على عَتَبَات الكلتاوية يومَ استَرَدَّ فيلسوفُ الإسلام حقيقتَه في تاريخ الأمم لحظاتٌ خاطفة، لا تُقاس بعقارب الساعة، بل بمقدار ما تُحدثه من زلزالٍ في الوعي، وتغييرٍ في مسارات الفكر، ومن أبهى تلك اللحظات، ذلك اللقاء الاستثنائي الذي جمع بين هندسة العقل وإشراق الروح؛ بين فيلسوف الحضارة الذي شخّص أدواء الأمة بِمِبضع الجرّاح، مالك بن نبي، وبين الوارث المحمدي الذي سقى القلوب بزمزم اليقين، الشيخ محمد النبهان رحمه الله تعالى. لم يكن لقاؤهما في رحاب "الكلتاوية" مجرد اجتماع عابر بين عالمٍ وباحث، بل كان عناقاً بين الفكرة والذِّكر، ومحاكمةً عليا لمفاهيم ضاعت في دهاليز التأويل، حين جاء "فيلسوف الإسلام" محملاً بأسئلة النهضة القلقة، ليجد عند العارف بالله تعالى جواباً يختصر فلسفة الوجود والرسالة في جملةٍ واحدة، أعادت صياغة مفهوم الإنسان في عقله قبل أن تعيد صياغة مفهوم "الجهاد". دعونا نبحر في تفاصيل تلك الواقعة التي قال فيها ابن نبي: "أرجعتَ لي نفسي"، لنكتشف كيف يمكن لكلمةٍ صادقة أن ترمم شروخ الروح، وكيف يغدو الفكرُ قاصراً ما لم يستند إلى بصيرةٍ نبويةٍ ترى الغاية وراء الوسيلة. في زوايا التاريخِ المعاصر، رجلٌ لم يقرأ العالمَ بعينيه، بل قرأه بمجهر الحضارة، إنه مالك بن نبي، الفيلسوف الجزائري الذي طاف في أدغال الأفكار، يفككُ عُقد "القابلية للاستعمار"، ويبحثُ عن "شروط النهضة" بين ركامِ الأيام. هذا الرجل الذي لُقِّب بـ "فيلسوف الإسلام"، لم يكن لقبهُ مجرد صياغة لغوية، بل كان ختماً وضعه العارفُ بالله الشيخ محمد النبهان -قدّس الله سرّه- اعترافاً بعقلٍ صاغهُ الوحيُ وهذّبهُ المنطق. ذاتَ شروقٍ فكريّ، شدَّ مالكٌ رحاله نحو بلاد الشام، يجسُّ نبضَ الأمة في علمائها، باحثاً عن المُحرّك الذي يُعيد للجسدِ الإسلاميِّ حركته، حتى وطئت قدماه عتبات "الكلتاوية"، تلك البقعة التي كانت تنبضُ بالسكينة واليقين. هناك وأمام مهابة الشيخ محمد النبهان، دارَ حديثٌ لم يكن كلماتٍ تُقال، بل كان صقلاً للمرايا، طُرحت مسألة "الجهاد"؛ ذلك المفهوم الذي شوهتهُ التأويلات، فجاءَ قولُ الشيخ النبهان كفلقِ الصبح، ليمزق حُجب الحيرة: (يا مالك.. سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ما جاء ليقتل الكافر، وإنما ليقتل كُفْرَ الكافر؛ فإن لم يتمكَّن من قتل كُفْرِه إلا بقتله؛ قتله). سكتَ الزمانُ في تلك اللحظة، وكأنَّ الكلماتِ لم تخرج من فمِ بشر، بل كانت تقطيراً لجوهر النبوة، لقد وضع الشيخُ إصبعه على العلّة والغاية؛ فالهدفُ هو الإحياء لا الفناء، والبناءُ هو الأصلُ والتحطيمُ هو الاستثناء الضروري. هزّت هذه العبارةُ أركان الفيلسوف، فمالكٌ الذي أضناهُ البحثُ في القوانين الجافة، وجدَ ضالتهُ في فقهِ المحبة الحازمة، لم يستطع كتمان وَجْدِه، فهتف بصدقِ التلميذ الذي عثر على شيخه: (يا أستاذ.. أرجعتَ لي نفسي! يا أستاذ.. أرجعتَ لي حقيقتي!). كانت تلك الكلماتُ بمثابة إعادة ضبطٍ لبوصلة الفكر، فقد أدرك ابن نبي أن الفلسفة بلا روح هي جسدٌ ميكانيكي، وأن الحقيقة لا تُدركُ فقط بالتحليل، بل بالبصيرة التي ترى الإنسان خلف العقيدة. هكذا إذن، لم يكن لقاءُ مالك بن نبي بالسيد النبهان مجرد حادثةٍ طواها الزمن، بل كان انفجاراً معرفياً أعاد صياغة الوعي بالرسالة المحمدية في قلب فيلسوفٍ أضناه البحث، لقد أثبت هذا اللقاء أنَّ عقل الحضارة مهما بلغ من الذكاء، يظلُّ بحاجةٍ إلى قلب النبوة ليمنحه الدفء والوجهة. إنَّ صرخة مالك بن نبي: (أرجعتَ لي نفسي.. أرجعتَ لي حقيقتي)، هي في الواقع صرخةُ كلِّ جيلٍ يبحثُ عن التوازن بين صرامة الفكر ورحمة الروح، هي إعلانٌ بأنَّ الإسلام ليس آلةً للحرب، بل هو بلسمٌ للوجود؛ يقتلعُ الأشواك ليحمي الزهور، ويحاربُ الظلام ليحرر النور. رحلَ الرجلان، وبقيَ "المنهج"؛ بقيت الكلتاوية شاهداً على أنَّ العلم بلا تربية هو جسدٌ بلا روح، وأنَّ الجهاد الحقيقي يبدأ بفتح القلوب قبل الحصون، فهل نعي اليوم تلك الحقيقة التي استردها مالك بن نبي؟ وهل ندرك أنَّ بناء الإنسان هو الخطوة الأولى والوحيدة نحو بناء الأوطان؟ ستبقى كلمات الشيخ النبهان وقبسُ روح مالك بن نبي قنديلين يضيئان عتمة الحيرة، ويذكّراننا دوماً بأنَّ الحقَّ لا يقتل، بل يُحيي، وأن عظمةَ الإسلام تكمنُ في كونهِ لا يطلبُ دمَ البشر، بل يطلبُ طُهرَ أرواحهم. الأستاذ الدكتور محمد محمود كالو كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات الإسلامية Generations and Technology University https://gtuedu.org/