قراءة تحليلية في فكر الدكتور عداب الحمش

قراءة تحليلية في فكر الدكتور عداب محمود الحمش من خلال مقاله "في سبيل العلم: صورة من الإتباع اللغوي" تمهيد: يمثل الدكتور عداب محمود الحمش نموذجاً للكاتب الموسوعي الذي يجمع بين الأصالة والحداثة، بين العمق العلمي والرغبة في التواصل مع الجمهور. في مقاله "في سبيل العلم: صورة من الإتباع اللغوي"، لا يقدم الكاتب مجرد درس لغوي محض، بل يرسم ملامح مشروع ثقافي متكامل، ويعكس رؤيته للغة العربية بوصفها هوية ورسالة. هذه القراءة التحليلية تسعى إلى تفكيك نصوص المقال واستنطاق أفكار الكاتب الكامنة وراء السطور. أولاً: الوعي بالأزمة واقتراح الحلول (البعد الإصلاحي) يبدأ الدكتور الحمش مقاله باعتراف ضمني بأزمة حقيقية يعيشها الواقع الثقافي العربي، خاصة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث "المستوى الثقافي اللغوي لشعب الفيسبوك متواضع كثيراً". هذا الإدراك المبكر للمشكلة يدل على وعي الكاتب بواقع مجتمعه، وعدم انعزاله في برجه العاجي. لكن وعيه هذا ليس وعياً سلبياً متذمراً، بل هو وعي إصلاحي عملي. فهو لا يكتفي بالتشخيص، بل ينتقل مباشرة إلى تقديم الحلول، وإن كانت على سبيل الاقتراح الطموح. خطته الإصلاحية للتعليم في سوريا (جعل "متن اللغة" مادة مستقلة، وتدريس كتب بعينها في مراحل محددة) تكشف عن جانب مهم من فكره: 1. الإيمان بالمنهجية والتدرج: يدرك الكاتب أن بناء الملكة اللغوية السليمة يحتاج إلى بناء تراكمي، يبدأ بكتاب "الألفاظ" في المرحلة الإعدادية، ويتوج بـ "مختار الصحاح" في المرحلة الثانوية. 2. الاعتماد على التراث كأساس: اختياره لكتب يعود بعضها إلى القرن الثالث والرابع الهجري ليس مجرد نزعة تقليدية، بل هو اقتناع راسخ بأن في جواهر التراث ما يصلح لأن يكون نواة لمنهج تعليمي معاصر، لأنها تؤسس "للغة الأم" وللعقلية اللغوية السليمة. ثانياً: مشروع إحياء اللغة من خلال "الكنوز المفقودة" (البعد المعرفي) يتجلى اهتمام الدكتور الحمش المعرفي في إشارته الدائمة إلى كتب ومؤلفين لا يزالون، للأسف، بعيدين عن متناول القارئ العادي وحتى المتخصص أحياناً. حديثه عن ابن السكيت، والهمذاني، وأبي الطيب اللغوي، والقالي، وابن فارس، والسيوطي، ليس استعراضاً أكاديمياً، بل هو دعوة صريحة لاكتشاف كنوز اللغة المنسية. تركيزه على كتب "الإتباع" على وجه الخصوص، وكشفه عن وجود كتابين لأبي الطيب اللغوي والقالي سبقا كتاب ابن فارس الشهير، يكشف عن منهجية الباحث المحقق الذي لا يكتفي بالمشهور، بل يغوص في بطون المخطوطات والمصادر ليقدم للقارئ صورة أشمل وأدق للمسألة اللغوية. إنه يريد أن يقول: إن تراثنا اللغوي أغنى وأعمق مما نظن، وفيه من الدقة والتنظير ما يستحق الإحياء والدراسة. ثالثاً: البساطة في طرح العمق (البعد التربوي والتواصلي) أبرز ما يميز أسلوب الدكتور الحمش في هذا المقال هو قدرته الفائقة على تبسيط القضايا اللغوية المعقدة. هو يكتب "بما يسمى في أيامنا هذه اللغة العامية الفصحى" (وهي مفارقة لفظية جميلة تحمل في طياتها مشروعه التواصلي). إنه يريد النزول إلى مستوى القارئ، لا ليتماهى مع مستواه المتواضع، بل ليصعد به إلى آفاق الفصاحة والبيان. مقدرته على شرح "الإتباع" في أسطر قليلة، وضربه بالأمثلة الواضحة (حسن بسن، خضرة مضرة، عُجَري وبُجَري)، وتفريقه بين الإتباع والتوكيد بكلام أبي الطيب اللغوي، ثم تطبيقه على المسألة المطروحة (أجمعين أكتعين أبصعين) كلها دلائل على منهجه التربوي القائم على: · التدرج: من السهل إلى الصعب، من المثال إلى القاعدة. · الربط: بين التنظير القديم والتطبيق المعاصر. · الوضوح: مع الدقة العلمية المتناهية. رابعاً: الهمّ الحضاري والانتماء للأمة (البعد الوجداني) لا يمكن فهم مقال الدكتور الحمش بمعزل عن الإطار الوجداني الذي يبدأ به وينتهي إليه. افتتاحه بالآية القرآنية "وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيّاً..." ليس تقليدياً، بل هو تأسيس لمعركة الدفاع عن العربية، فهي لغة القرآن، والطعن فيها طعن في قدسية الرسالة ذاتها. دعوته على "أعداء العربية" بالعمى والضلال تكشف عن غيرته على اللغة بوصفها وعاء الحضارة والدين. كما أن حسرته على من لم يقرأ هذه الكتب، ووصفه اللغة العربية بأنها "مجمع الفضائل والمكارم"، وحتى تعبيره عن فشله في حفظ الموازين الصرفية بعبارة "تفلّتت حتى كأنني ما حفظتها يوماً!"، كلها تكشف عن إنسان يعيش اللغة، ويتفاعل معها بوجدانه قبل عقله. اللغة عنده ليست مادة للدرس، بل هي كائن حي، وأم، ووطن. خامساً: المنهجية العلمية والصدق مع القارئ (البعد الأخلاقي) يتسم فكر الدكتور الحمش بالأمانة العلمية والدقة المتناهية. تجده يعزو الأقوال إلى أصحابها، ويذكر أرقام الصفحات، وينبه إلى أن عبارة "عليه السلام" من أصل الكتاب وليست من عنده . هذا الالتزام الأخلاقي يرسخ الثقة بينه وبين قارئه، ويجعل مقاله مرجعاً مصغراً يمكن العودة إليه. كما أن تتبعه الدقيق لجذور المسألة المطروحة (جملة "أجمعين أكتعين أبصعين") في كتب الإتباع ثم في القاموس المحيط، وتفصيله لأوجه الاستعمال فيها، يعكس منهج الباحث المحقق الذي لا يترك شاردة ولا واردة إلا وأتى عليها، ليصل في النهاية إلى حكم دقيق وواضح. خاتمة: الدكتور عداب محمود الحمش في هذا المقال ليس مجرد ناقل للمعلومة اللغوية، بل هو صاحب مشروع ثقافي متكامل. مشروعه يقوم على استنطاق التراث، وتوظيفه في بناء وعي لغوي أصيل، مع خطاب عصري مبسط، وهمّ إصلاحي واضح، وروح إنسانية عاشقة للغة القرآن. إنه نموذج للعالم الرباني الذي يرى في العلم عبادة، وفي تبليغه رسالة، وفي اللغة العربية قضية وجود وهوية. مقاله هذا "في سبيل العلم" هو بالفعل صورة مصغرة لفكره الكبير. مع تحيات قسم الدراسات الإسلامية ......................................................................... مقال فضيلة الدكتور عداب محمود الحمش : في سبيل العلم: صورةٌ من «الإتباعِ» اللغويّ!؟ بسم الله الرحمن الرحيم (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيّاً؛ لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ، أَآعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ؟ قُلْ: هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا؛ هُدًى وَشِفَاءٌ، وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ؛ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ، وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى) زاد اللهُ أعداءَ العربيةِ عمىً وضلالاً وجهلاً. أمّا بعد: أحاول جُهدي أنْ أكتبَ بما يسمّى في أيّامنا هذه «اللغة العاميّة الفصحى» لعلمي أنّ المستوى الثقافي اللغويّ لشعب «الفيسبوك» متواضع كثيراً، وما أكثر ما يتساءلُ بعضهم عن المسلّمات والبدهيّات «وشرح البدهيّات من أصعب الصعوبات»! والمثقّفُ المسلمُ، إذا بلغ العشرين من عمره، ولم يكن قرأ كتاب «الألفاظ» ليعقوب بن إسحاق، المعروف بابن السكّيت (ت: 244 هـ) وكتاب «الألفاظ الكتابية» لعبدالرحمن بن عيسى الهمذانيّ (ت: بين (320 - 327 هـ) ومختار الصحاح لمحمّد بن أبي بكرٍ الرازي (ت: 666) فليست اللغة العربيّة له بأبٍ ولا أمّ! ولو كان لي من أمرِ التعليم في سوريّا شيءٌ؛ لجعلتُ «متن اللغةِ» مادّةً عربية برأسِها، وقرّرتُ الكتابَين الأوّلين على طلّاب المرحلة الإعداديّة، وكتابَ «مختار الصحاح» على المرحلة الثانويّة، حتى يلتحق الطالب بالجامعةِ، وهو عربيّ اللسان حقّاً، والعربيّة «مجمع الفضائل والمكارم»! وكتاب «مختار الصحاح» كتابٌ متينٌ دقيقٌ محكَم، ليس فيه إسهابٌ ولا إطنابٌ، بل فيه تكثيفٌ للمادّةِ العلميّة كبير، لذا يحتاج إلى حُبٍّ وصَبرٍ، بعد توفيق الله تعالى وتيسيره. ومقدّمتُه التي ضمّنها الموازين الصرفيّةَ العشرين، على وجازتها؛ تحتاجُ أن يحفظها طالب العلم العربيّ، عن ظهر قلبٍ. وقد جهِدت بِحفظها، فتفلّتَت، حتى كأنني ما حفظتها يوماً! ولدى العرب أسلوبٌ من أساليب البيانِ، يُدعى أسلوب «الإتباع» وسمّاه أحمد بن فارسٍ اللغويّ الشهير (ت: 395) «الإتباع والمزاوجة» وكلام السيوطيّ في المزهر (1: 324) يشير إلى أنّ ابن فارسٍ؛ هو أوّلُ من أفردَ كتاباً للإتباع، إذْ قال: «وقد ألّف ابنُ فارسٍ تأليفاً مُستقلّاً في هذا النوعِ، وقد رأيتُه مرتَّباً على حروفِ المُعْجَم، وفاتَه أكثرُ مما ذكرَه، وقد اختصرتُ تأليفَه، وزدتُ عليه ما فاتَه، في تأليف لطيفٍ، سمّيتُه «الإلماع في الاتباع» وكتابا ابن فارسٍ والسيوطيّ مطبوعان متداولان. بيد أنّ ثمّة كتابين آخرين عن «الإتباع» كُتبا قبل كتابِ ابن فارس، ربما بخمسين سنة: الأوّل: لعبد الواحد بن علي الحلبي، أبي الطيب اللغوي (المتوفى: 351هـ) ويقع في (112) صفحة، مرتّبا على حروف الهجاء، وهو نفيسٌ للغاية. والثاني لأبي علي القالي، إسماعيل بن القاسم بن عيذون (المتوفى: 356هـ) ويقع في (16) صفحة مفيدة جدّاً. وما كتبه السيوطيّ عن «الإتباع» في كتابه البديع «المُزهِر» يُعطيك خلاصةً مفيدةً، عن هذا الأسلوب العربيّ الأصيل. وخلاصة أسلوب الإتباعِ العربيّ بكلماتٍ: أنّ الكلمة التابعةَ، لا تختصُّ بمعنىً يمكن استعمالُه وإفرادُه بمعزلٍ عن الكلمة الأولى، فقولنا: حَسَنٌ بَسَنٌ، وقولنا: خُضْرةٌ مُضْرةٌ. لا معنى لبَسن ولا لمُضرة إذا أُفردتا عن الكلمة المتبوعةِ الأولى. وقد قال أبو الطيّب اللغويّ في كتابه «الإتباع»: نحن نذهب إلى أنّ الإتباعَ؛ هو ما لم يختصَّ به بمعنىً، يمكن إفراده به. والتَوكيدَ: ما اختصّ بمعنىً، وجاز إفراده». وأنا اخترتُ كلامَ أبي الطيّب، ولم أَعرض لأقوال أهل اللغة في المسألة، حتى ينشط طالب العلم، ويطّلعَ بنفسه. وإليك بعض الأمثلة الموضحةِ من كتابِ عبدالواحد الحلبيّ: قالَ أبو مالك «هو عمرو بن بكرٍ الأعرابيّ»: تقولُ العَربُ فِي صِفَةِ الشَّيءِ بالشِّدةِ: إِنَّهُ لَشَديدٌ أَدِيدٌ، وهُو منَ الأَدِّ، والأَدُّ: القوَّةُ، إلاَّ أنَّ الأَدِيدَ لا يُفْرَد. ويُقالُ: شَكَوتُ إِليهِ عُجَري وبُجَرِي، أَيْ: هُمومي وأَحزاني، ومِنهُ قولُ عَليٍّ عليهِ السلام: أَشكو إِلى اللهِ عُجَري وبُجَري، يُريدُ: هُمومي وأَحزاني، وما أَلقَى مِنَ الناسِ. (ملحوظة للناصبة: جملة "عليه السلام" من أصل الكتاب، وليست مني). قالَ أبو مَالكٍ يُقالُ: حَارٌّ يَارٌّ جَارٌّ، ويُقالُ: رَجُلٌ حَرَّانُ، يَرَّانُ، جَرَّانُ: إِذا أَصابتْهُ مَصيبَةٌ. والجملةُ التي جرى عليها السؤال: «أجمعين أكتعين أبصعين» ليست في كتب «الإتباعِ» التي اطّلعت عليها، إنّما هي في القاموس المحيط (ص: 701) كما ذكرتُ يومَ أمس! قال في القاموس، مادّة «ب ت ع»: «جاؤُوا كلُّهُمْ أجْمَعُونَ، أكْتَعُونَ، أبْصَعُونَ، أبْتَعُونَ: إتْبَاعاتٌ لأَجْمَعِينَ، لا يَجِئْنَ إلاَّ على إثْرِها، أو تَبْدَأُ بأيَّتِهِنَّ شِئْتَ بَعْدَهَا. والنِّساءُ كُلُّهُنَّ جُمَعُ، كُتَعُ، بُصَعُ، بُتَعُ. والقَبيلَةُ كُلُّها جَمْعاءُ، كَتْعاءُ، بَصْعاءُ، بَتْعاءُ. وهذا التَّرْتيبُ غيرُ لازِمٍ، وإنما اللاَّزِمُ لِذَاكِرِ الجميعِ أن يُقَدِّمَ كلمة (كُلّ) ويُولِيَهُ المَصُوغَ من: (ج م ع) ثم يأتِيَ بالبَواقي كيفَ شاءَ. إلا أن تَقْدِيمَ ما صِيغَ من: (ك ت ع) على الباقِينَ، وتَقْدِيمَ ما صِيغَ من: (ب ص ع) على (ب ت ع) هو المُخْتارُ». والله تعالى أعلم. والحمدُ لله على كلّ حال.