الضربة الجوية على قطر: انتهاك السيادة بين ثوابت القانون الدولي وادعاءات الدفاع عن النفس

الضربة الجوية على قطر: انتهاك السيادة بين ثوابت القانون الدولي وادعاءات الدفاع عن النفس بقلم الدكتور محمد نضال هادي خلوف Nedal Khalouf أستاذ مساعد في القانون الدولي الإنساني مقدمة: في التاسع من سبتمبر ٢٠٢٥، تجاوز الصراع في المنطقة حدودًا جغرافية وقانونية بإقدام إسرائيل على تنفيذ ضربة جوية داخل العاصمة القطرية الدوحة. استهدفت العملية قادة من حركة حماس كانوا يجرون محادثات حول هدنة، مما أسفر عن مقتل ستة أشخاص بينهم ضابط أمن قطري، وإصابة آخرين، بينما نجا القادة المستهدفون. لم تكن هذه العملية مجرد تصعيد عسكري آخر، بل كانت اختبارًا صارخًا للمنظومة القانونية الدولية، حيث اصطدمت ادعاءات الدفاع عن النفس بأعمق المبادئ التي يقوم عليها نظام الأمن الجماعي، ألا وهي سيادة الدول وحظر استخدام القوة. يتناول هذا المقال التحليلي الانتهاكات القانونية المتعددة التي شكّلت هذه الواقعة، وسياقات المسؤولية الدولية المترتبة عليها. أولاً: انتهاك مبدأ السيادة وحظر استخدام القوة (الركيزة الأساسية) ينص ميثاق الأمم المتحدة في المادة ٢(٤) على حظر التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة. تُشكل الضربة الجوية الإسرائيلية على أراضي دولة ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة (قطر) ودون موافقتها انتهاكًا جليًا وصريحًا لهذا الحظر. لا تقتصر السيادة على السيطرة على الإقليم فحسب، بل تشمل أيضًا الاختصاص الحصري للدولة في ممارسة السلطة داخله. باغتيال أفراد على الأراضي القطرية، قامت إسرائيل بمنازعة قطر في هذا الاختصاص الحصري، وهو أمر لا يجوز إلا بموافقة الدولة أو بتفويض من مجلس الأمن بموجب الفصل السابع. وقد عبّر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، عن هذا الانزعاج الدولي واصفًا العملية بأنها "انتهاك صارخ لسيادة وسلامة أراضي قطر". ثانيًا: تفنيد ادعاء الدفاع عن النفس: الاختبار القانوني ستدّعي إسرائيل على الأرجح أن العملية جاءت في إطار الحق في الدفاع عن النفس المنصوص عليه في المادة ٥١ من الميثاق. ومع ذلك، فإن تطبيق هذا الحق على الواقعة يواجه إشكاليات قانونية جسيمة: 1. شرط الضرورة والتناسب: يجب أن يكون الرد فوريًا وضروريًا لدرء هجوم وشيك لا محالة. من الصعب قانونًا تصنيف استهداف قادة سياسيين (حتى لو كانوا عسكريين سابقين) في اجتماع سياسي في عاصمة دولة ثالثة على أنه "دفاع عن النفس" ضد هجوم وشيك وملموس. 2. استهداف دولة غير متورطة: المادة ٥١ تُخوّل الدفاع عن النفس ضد هجوم مسلح من دولة أخرى. إن تنفيذ عملية عسكرية داخل دولة ثالثة (قطر) ليست طرفًا في الصراع المباشر يضعف المزاعم الإسرائيلية ويجعل من قطر ضحية لهجوم مسلح بحد ذاته. ثالثًا: مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية وتعقيداته ينطبق مبدأ عدم التدخل، المُكرس في قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، على هذه الواقعة بشكل واضح. فقد قامت إسرائيل بتدخل قسري في الشؤون الداخلية لقطر، متحدية حقها في تحديد من يوجد على أراضيها وإدارة علاقاتها الدبلوماسية والأمنية. ومع ذلك، قد تثير قطر اتهامات بأن استضافتها لقادة حماس (المصنفة "حركة إرهابية" من قبل بعض الدول) يمثل انتهاكًا لالتزاماتها الدولية في مكافحة الإرهاب. هذا يخلق حالة من التنازع القانوني، حيث قد تدعي إسرائيل أن قطر فشلت في الوفاء بالتزاماتها، مما يبرر – من وجهة نظرها – اتخاذ إجراء أحادي. لكن يبقى الرد المناسب هو اللجوء إلى الآليات الدبلوماسية والقانونية الدولية، وليس العمل العسكري الأحادي. رابعًا: المسؤولية الدولية والإجراءات القانونية المتاحة تتحمل إسرائيل مسؤولية قانونية دولية عن هذا الفعل غير المشروع. تترتب على هذه المسؤولية عدة التزامات، أبرزها: · الاعتذار الرسمي والتعويض عن الأضرار التي لحقت بقطر (بما في ذلك تعويض عائلة الضابط القتيل). · الضمان بعدم التكرار. أما بالنسبة للإجراءات المتاحة لقطر: 1. رفع شكوى إلى مجلس الأمن: يمكن لقطر الطلب لعقد جلسة طارئة لمجلس الأمن لاستصدار قرار يدين الانتهاك. ومع ذلك، قد يُعيق حق النقض (الفيتو) الأمريكي أي قرار فاعل. 2. اللجوء إلى محكمة العدل الدولية (ICJ): يمكن لقطر رفع دعوى ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بتهمة انتهاك مبادئ القانون الدولي، وخاصة مبدأ السيادة. سبق للمحكمة أن نظرت في قضايا مشابهة (مثل نزاع نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة ١٩٨٦). 3. المحكمة الجنائية الدولية (ICC): إذا تم اعتبار العملية جريمة حرب (استهداف غير قانوني، أو نتيجة وفيات مدنية غير متناسبة)، قد يقع على عاتق المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية التحقيق. خاتمة: الضربة الجوية الإسرائيلية في الدوحة ليست مجرد حادثة عابرة، بل هي سابقة خطيرة تهدد البنية التحتية للقانون الدولي. إنها انتهاك صارخ لمبادئ السيادة، وحظر استخدام القوة، وعدم التدخل، ولا تفي بالشروط الصارمة لممارسة حق الدفاع عن النفس. إن تبعات هذه السابقة تفتح الباب أمام فوضى عارمة حيث تبدأ الدول بالتحكّم الذاتي في تطبيق القانون الدولي وفقًا لأهوائها. رد المجتمع الدولي، وعلى رأسه الأمم المتحدة، على هذه الواقعة سيكون محكًا حقيقيًا لمصداقية النظام الدولي وقدرته على الحفاظ على نفسه من خلال سيادة القانون، وليس منطق القوة. الدكتور محمد نضال هادي خلوف أستاذ مساعد في القانون الدولي الإنساني مع تحيات كلية القانون الدولي والعلوم السياسية University Generations and Technology