حين توضأتِ (المونتانة) بنور التكبير ثمة أماكن في الذاكرة لا تقاس بمساحة أحجارها، بل بحجم التحولات التي شهدتها؛ ومن بين تلك الحكايات الحلبية التي تشبه الأساطير، تبرز قصة "المونتانة" ذلك الاسم الذي كان يختصر في طياته بريق "باريس الشرق"، حياً شُيّد على أحدث طراز فرنسي ليكون واجهةً للحداثة الصاخبة، وملهىً يقف كقلعةٍ من الضوء والموسيقى في قلب الشهباء. لكنَّ التاريخ كان يخبئ لهذا الصرح قدراً أبهى، حين امتدت إليه يد العارف بالله شيخ مشايخنا الشيخ محمد النبهان -قدّس الله سرّه-، لم يمتد إليه بيد الهدم، بل بروح البناء؛ ولم يواجهه بالفتنة، بل احتواه بالحكمة، في لحظةٍ فارقة، انحسر صخب "المونتانة" ليفسح المجال لسكينة الإيمان، وتحولت الأروقة التي صُممت للّهو إلى محاريب للذكر، فاهتزت أركان البناء لنداء (الله أكبر) لأول مرة. إنها قصة عبورٍ مذهل من عالم الترف إلى رحاب التعرف على الله تعالى، ومن بريق الاسم الأعجمي إلى جلال اسم "جامع الفرقان"، فكيف استطاع رجلٌ بقلبه ويقينه أن يشتري الدنيا ليحولها إلى محرابٍ للآخرة؟ بين أزقة حلب العتيقة، حيث تتنفس الجدران تاريخاً وحضارة، رغبت روحانية شيخ مشايخنا الشيخ محمد النبهان رحمه الله تعالى في كتابة فصل جديد من حكاية "المونتانة". لم تكن "المونتانة" مجرد اسم لحي كبير، بل كانت صرحاً فرنسياً شامخاً في قلب الشرق الأوسط، يضجّ بالحياة، ويزخر بالفخامة والترف، وكان ملهى "المونتانة" تجسيداً لحداثة فرنسية مبهرة، يجمع بين ثناياه صخب الموسيقى وعبق العطور الباريسية، وكأنه لوحة فنية استعمرت أرواح الساهرين بجمالها الآسر. وفي خطوة اتسمت بالحكمة والهدوء، دون أن تثير فتنة أو تعمِّقَ جرحاً، نادى الشيخ محمد النبهان بمن حوله لشراء هذا المعلم الفرنسي الباهظ الثمن. وقدم الشيخ كل ما يملكه، تضحيةً من أجل إحداث تغيير جذري في تاريخ هذا الصرح، لم تمر سوى أيام معدودة، حتى شهدت "المونتانة" حفلاً كبيراً، ولكن هذه المرة، لم يرتفع صخب الموسيقى، بل ارتفع صوت المؤذن بـ (الله أكبر)، معلناً تحول "المونتانة" إلى "جامع الفرقان". نعم إن تحول ملهى "المونتانة" إلى "جامع الفرقان" كان تجسيداً لمفارقة عجيبة، فبينما كانت "المونتانة" رمزاً للحداثة الفرنسية والترف الباذخ، أصبح "جامع الفرقان" منارة للإيمان والهداية، تجذب المصلين من كل حدب وصوب، وكان هذا التحول بمثابة انتصار للقيم الروحية على القيم المادية، وتأكيداً على قدرة الإنسان على إحداث تغيير إيجابي في واقعه. وفي عصرنا الحالي، حيث تتشابك خيوط الحداثة والتقاليد، يظل "جامع الفرقان" شاهداً على قدرة الإيمان على تحويل أقسى الواقع إلى فضاء للسكينة والطمأنينة، إنه تذكير بأن الجمال الحقيقي يكمن في البساطة والتواضع، وأن القوة الحقيقية تكمن في القدرة على إحداث تغيير إيجابي في أنفسنا ومجتمعاتنا. لم يكن الأمرُ مجرد تغييرٍ في لافتات الطرقات، أو تبديلٍ لمصطلحات الأمكنة؛ بل كان ميلاداً ثانياً لحيٍّ بأكمله، فبتلك اللمسة الروحية التي غرسها الشيخ محمد النبهان، انسلخت "المونتانة" عن جلدها الغريب، لتتوضأ بماء الطهر وتلبس حُلةً من جلال، فصارت )حي الفرقان). انتقل الاسم من جرسٍ أعجميٍ يضجُّ بالصخب، إلى نغمةٍ سماوية تفرقُ بين الحق والباطل، وبين الفناء والبقاء، فغدت "المونتانة" في ذاكرة النسيان، وأشرقت "الفرقان" شمساً لا تغيب؛ حياً يختالُ بجماله المعماري الرصين، ويسمو بوجوهِ ساكنيه التي تعكسُ طمأنينة الإيمان. أما (جامع الفرقان)، فقد تحول من مجرد بناءٍ معماري فرنسي الطراز، إلى قلبٍ نابض يضخُّ السكينة في عروق حلب، لم يعد مجرد مسجد، بل صار أيقونةً للرقي، ومنارةً تقصدها الأرواح الظمأى قبل الأجساد، هو اليوم درّة تاج المساجد في المدينة، يجمع بين فخامة البناء وطهر المعنى، وكأنه يقول للعالم: إنَّ الإسلام إذا دخل مكاناً بالحكمة، صيّره جنةً من الرقيّ والجمال. لقد استحال الحيُّ اليوم إلى أرقى أحياء المدينة وأهمها، ليس بترفِ أحجاره فحسب، بل ببركةِ تلك اللحظة التي ارتفع فيها الأذان لأول مرة فوق أنقاض "المونتانة"، ليعلن أنَّ الحقيقة هي التي تبقى، وأنَّ الجمال الحقيقي هو ما استند إلى جلال الخالق. وهكذا، لم تكن قصة "المونتانة" مجرد عملية شراء لعقارٍ باهظ، بل كانت استرداداً للهوية وصياغةً لانتصارٍ قيمي هادئ، خاضه الشيخ محمد النبهان بسلاح الحكمة لا بضجيج الخصومة، لقد أثبتت تلك اللحظة التاريخية أنَّ الأماكن ليست جدرانًا صماء، بل هي أرواحٌ تسكنها؛ وحين سكن الإيمان في قلب "المونتانة"، غسلت مآذنُها غبارَ الأمس، وتوضأت جدرانها بنور التكبير. لقد رحل صخبُ الملهى واندثرت ملامح الطراز الفرنسي الغريب، وبقي "جامع الفرقان" قلعةً شامخة في حلب، تروي للأجيال كيف يمكن لليقين أن يغير وجه الأرض، وكيف يمكن للفرق بين الأمس واليوم أن يتلخص في سجدةٍ خاشعة تُقام في موضعٍ كان يوماً مرتعاً للهو والعبث الماجن. ستظل مآذنُ "جامع الفرقان" تصدحُ بالحقيقة الأزلية: أنَّ البناء الذي يُشيدُ لرفعة الإنسان وروحه هو الذي يخلد، وأنَّ يد الله تعالى التي امتدت عبر بصيرة الشيخ النبهان، قد حولت حجر الزينة إلى منار هداية، ليبقى هذا المسجد شاهداً على أنَّ الحقَّ إذا حلَّ في مكانٍ أضاءه، وإذا استقرَّ في قلبٍ أحياه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــ ملاحظة: كلمة "المونتانة" بالفرنسية (La Montagne) تعني حرفياً "الجبل" أو "المنطقة الجبلية"، وقد أطلق هذا الاسم على المنطقة لأنها كانت تقع على هضبة مرتفعة (جبلية صخرية) تشرف على مدينة حلب، فكانت تُرى كأنها جبل مطل على المدينة القديمة. الأستاذ الدكتور محمد محمود كالو كلية الىداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات الإسلامية جامعة أجيال وتكنولوجيا Generations and Technology Generations and Technology University https://gtuedu.org/