الضيافة للكرام.. وهؤلاء لئام!

الضيافة للكرام.. وهؤلاء لئام! في عام 1967م، وبينما كانت الأمة تلملم جراحها، خرجت "مجلة الجندي" السورية بنفثةٍ مسمومة، كأنها غدافٌ ناعق في روضةِ الإيمان، حيث سطر محررها المدعو (إبراهيم خلاص) عبارةً جائرة تجرأت على الذات الإلهية، وواصفةً الأديان بأنها " الله، والأديان السماوية دمىً محنطة في متاحف التاريخ"، لم تكن تلك الكلمات مجرد حبرٍ على ورق، بل كانت شرارةً طائشة سقطت في حقلٍ من قلوبٍ مفعمة بحب الله سبحانه، فاستحالت ناراً وبركاناً. لقد أرادوا أن يحبسوا نور الشمس في أقبية المتاحف، فما كان من الشام بمساجدها وعلمائها إلا أن انتفضت كأنها بحرٌ خضّم تلاطمت أمواجه ذوداً عن حياض التوحيد. لقد كانت تلك العبارة الآثمة بمثابة خنجرٍ صدئ أرادوا به طعن قلب السماء، فما كان من الأمة إلا أن انتفضت كالمارد الذي استيقظ من غفوته على صوتِ رعدٍ مرعب. هاجت البلاد وماجت، وانطلقت صيحاتُ الحق (الله أكبر) من مآذن حلب الشهباء، وأزقة دمشق العتيقة، ونواعير حماة الصابرة، كأنها قذائفُ حق تخرق جدار الباطل، أو أمواجٌ عاتية ترفض أن يلوث شطآن طهرها زبدُ العبث. لم تكن مجرد مظاهرات، بل كانت زلزالاً وجدانياً أدركت معه السلطة أن العبث بالمقدس هو استدعاءٌ لغضبٍ لا تُبقي رياحُه ولا تذر، فبعثت بوفدها الرفيع إلى حلب، وعندما نزل "الوفد المفاوض" في ساحة الشيخ محمد النبهان (رضي الله عنه) بحلب، لم يجدوا سجادةً حمراء، بل وجدوا جبلاً أشمَّ تتقزم عند أقدامه ألقاب الوزارة ورتب المخابرات، دخلوا عليه وقد ظنوا أن "بروتوكولات" السياسة ستشفع لهم، لكنهم اصطدموا بصخرةِ الولاية التي لا تلين. ساعةٌ كاملة والشيخ يرسلُ عليهم صواعقَ التهديد والوعيد، يزلزل الأرض تحت أقدامهم، في مشهدٍ اختزلت فيه هيبةُ العلم صولةَ الحكم، كان كلامه كنصلٍ صقيل يقطع دابر الباطل، لم يفسح الشيخ لهم مجالاً للاعتذار البارد، بل وضعهم في حجمهم الحقيقي أمام جلال الله سبحانه الذي سخروا منه. وتتجلى هيبة الموقف حينما حضرت الضيافة (الشاي المعهود) بِيدِ الحاج مصطفى سروجي رحمه الله تعالى، فكان ردُّ الشيخ صرخةً هزت أركان المكان: "الضيافةُ للكريم، وهؤلاء لئام، لا تقدم لهم الضيافة"! لقد كان رفضُ شربة الماء في عرف العرب والشرع أبلغ من آلاف الخطب؛ فكيف يُسقى مَن أراد جفاف منابع الإيمان؟ وكيف يُكرمُ مَن أهان "أكرم الأكرمين"؟ لقد كان الشيخ يرى فيهم أجساداً خاوية من روح الوفاء، فاستحقوا منه حرمان القِرى. وبلغت الهيبة ذروتها حينما قال الشيخ النبهان: "والله لئن أمرني ربي لأقاتلنّكم بجنود الله بالبعوض والبرغش" في هذا الكلام البليغ، أراد الشيخ أن يذلَّ جبروتهم؛ فلوَّح بقدرة الله تعالى، إذ من يملك الدبابات والصواريخ لا يُهزم إلا بأضعف المخلوقات من جنود الله تعالى (البعوض والبرغش)، ليُسقط كبرياء سلاحهم أمام قدرة الخالق، وليعلم أن القوة لله جميعاً. ثم كانت لمسةُ المربي وحرقةُ الأب تظهر في قوله: "أنا لا أقتل جنودنا؛ فهؤلاء أبناؤنا"، إنها البصيرة التي تفرق بين الرأس المدبر وبين الأطراف المساقة، وبين العقيدة الراسخة وبين الانفعال العابر، لقد كان الشيخ النبهان في ذلك اليوم وكل يوم منارةً وسط لجة، وسيفاً قاطعاً جردته الغيرة المحمدية ليحمي حمى التوحيد. إن موقف الشيخ النبهان لم يكن مجرد حادثةٍ تاريخية، بل كان بياناً بلاغياً عملياً أثبت فيه أن "قصر الضيافة" يضيق بمن يهين "رب البيت"، وأن هيبة العمامة حين تستمد نورها من العرش، تخضع لها الرؤوس وإن لبست التيجان. ولما دخل الشيخ عبد الكريم الألوسي رحمه الله تعالى والدموعُ في عينيه كالندى على أوراق الخريف، يحمل في قلبه همَّ المحب وفي عقله منطق الحذر، فخاطب الشيخ النبهان بلسانٍ يرتعش خوفاً عليه، داعياً إياه إلى ليونةِ السياسة ليتجنب بطش السلطة، جاء الجواب كفلق الصبح، يقطع دابر الظنون، بكلمةٍ هي دستورٌ لكل من عرف الله سبحانه: )حاج علي، والله إني لأستحيي من الله تعالى أن يراني خفتُ من غيره، أنا لا أعرف الخوف إلا من الله تعالى، لأنه وحده الفعّال لما يريد جلّ جلاله) لم يقل الشيخ "أنا شجاع" أو "أنا قوي"، بل استخدم لفظ (الحياء) وهنا تكمن قمة الأدب مع الله تعالى؛ فالخوف من غير الله سبحانه عند العارفين ليس ضعفاً فحسب، بل هو خدشٌ في مروءة العبودية، لقد صوّر الشيخُ الخوفَ من المخلوق كأنه فعلٌ قبيح يستحي العبدُ أن يراه ربه متلبساً به، وهذا من أرقى مراتب الإيمان. وفي قوله (لأنه وحده الفعّال لما يريد)، استخدم الشيخ أسلوب الحصر، هو لا يرى في الوزير أو رئيس المخابرات قوةً ذاتية، بل يراهم أدواتٍ مسخّرة لا تتحرك إلا بإذن المُحرّك الأول وهو الباري سبحانه، هذا الاستغراق في التوحيد جعل من هيبة السلطة في عينه كهباءٍ منثور لا يملك ضراً ولا نفعاً. لقد انطلق الشيخ الألوسي من فقه الواقع الذي يرى الأسباب المادية ويحسب حساب الموازنات، وهو مقامُ الرحمة بالخلق، إلا أن الشيخ النبهان انطلق من فقه الحق الذي لا يرى للأسباب وجوداً مع وجود المسبّب، وهو مقامُ العزة بالله عز وجل. لقد كانت الكلمة (لا أعرف الخوف إلا من الله) بمثابة تسونامي جرف كل مخاوف الحاضرين، فالذي يمتلئ قلبه بعظمة الخالق، تضيق مساحات قلبه عن استضافة هيبة المخلوق. إنَّ هذه الواقعة لم تكن مجرد صدامٍ مع سلطة، بل كانت اختباراً للمعدن الإيماني، فقد أثبت الشيخ النبهان أنَّ العمامة ليست قطعة قماش، بل هي تاجُ كرامة لا ينحني إلا في السجود للباري سبحانه. إنَّ رفض الشيخ لضيافة اللئام لم يكن جفاءً، بل كان صيانةً لكرامة الحق، ودموع الشيخ الألوسي لم تكن ضعفاً، بل كانت رقةَ المحبة، وجواب الشيخ النبهان لم يكن تهوراً، بل كان كمالَ التوحيد، فهيبة السلطان تذوب كالملح في بحر هيبة العارف بالله تعالى. ستظلُّ صرخةُ العزة النبهانية نشيداً باقياً في أذن التاريخ، تُخبر المستكبرين أنَّ العقيدة ليست "دمىً محنطة"، بل هي روحٌ سارية في عروق الأمة، إذا استُفزت زأرت، وإذا صُدمت أشرقت، وإذا وقفت أمام الظلم لم تعرف الخوف إلا من الله سبحانه وتعالى. أ.د.محمد محمود كالو مع تحيات كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات الإسلامية Generations and Technology