سياحةُ الأرواح.. بين مِحراِب الصيامِ وميادينِ الكِفاح إنَّ المتأمّل في لطائف التنزيل يلحظُ كيف تتنزل الكلماتُ الإلهيةُ لتُلبس الحقائقَ المعنوية أثواباً من الصور الحسية الفاتنة؛ ومن ذلك ما فاضت به مفردة "السياحة" في محكم الكتاب، حين جرت استعارةً بليغة عن فريضة "الصيام"، فهي ليست مجرد كفٍّ عن المشتهيات، بل هي سفرٌ وانتقالٌ بالروح من ضيق المحسوسات إلى رحابة الملكوت. إنَّ الصيام في حقيقته هو المعراجُ الروحي الذي يقطع به العبد مسافات القرب من ربه، فإذا كانت سياحة الأبدان هي طوافاً في أرجاء الأرض ومناكبها، فإنَّ سياحة الصائم هي طيرانٌ بجناحي الجوع والظمأ في فضاءات التأمل والاعتبار. لقد جعل الله تعالى من الصيام نافذةً يطلُّ من خلالها السائحون بقلوبهم على عجائب صنعه، فبينما يسمو جسد الصائم بترك الطعام، تخفُّ روحه من أثقال المادة، لتغدو كـنسيمٍ يسير في روضات الطاعات، يستنشق عبير القرب ويقتاتُ على مائدة المناجاة. سياحةُ الروح: حين يغدو الصيامُ سَفراً في الملكوت في معجم الإيمان، ليست "السياحة" مجرد قطعٍ للفيافي بـأقدام البدن، بل هي رحلةٌ علوية تنطلق من محطة الجسد لتستقر في حضرة الروح، لقد أودع الله تعالى في كتابه العزيز كلمة "السياحة" في موضعين: 1- في قوله تعالى: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ} [التوية: 112]. 2- وفي قوله تعالى: {مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا} [الحريم: 5]. وذلك ليرسم لنا الباري سبحانه وتعالى صورة السائحين والسائحات، وحين استنطق المفسرون هذا اللفظ، وجدوه يرتدي حُلة الصيام، في استعارةٍ بديعة تجعل من الجوعِ زاداً، ومن الظمأِ مَعِيناً. إنَّ الصائم في حقيقته ليس محبوساً عن الطعام، بل هو طائرٌ فكَّ قيد الطين ليحلق في سماوات التأمل، فإذا كانت السياحة في الأرض هي انتقالاً من مشهدٍ إلى مشهد، فإنَّ الصيام هو انتقالٌ بالبصيرة من ظلمة المادة إلى أنوار الحقيقة. الصائمُ في خلوة صومه يشبه الغواص الذي كفَّ نفسه عن التنفس في السطح، لِيظفر بـلآلئ الحكمة في أعماق السكينة. وعندما استعار القرآن كلمة "السياحة" للصيام، فكأنه يخبرنا أنَّ الصيام هو المطية التي يمتطيها العبد ليطوف في أرجاء الملكوت، فبينما يخلد أهل الدنيا إلى شهواتهم كمن يلتصق بالأرض، يرتفع الصائم بصومه كنجمٍ سائر في فلك الطاعة. الصيامُ هو "جواز السفر" إلى مدائن القرب؛ حيث لا حدود للرؤية، وحين تجوع الجوارح، تشبع الأرواح من مائدة الأسرار الإلهية العظيمة. إنَّ المحافظة على الصيام، وخاصة في شهر رمضان المبارك، هي الرياضة الروحانية التي تصقل مرآة القلب، فكلما جفَّ الريق، صفت الرؤية، وكلما نَحُل الجسد، قويت العزيمة. إنَّ فكر الصائم وهو يتأمل أسرار الله تعالى يشبه النحلة التي لا تقع إلا على أطيب الأزهار، فتجني من زهور الملكوت شهداً من المعرفة لا يذوقه إلا الظامئون إلى القرب من الباري سبحانه وتعالى. إنَّ سياحة الصيام هي الرحلة الوحيدة التي لا تحتاج إلى حقائب، بل تحتاج إلى التخلٍّي عن الشواغل ليتحقق التحلي بالفضائل، فما أجمل أن نكون من هؤلاء السائحين والسائحات الذين طابت نفوسهم عن الدنيا، فساروا بقلوبهم نحو بارئها، طوافين في ملكوت الله سبحانه، مستظلين بظلال رحمته، حتى يبلغوا مرافئ القبول. وإنْ كانَ المفسرونَ قد وجدوا في "الصيام" مَعنىً خفياً للسياحةِ لِما فيه من طوافِ الفكرِ في الملكوت، فإنَّ السُّنة النبوية قد مَنحتْ هذا اللفظَ مَعنى آخر من القوةِ والجلال؛ حين قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (إنَّ سياحةَ أمَّتي الجِهادُ في سبيلِ اللَّهِ تعالى) [رواه أبو داود]. وهنا يلتقي مَعنى السياحة في مِشكاةٍ واحدة، وإنْ اختلفتْ المسالك: • سياحةُ الصيام (الجهادُ الأكبر): هي سياحةٌ نحو "الداخل"، حيث يَسيرُ العبدُ بقلبهِ ليفتحَ حصون نفسه، ويُطهرَ مدائن روحه من الهوى، إنها سياحةُ الصبرِ الساكن، كالبحرِ الهادئ الذي يَحملُ في أعماقهِ اللآلئ. • سياحةُ الجهاد (ذروة السنام): هي سياحةٌ نحو "الخارج"، حيث يَسيرُ المؤمنُ ببدنهِ ليحميَ حياضَ الدين ويَنشرَ نورَ العدل، إنها سياحةُ البذلِ والعطاء، كالغيثِ المندفع الذي لا يذرُ أرضاً قاحلةً إلا أحياها، وهي سياحةِ البدن والروح معاً. لقد أخرجَ الإسلامُ "السياحة" من مَعناها الضيق (التنزه والترف) إلى مَعنى الارتقاء؛ فالسائحُ الصائمُ يسيحُ بفكرهِ في ملكوت الله سبحانه، والسائحُ المجاهدُ يسيحُ بدمهِ وروحهِ في مرضاة الله تعالى. والسائحان كلاهما: الصائم والمجاهد قد اشتركا في صفةِ الهجرة؛ هذا هجرَ طعامهُ وشهوته وشهوته، وذاك هجرَ دارهُ وأهله وراحته، وكأنَّ السياحةَ في الإسلامِ هي دائماً فرارٌ من الضيقِ إلى السعةِ. إنهما كنهرين انبثقا من نبعِ الإخلاص؛ أحدهما ينسابُ هدوءاً في محاريب الذكر (الصيام)، والآخر يتدفقُ عزةً في ميادين الثبات (الجهاد)، وكلا النهرين يصبُّ في بحرِ الرضوان. وفي الختام: الصيام ليس تهذيباً لملذات الجسد فقط، بل هو إيجادٌ لمواهب الروح، واستردادٌ لسيادة العقل على مملكته، فبينما يرى العوام في الصوم حِرماناً، يراه السائحون بقلوبهم غنيمةً باردة، ورحلةً استكشافية في أعماق النفس البشرية لربطها بخالقها عبر حبل الوريد الإيماني. لقد ذكر القرآن كلمة السياحة في الأرض لتعبر عن الصيام، لأنَّ كلا الرحلتين تهدفان إلى الاعتبار؛ غير أنَّ سياحة الصائم هي الأبقى أثراً والأسمى مآلاً، فهي سياحةٌ في الذات تنتهي بالاستغراق في صفات الباري سبحانه، وهي رياضةٌ روحية تفرغ القلب من الأغيار لتملأه بالأنوار، بينما جاء البيان النبوي ليمنح السياحة بُعداً أعمق لفتح القلوب والبلاد. إنَّ الصائم الذي يطوف بفكره في ملكوت الله تعالى كمن يرقبُ بزوغ الفجر وسط سكون الليل؛ تنجلي له الحقائق وتنكشف له الأسرار كلما ازداد إمساكاً عن شهواته، ليغدو صومه مرفأ أمان ترسو عليه سفينة حياته، محمّلةً بأطايبِ الرضا ونسائمِ القبول، فما أعظمها من سياحةٍ تبدأ بالنية، وتمر بالصبر، وتنتهي بملاقاة الباري بقلبٍ سليم. البروفسور محمد محمود كالو د. محمد كالو مع تحيات كلية الآداب والعلوم الإنسانية Generations and Technology University