فقه الائتلاف عند الاختلاف إنَّ العلماء الصادقين شجرٌ شقَّت جذورُه أرضَ الوحي الواحدة، فاستقت من نبعٍ صافٍ، وإن تفرعت أغصانها في فضاءات الاجتهاد؛ فليس يضير الشجرة أن تميل أغصانها يميناً أو شمالاً ما دام الأصلُ ثابتاً في الثرى، والخطر لا يكمن في عواصف الاختلاف التي تحرك الأغصان، بل في فؤوس القطيعة التي تجتثُّ جذورَ المودة من القلوب. لقد علمنا الرعيل الأول أنَّ الاختلاف في "الفروع" لا ينبغي أن يهدم "الأصول" النفسية للأخوة، فكانوا يختلفون اختلاف "تنوعٍ" لا اختلاف "تضاد"، تماماً كما تختلف نبرات الأصوات في الترتيل والتلاوة لكنها تجتمع على تعظيم الآية. تأمل تلك القمة الباذخة في الأدب، حين قال الإمام أحمد بن حنبل في حق إسحاق بن راهويه: "لم يعبر الجسر إلى خراسان مثل إسحاق، وإن كان يخالفنا في أشياء، فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضاً". يا لله! ما أجمل هذا الإنصاف! لقد جعل الإمام أحمد من "الجسر" رمزاً ليس للعبور الجغرافي فحسب، بل للعبور الأخلاقي فوق لُجج الخلاف، وعبارته: "يخالفنا في أشياء" لم تكن غشاوةً تحجبُ رؤيةَ "الفضل"، ولم تكن مبرراً لقطع خيوط الودّ التي نسجها الإيمان، لقد أدرك الإمام أنَّ حبل الودّ أثمنُ من أن يقطعه اجتهادٌ في مسألة، أو تأويلٌ في فرع. إنَّ أدب الأخوة هو الخيط الحريري الذي يربط حبات السُّبحة؛ فإذا انقطع الخيط تفرقت الحبات وتناثرت هيبة الأمة، إذ الاختلاف حين يتجرد من الأدب يتحول إلى نارٍ تأكل الأخضر واليابس، أما حين يتلفع بِبُرْدة الأخوة فإنه يصبح لقاحاً يحيي العقول ويُنضج الأفكار. ليس العيبُ أن تختلف وجهاتُ نظرنا، فالسحابُ يختلفُ في أشكاله ولكنه يهطلُ بمطرٍ واحد، إنما العيبُ كل العيب أن تتحول المحبرة إلى خنجر، وأن يغدو البحث عن الحق سبيلاً لهجر الخلق، فلنحيِ في نفوسنا أدب أحمد بن حنبل، ولنجعل من الودّ جسراً لا تهدمه رياحُ الاجتهاد، فالدِّينُ الذي وسع القلوب بالحبّ، أجدرُ أن يسع العقول بالاختلاف. وما أجمل قول يونس الصدفي: ما رأيتُ أعقلَ من الشافعيِّ، ناظرتُه يومًا في مسألةٍ، ثم افترقنا، ولقيني فأخذ بيدي، ثم قال: يا أبا موسى، ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتفق في مسألة!). يا لروعة هذا المشهد الذي نقله لنا يونس الصدفي! إنه ليس مجرد لقاء عابر، بل هو دستورٌ أخلاقي صاغه الإمام الشافعي بمداد القلوب قبل المحابر. تأمل في قوله: "فأخذ بيدي"؛ إنها حركةٌ رمزية تعلن أنَّ حرارة المصافحة أقوى من برودة الاختلاف، وأنَّ تلامس الأكفّ يمحو أثر تضارب الآراء. لقد أراد الشافعي أن يقول: إنَّ المسألة العلمية التي اختلفا فيها هي سحابة صيف عابرة، أما الأخوة الإيمانية فهي الأرض التي يقفان عليها، والثبات للأرض لا للسحاب. ألا يستقيم أن نكون إخواناً؟ هذا التساؤل الاستنكاري من الشافعي هو بلسمٌ لجراح التعصب؛ وكأنه يرسم دائرةً كبرى تتسع للجميع، وفي داخلها دوائر صغرى للاجتهاد. إنَّ الاستقامة عند الشافعي لا تعني التطابق التام، بل تعني التعايش والوئام، فكما أنَّ أعضاء الجسد الواحد تختلف في وظائفها وأشكالها لكنها تستقيم في جسدٍ واحد، كذلك العقول؛ تختلف في مداركها وتجتمع في أخوتها. لقد أدرك الشافعي أنَّ العقل قد يضل أو يخطئ في الفهم، لكنَّ القلب لا يخطئ في الحب. لذا كان ميزان العقل عنده هو القدرة على استيعاب المخالف، فمن ضاق قلبه بمخالفه فقد ضاق عقله عن إدراك سعة الشريعة الغراء، و إنَّ المسألة التي اختلفا فيها هي جزءٌ من الحقيقة، لكنَّ الأخوة هي الحقيقةُ كلُّها. ونستفيد من هذه الواقعة أن نقد القول لا يعني جرح القائل، ومخالفة الرأي لا تعني معاداة صاحب الرأي، والإمام الشافعي هو من أخذ بيد الصدفي، ليعلمنا أنَّ الكبير هو من يبادر بمد جسور الودّ بعد حدة المناظرة، ووصفُ الصدفي للإمام الشافعي بأنه الأعقل لم يكن لبراعته في الحجة فحسب، بل لقدرته على ضبط انفعالاته وحفظ حبل الود. إن الاختلاف هو رياح تحرك العقول وتجدد الأفكار، أما القطيعة فهي عاصفة تقتلع الجذور، وقد اختلف الصحابة والتابعون في أعقد المسائل، لكنهم ظلوا جسداً واحداً، لأنهم أدركوا أن: "الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية". إنَّ إحياء فقه الائتلاف في واقعنا المعاصر هو ضرورة أخلاقية وحضارية؛ فالمجتمعات لا ترتقي بالتشابه المتطابق، بل بالتنوع المتناغم، فليكن شعارنا دوماً: "نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه". اللهمَّ يا مؤلف القلوب، ويا جامع الشتات، ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، ارزقنا قلوباً لا تعرف الغلّ، ونفوساً تتسع للاختلاف، وعقولاً تدرك أنَّ الحق أكبر من أن يحصره رأيٌ واحد، اللهمَّ انتزع من صدورنا سخيمة الحقد، وأبدلها ببرد العفو، واجعلنا جسوراً للوصال لا معاول للقطيعة، اللهم كما ألفت بين المهاجرين والأنصار، ألف بين قلوب عبادك في هذا الزمان، واجعلنا "إخواناً على سرر متقابلين" في الدنيا قبل الآخرة يا أرحم الراحمين. الأستاذ الدكتور محمد محمود كالو د. محمد كالو مع تحيات قسم الدراسات الإسلامية Generations and Technology University gtuedu.org