مستعدة للتضحية، وبخطة محكمة كانت مقدمة لأعظم انتصار. أما نحن اليوم، فنحتاج أن نقرأ السيرة لنستلهم منها العبر لا التبريرات، والقوة لا الضعف، والثبات لا التراجع. ما نحتاجه اليوم هو مشروع نهضوي متكامل، يقوم على: 1. تصحيح المنهج: في قراءة السيرة وفهم السنن الإلهية. 2. بناء القيادات: التي تمتلك الرؤية والحكمة والقدوة. 3. معالجة الحال النفسية: للأمة واستعادة ثقتها بنفسها. 4. استثمار المتغيرات الدولية: لصالح قضايانا. 5. التمييز الدقيق: بين التدرج المحمود والتراجع المذموم. إنها رحلة طويلة وشاقة، لكنها الرحلة الوحيدة التي تستحق العناء. لأن الأمة التي تؤمن بوعد الله، وتقتدي بسنة نبيها، وتقرأ واقعها بعين البصيرة، لا يمكن إلا أن تكون أمة متمكنة، عزيزة، راسخة. الدكتور محمد سعيد مصطفى أركي أستاذ مشارك في التاريخ والفكر الإسلامي مع تحيات كلية الآداب والعلوم الإنسانية Generations and Technology University https://gtuedu.org/