الخلاف الفقهي .كيف تحول من ثراء علمي إلى بؤرة فرقة ؟

الخلاف الفقهي.. كيف تحول من ثراء علمي إلى بؤرة فرقة؟ تمهيد: أزمة لا تزال قائمة منذ أكثر من نصف قرن، سجل العلامة التونسي محمد الطاهر بن عاشور (1879-1973) ملاحظة نافذة لا تزال الأمة الإسلامية تعيشها حتى اليوم، حيث قال: "ولو قُصر الخلاف على ما بين العلماء لكان أمر التفريق يسيرا، ولكن حَفَّ به من الحميّة والتعصب ما بعث كل طائفة على الانتصار بجماعة من العامة يلقنونهم سطحيا فساد مذاهب المخالفين، فتتخيلها العامة إلحـادا في الدين، فانشقت الأمة تفاريق العصا ... والخلاف بين العقلاء نادر لو راموا التقارب". هذا النص يحمل تشخيصاً دقيقاً لمرض عضال أصاب الفكر الإسلامي: تحول الخلاف الفقهي الطبيعي إلى قطيعة طائفية. فكيف حدث هذا التحول؟ وما سبل الخروج منه؟ أولاً: الخلاف في أصله رحمة وليس نقمة لم يكن الخلاف بين العلماء في تاريخ الأمة الإسلامية ظاهرة طارئة أو مرضية، بل كان نتيجة طبيعية لاختلاف المدارك وتعدد القراءات وتباين الأدلة. لقد نشأت المذاهب الفقهية كاجتهادات بشرية لفهم النص الشرعي، ولم توجد ليعتنقها الناس ويتعصبوا لها، وإنما هي آراء لأصحابها قابلة للخطأ والصواب. ويكشف تاريخ الأئمة عن صورة مغايرة تماماً لما آل إليه الأمر فيما بعد. فهذا الإمام الشافعي رحمه الله يعلنها صريحة: "إذا صح الحديث فهو مذهبي". وهذا أبو يوسف ومحمد بن الحسن، أتباع أبي حنيفة، خالفاه في مسائل لا تُحصى لما تبين لهما من السنة. لم يدعُ أحد من أئمة الدين الناس إلى تبني أقواله وتقديمها على أقوال غيره، ولهذا أكد ابن عاشور أن الخلاف الأصلي "يسير" ويمكن تجاوزه "لو راموا التقارب". ثانياً: آفة التعصب ومتى بدأت يؤكد الباحثون أن التحول الخطير بدأ في أواخر القرن الثالث الهجري وبداية القرن الرابع، حيث انتشر التمذهب الفقهي بين الناس وصاحبه التعصب المذهبي بشكل واسع. لم يعرف جيل الصحابة والتابعين ولا حتى جيل الأئمة الأربعة الكبار هذا التعصب المذموم. ويحدد ابن عاشور آليتين رئيسيتين لهذا التحول المدمر، حين قال إن الذي حف بالخلاف وجعله خطيراً هو "الحميّة والتعصب" التي بعثت "كل طائفة على الانتصار بجماعة من العامة يلقنونهم سطحيا فساد مذاهب المخالفين". وهذه هي الآفة الكبرى: إخراج الخلاف من دائرة النخبة المختصة إلى دائرة الشارع العام، حيث العاطفة تغلب العقل. والنتيجة المباشرة لهذا التلقين السطحي أن العامة كما يقول ابن عاشور "تتخيلها إلحاداً في الدين". وهذه هي الكارثة الحقيقية: تحويل الخلاف في المسائل الفرعية الاجتهادية إلى خلاف في أصول الإيمان، حتى ينتهي الأمر كما وصف ابن عاشور: "فانشقت الأمة تفاريق العصا". ولم يكن هذا التحول نظرياً فقط، بل تجاوز إلى سفك الدماء واضطهاد المخالفين. ففي التاريخ نماذج كثيرة من تعصب الحكام لمذاهب معينة، واضطهادهم للمخالفين، كما حدث في محنة خلق القرآن، وكما حدث من تناحر بين الحنابلة والأشاعرة في عصور مختلفة. وعلى المستوى الاجتماعي، يصف صديق حسن خان حالاً صار فيه الأخ يعادي أخاه، والوالد يفارق ولده، بسبب خلاف في مسائل فقهية فرعية كرفع اليدين في الصلاة. ثالثاً: الأدلة الشرعية في ذم الفرقة حفل القرآن الكريم بآيات كثيرة تحذر من الفرقة، منها قوله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 105]. وقال الإمام مالك عن هذه الآية: "ما آية من كتاب الله أشد على أهل الاختلاف من أهل الأهواء من هذه الآية". وفي السنة النبوية، قال صلى الله عليه وسلم: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة"، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: "من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي". كما قال عليه الصلاة والسلام: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "من تعصب لواحد بعينه من الأئمة دون الباقين، فهو بمنزلة من تعصب لواحد بعينه من الصحابة دون الباقين، فهذه طرق أهل البدع والأهواء الذين ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أنهم مذمومون". رابعاً: كيف نعود إلى جادة الصواب 1. استحضار مقاصد الشرع: فالنظر إلى المقاصد الكلية للشريعة يشكل أرضية واسعة يمكن أن يلتقي عليها المختلفون، بدلاً من الجمود عند الجزئيات التي تفرقهم. ومقاصد الشريعة كحفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال هي ثوابت متفق عليها. 2. التفريق بين الثابت والمتغير: الواجب على المسلم اتباع ما جاء في القرآن والسنة، ولا يجب عليه التمذهب بمذهب فقهي معين. المذاهب هي مدارس لفهم الكتاب والسنة فقط، وأئمتها اجتهدوا للوصول إلى الأحكام التي يرونها أقرب إلى الصواب، وهم معذورون في اجتهادهم. 3. إحياء آداب الخلاف: علينا أن نستلهم هدي السلف في اختلافهم القائم على التسامح وتماسك العذر للمخالف وعدم التشنيع عليه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً". فكيف بمن كان على غير حق؟ 4. دور العلماء والدعاة: يقع على عاتقهم مسؤولية كبرى في تصحيح المفاهيم، ونشر ثقافة التسامح، ومواجهة خطاب التعصب والكراهية. وهم مطالبون بعدم جر العامة إلى صراعاتهم الفكرية، وحماية وحدة الأمة من التمزق. خاتمة: الصبح قريب يختم ابن عاشور نصه بهذه الآية القرآنية المبشرة: {أليس الصبح بقريب}. إنها دعوة إلى التفاؤل والأمل، وإعلان أن حالة الفرقة والشتات ليست قدراً محتوماً، وأن فجر الوحدة قادم لا محالة، إذا توفرت الإرادة الصادقة والعقول المنفتحة والقلوب المتسامحة. فالخلاف بين العقلاء نادر لو راموا التقارب، وما نحن اليوم بأمسّ حاجة إلى هذا التقارب منه في زمن تكالبت فيه علينا الأعداء، واشتدت فيه التحديات، وصرنا في مرمى نيران الفتن من كل حدب وصوب. {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا}. د.محمد سعيد مصطفى أركي مع تحيات قسم التاريخ والفكر الإسلامي Generations and Technology University gtuedu.org