قراءة تحليلية في كتاب "ندوات علمية حول الشريعة الإسلامية" للدكتور محمد معروف الدواليبي:حوار الحضارات حول حقوق الإنسان

قراءة تحليلية في كتاب "ندوات علمية حول الشريعة الإسلامية" للدكتور محمد معروف الدواليبي: حوار الحضارات حول حقوق الإنسان مقدمة يمثل كتاب "ندوات علمية حول الشريعة الإسلامية" للدكتور محمد معروف الدواليبي وثيقة تاريخية وفكرية فريدة تعود إلى سبعينيات القرن العشرين. لا يقتصر الأمر على كونه مجرد تدوين لندوات، بل هو سجل حي لحوار حضاري عميق وجاد بين نخبة من كبار علماء الدين والقانون في المملكة العربية السعودية على رأسهم الدكتور محمد معروف الدواليبي ووفد رفيع المستوى من كبار القانونيين والمفكرين الأوروبيين. انعقدت هذه الندوات في سياق عالمي تميز ببروز قضية حقوق الإنسان كأحد المحاور الأساسية في السياسة الدولية، مما جعلها فرصة لاختبار مدى توافق الشريعة الإسلامية مع المعايير الغربية السائدة آنذاك. يقدم هذا المقال قراءة تحليلية شاملة لمحتوى الكتاب، مركزاً على ثلاثة محاور رئيسية: تحليل النقاشات الجوهرية التي دارت حول طبيعة الشريعة، ومناقشة القضايا المحددة التي شكلت محاور الندوات، وتقييم المنهجية والحوار الحضاري الذي طبع هذه اللقاءات. موقع الدكتور محمد معروف الدواليبي الفكري: قبل الشروع في التحليل، لا بد من الوقوف عند شخصية المؤلف الدكتور محمد معروف الدواليبي، فهي مفتاح أساسي لفهم عمق هذا الكتاب وجرأته المنهجية. تجسّد شخصية الدواليبي حالة فريدة من التلاقح الحضاري بين الأصالة الإسلامية والحداثة الغربية، مما أهله ليكون جسراً للحوار لا مجرد ناقل أو مترجم. يتحدد الموقع الفكري للدواليبي من خلال عدة روافد أساسية: · الأصالة الإسلامية: فهو عالم ومفكر إسلامي متجذر في التراث، جمع بين الدراسة الشرعية التقليدية والفهم المقاصدي المعاصر للإسلام. لم يكن فقيهاً تقليدياً بقدر ما كان مفكراً استراتيجياً يرى الإسلام كنظام متكامل للحياة. · الحداثة القانونية: حصوله على دكتوراه في الحقوق من السوربون بباريس، حيث أعد رسالته الشهيرة عن "الاجتهاد في الإسلام"، منحه قدرة فريدة على مخاطبة العقل الغربي بلغته ومنطقه. هذا المزيج جعله قادراً على تفكيك الإشكاليات الغربية حول الإسلام وإعادة صياغتها في قالب إسلامي معاصر. · التجربة السياسية: بصفته رئيس وزراء ووزيراً سابقاً في سوريا، ثم أكاديمياً مفكراً، مارس السياسة وفهم تعقيداتها، مما أكسبه بعداً واقعياً في تحليلاته، فلم تكن رؤيته مثالية أو بعيدة عن هموم الواقع. · الحوار الحضاري: كعضو مؤسس في رابطة العالم الإسلامي، وأحد أبرز الدعاة إلى التقارب بين الحضارات على أسس إنسانية، كرس جهده لتفكيك الصور النمطية المتبادلة بين الإسلام والغرب. هذا التكوين الفريد يتجلى بوضوح في المناصب القيادية التي شغلها، والتي زادته خبرة وامتداداً: · رئاسة مؤتمر العالم الإسلامي: المؤتمر الذي أسسه الملك عبد العزيز آل سعود في كراتشي بباكستان، وقد تولى رئاسته خلفاً للمرحوم الحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين، بترشيح من المملكة العربية السعودية. هذا الموقع منحه رؤية شاملة لقضايا المسلمين السياسية والفكرية. · ترؤس منظمة (الإسلام والغرب) الدولية ومركزها جنيف بسويسرا، مما أتاح له فرصة فريدة للتفاعل مع النخب الغربية وتقديم الإسلام كحل لأزمات الحضارة المعاصرة، وليس كمشكلة تحتاج إلى حل. هذا المسار الثري والمتنوع يفسر لنا لماذا كان كتاب "ندوات علمية حول الشريعة الإسلامية" بهذا العمق والجرأة. فالرجل كان يخاطب الغرب من الداخل، بسلاح العلم الشرعي الراسخ والمنهج القانوني الغربي الحديث، ليقدم صورة الإسلام كشريعة حية قادرة على الحوار وإثراء الإنسانية. أولاً: تحليل النقاشات الجوهرية 1. إشكالية ثبات النص وتغير الزمن: الرد السعودي بين المقبولية المنطقية والتحدي التطبيقي كان السؤال الجوهري الذي طرحه الوفد الأوروبي بمثابة حجر الزاوية في جميع المناقشات: كيف يمكن لدولة أن تبني تشريعها على كتاب مقدس (القرآن) لا يقبل التغيير أو التبديل، بينما وقائع الحياة تتطور وتتغير باستمرار؟ أليس في ذلك جمود للشريعة وإلحاق الضرر بالقرآن نفسه عندما تُحمل نصوصه ما لا تطيق؟ تمثل الإجابة التي قدمها الوفد السعودي نقطة التحول الفكرية في الندوة. وقد اعتمدت على تمييز دقيق ومنطقي بين مستويين من الأحكام: · القواعد العامة الثابتة (المبادئ الكلية): وهي التي تضمنها القرآن الكريم وتمثل "دستور" الشريعة الإسلامية. وهي قواعد لا تقبل التغيير لأنها ترتبط بغايات الشريعة ومقاصدها العليا، مثل العدل المطلق (وجوب العدل حتى مع العدو)، والمساواة في الكرامة الإنسانية (لا فرق لعربي على أعجمي إلا بالتقوى)، وحرمة الدماء والأموال. هذه القواعد هي التي تحد من سلطة الحاكم وتضبط الحياة الاجتماعية. · الأحكام التفصيلية والتطبيقات: وهي التي تتغير وتتطور تبعاً لتغير الزمان والمكان والمصالح. وهنا يأتي دور الاجتهاد (الفردي والجماعي) والقياس والمصلحة المرسلة. فقد استشهد الوفد بأقوال لعلماء أجلاء مثل ابن قيم الجوزية ("أينما كانت المصلحة فثم شرع الله") وابن عقيل، لتأكيد أن الشريعة قادرة على استيعاب كل جديد ما دام يحقق مصالح العباد ويتفق مع روح العدل. هل هذا الرد مقنع ومنطقي؟ من الناحية المنطقية والفقهية، يُعد هذا الرد متكاملاً ومقنعاً بدرجة كبيرة. فهو يحل الإشكال النظري بالتفريق بين الثابت والمتغير، ويقدم آليات واضحة للتعامل مع الجديد (الاجتهاد). وقد لاقى هذا الطرح استحسان الوفد الأوروبي، كما يذكر النص، مما يدل على نجاحه في توصيل الفكرة. التحدي التطبيقي في قضايا معاصرة: يبقى التحدي الأكبر هو تطبيق هذا المبدأ على أرض الواقع. فالقول بوجود قواعد ثابتة وأخرى متغيرة هو أمر مقبول نظرياً، لكن الاختلاف يقع في تحديد أي القضايا تدخل في إطار الثابت وأيها في إطار المتغير. · على سبيل المثال: في قضايا مثل الربا (الفوائد المصرفية)، يرى البعض أن تحريم الربا هو قاعدة كلية ثابتة لا تقبل التغيير، ويجب إيجاد صياغات مالية إسلامية بديلة. بينما يرى آخرون أن بعض المعاملات المصرفية المعاصرة تختلف في طبيعتها عن الربا الجاهلي، وبالتالي يمكن إعادة النظر فيها عبر الاجتهاد بما يحقق المصلحة. كذلك في قضايا الحدود، يبقى النص ثابتاً، لكن باب الاجتهاد واسع في شروط التطبيق والإثبات، وفي إمكانية تطبيق عقوبات تعزيرية بديلة في ظروف معينة إذا تعذر تطبيق الحد لمانع شرعي أو واقعي. التحدي الحقيقي هو بناء آليات اجتهاد مؤسسية معاصرة قادرة على استنباط الأحكام للنوازل الجديدة (كالاستنساخ، والهندسة الوراثية، والذكاء الاصطناعي) في ضوء تلك القواعد الكلية، وليس مجرد استنساخ أحكام الماضي. 2. التحفظات على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: حماية للخصوصية أم تقييد للحقوق؟ أبدت المذكرة السعودية تحفظات صريحة على ثلاث مواد رئيسية في الإعلان العالمي، الأمر الذي يعكس رؤية إسلامية مختلفة لمنظومة الحقوق. هذه التحفظات هي: · حق المسلمة في الزواج من غير المسلم (المادة 16): عللت المذكرة ذلك بـ "وجوب صيانة الأسرة من الانحلال بسبب الاختلاف في الدين"، خاصة أن الزوج غير المسلم (من غير أهل الكتاب) لا يعتقد بنبوة محمد ولا يحترم مقدسات زوجته، مما يعرض الأسرة للخصام. · حرية تغيير الدين (المادة 18): ربطت المذكرة هذا التحفظ بقصة تاريخية (مكيدة اليهود في صدر الإسلام) تهدف إلى حماية العقيدة من الدخلاء الذين يريدون زعزعة إيمان المسلمين. المنطق هنا هو أن حرية اعتناق الإسلام يجب أن تكون مبنية على قناعة راسخة، لا على عبثية أو نوايا سيئة، لذا وضع حاجز نفسي وقانوني لمنع استغلال هذه الحرية. · حرية تكوين النقابات والإضراب (المادة 8 من الميثاق الدولي): جاء التحفظ هنا بدافع حماية الاقتصاد الوطني ومصالح العمال أنفسهم من "أيدٍ مخربة" قد تستخدم هذه الحقوق المطلقة لتعطيل مسيرة التنمية، مستشهدة بسلبيات الإضرابات في بريطانيا آنذاك. كما شددت على أن المملكة قد ضمنت حقوق العمال عبر قوانين العمل والتأمينات الاجتماعية. قراءة تحليلية: يمكن النظر إلى هذه التحفظات من زاويتين: · حماية الخصوصية الدينية والثقافية: من وجهة النظر الإسلامية، هذه التحفظات ليست تقييداً للحقوق بقدر ما هي حماية لكيان المجتمع المسلم وهوياته. فحرية الزواج المطلقة قد تؤدي إلى زعزعة البنية الأسرية القائمة على التوافق الديني. وحرية تغيير الدين المطلقة قد تُستغل كأداة حرب نفسية. والحقوق النقابية المطلقة قد تضر بالصالح العام. هذا المنطق يضع "المصلحة الجماعية" و"حماية العقيدة" كقيم عليا تعلو في بعض الحالات على الحقوق الفردية المطلقة. · تقييد لحقوق الإنسان من منظور ليبرالي: من وجهة النظر الغربية الليبرالية، تُعتبر هذه التحفظات انتهاكاً صريحاً لحقوق الفرد. فحرية الفرد في الزواج بمن يشاء، وتغيير معتقده، وتكوين الجمعيات، هي حقوق أساسية غير قابلة للتصرف. وأي تقييد لها يُنظر إليه باعتباره تدخلاً من الدولة أو الدين في الحريات الشخصية. تبقى هذه الإشكالية قائمة حتى اليوم في الخطاب العالمي لحقوق الإنسان، وتطرح السؤال الجوهري: هل حقوق الإنسان عالمية وقابلة للتطبيق بنفس الصيغة في كل الثقافات، أم أنها قابلة للتكييف وفق الخصوصيات الدينية والثقافية لكل مجتمع؟ ثانياً: مناقشة قضايا محددة 1. العقوبات: بين القسوة النظرية والواقع الاجتماعي ناقش الوفد السعودي قضية العقوبات (الحدود) من زاوية مختلفة تماماً عن التصور السائد عنها كعقوبات قاسية. المنطق الذي قدمه يقوم على فكرة "الردع الوقائي". · قسوة العقوبة تصون المجتمع: تم تقديم عقوبة السرقة (قطع اليد) كمثال. فقسوة العقوبة ذاتها هي التي تمنع الناس من الاقتراب من الجريمة، وبالتالي تصان أيدي السارقين (لأنهم لا يسرقون) وتُصان أرواح وأموال الضحايا. الندرة الشديدة في تطبيق هذه العقوبة (كما شهد الدكتور الدواليبي) تثبت نجاحها كرادع. · شروط تطبيق صارمة: تم التأكيد على أن هذه العقوبات لا تطبّق إلا بشروط إثبات بالغة الصعوبة (خصوصاً في الزنا)، وأنها تسقط بالشبهات. وقد استشهد الوفد بقصة الصحابي الذي اعترف بالزنا أربع مرات وكان النبي صلى الله عليه وسلم يولّي وجهه عنه، مما يؤكد أن الهدف هو عدم تطبيق العقوبة قدر الإمكان. هل هذا المنطق مقنع في عصرنا الحالي؟ المنطق مقنع من الناحية النظرية والاجتماعية البحتة، خاصة مع الاستشهاد بأمثلة واقعية على الأمن الذي تحقق في السعودية (مقارنة بنقل الأموال في الغرب، وزيارة وزير الخارجية الأمريكي). فهو يقدم نموذجاً لمجتمع يحقق أمناً استثنائياً بفضل هيبة الشريعة. ومع ذلك، يظل التحدي قائماً في كيفية الجمع بين هذا المنطق وبين تطور علم الإجرام والعقاب الحديث، الذي يركز على إصلاح المجرم وإعادة تأهيله، وعلى تناسب العقوبة مع الظروف المخففة. الإجابة الإسلامية تكمن في الموازنة بين العقوبات الحدودية (الرادعة) والعقوبات التعزيرية (الإصلاحية) التي تترك للقاضي سلطة تقديرية واسعة. 2. المرأة: الرد على الشبهات وتقديم رؤية متكاملة خصص الكتاب مساحة كبيرة للرد على "الشبهات الست" حول حقوق المرأة (الميراث، الشهادة، الطلاق، التعدد، الحجاب، العقوبات). وقد اتبع الرد منهجاً واضحاً: · التأصيل بمبدأ المساواة الجوهرية: الانطلاق من قاعدة "النساء شقائق الرجال" لتأكيد أن أصل المساواة في الإنسانية والحقوق هو الأساس. · شرح الاختلاف في إطار العدالة: تم تفسير الاختلاف في بعض الأحكام (كالميراث والشهادة) ليس على أساس نقص في الأنوثة، بل على أساس العدالة التوزيعية التي تراعي الأعباء المالية والمسؤوليات الاجتماعية الملقاة على عاتق الرجل. الميراث مثلاً، يرتبط بقاعدة "الغرم بالغنم" (تحمل الأعباء مقابل الحصول على الحظ الأكبر من المال في بعض الحالات). · توسيع دائرة الخيارات: في قضية تعدد الزوجات، تم تقديمه كحل لمشاكل اجتماعية (كالعنوسة أو الأمراض) وليس كأصل مطلق، مع إعطاء الزوجة الأولى حق اشتراط عدم التعدد في عقد الزواج. وفي الرد على شبهة "الحجاب"، لم يقتصر الوفد السعودي على الجانب التشريعي المجرد، بل انطلق من مبدأ إنساني عام متفق عليه وهو "الحشمة والحياء" في المجتمع، واعتبره أساساً لخطاب الإسلام. فقد تم التأكيد على أن "تغطية العورة" و"فرض الحشمة" هما من القيم التي أجمعت عليها الإنسانية المتحضرة عبر العصور، تمييزاً للإنسان عن الحيوان. ثم انتقل الوفد إلى شرح التطبيق الإسلامي لهذا المبدأ العام، موضحاً الحدود الدنيا للباس بالنسبة للرجل والمرأة في الصلاة وفي المجتمع. وفي خطوة منهجية ذكية تهدف إلى تقريب الفكرة ونزع صفة "الغرابة" عنها في الأذهان الأوروبية، استخدم الوفد تشبيهاً بلاغياً لافتاً. فقد أشار إلى أن الإسلام اختار للمرأة المسلمة منذ أربعة عشر قرناً ما يمكن وصفه بأنه "اللباس الطويل" و"الزي الفضفاض". ولتقريب الصورة أكثر للوفد الأوروبي في سبعينيات القرن الماضي، قارن الوفد هذا الزي بما كان يُعرف آنذاك في الغرب باسم "الماكسي" (Maxi) - وهو الفستان أو التنورة الطويلة جداً التي كانت من أحدث صيحات الموضة في تلك الفترة، وكذلك بالزي الفضفاض المعروف باسم "الكفتان" (Kaftan). الهدف من هذا التشبيه كان عميقاً وجريئاً: فهو يقول للآخر إن ما قد تظنونه قيداً على المرأة المسلمة هو في الحقيقة مجرد نمط لباسي عرفه الغرب نفسه واعتبره في بعض فتراته التاريخية قمة في الموضة والأناقة. بهذا، يتحول النقاش من كونه دفاعاً عن "حكم شرعي غريب" إلى عرض لقيمة إنسانية مشتركة (الحشمة) تجسدت في قالب إسلامي، وهذا القالب ليس شاذاً عن تاريخ الأزياء الإنسانية بل هو جزء منه. هذا المنطق يهدف إلى بناء جسر من التفاهم عبر البحث عن نقاط التقاء ثقافية، بدلاً من التركيز على نقاط الاختلاف فقط. وهكذا، فإن النظرة الإسلامية للمرأة تقدم رؤية متكاملة، تثبت لها كامل أهليتها وكرامتها، وتفسر الاختلافات في إطار عدالة التكاليف والمسؤوليات، مع ترك مساحة واسعة للاجتهاد والاختيار في إطار الثوابت. 3. السلام: عقيدة وسلوك يومي يربط الإسلام مفهوم السلام بعمق شديد بحيث يجعله جزءاً لا يتجزأ من العقيدة والهوية والسلوك اليومي للمسلم. الندوات أظهرت هذا البعد بوضوح: · السلام في العقيدة: الإسلام هو "الاستسلام" لله، ومن أسمائه "السلام"، وتحيتهم "السلام عليكم". هذا الربط اللغوي والعقائدي يجعل السلام غاية ووسيلة. · السلام في الشعائر: ينتهي المسلم صلاته بالتسليم عن اليمين واليسار، ناشراً السلام على من حوله من الملائكة والناس. وليلة نزول القرآن هي "ليلة السلام". · السلام في العلاقات: القرآن يقرر قاعدة التعايش والبر بغير المسلمين (الذين لم يقاتلوكم في الدين)، ويحض على الجدال بالتي هي أحسن. هل تختلف عن المفاهيم الحديثة للسلام؟ تختلف من حيث المصدر والأساس. المفاهيم الحديثة للسلام (كما في ميثاق الأمم المتحدة) تنطلق من ضرورات سياسية وأمنية وعقلانية للحفاظ على النظام العالمي وتجنب الدمار. بينما السلام في الإسلام ينطلق من أصل ديني وعقدي وعبادي، مما يجعله قيمة داخلية ملزمة للمسلم، وليس مجرد اتفاقية خارجية. هذا يجعل السلام في الرؤية الإسلامية أكثر رسوخاً في النفس البشرية، وأكثر ارتباطاً بالعدالة ("اعدلوا هو أقرب للتقوى")، فالسلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على الظلم. ثالثاً: المنهجية والحوار الحضاري 1. تقييم أسلوب الحوار الذي اتبعه الوفد السعودي يمكن وصف المنهجية التي اتبعها الوفد السعودي بأنها نموذج يُحتذى به في الحوار الحضاري، وتقوم على ركائز أساسية: · الصراحة والوضوح: تشجيع الوفد الأوروبي على طرح كل ما لديهم من تحفظات وأسئلة "مهما كانت بعيدة عن أفكارنا"، والتعامل معها بجدية. هذه الصراحة خلقت جواً من الثقة المتبادلة. · الاستماع والفهم الجيد: لم يكن الهدف هو الرد لمجرد الرد، بل كان هناك حرص على فهم جذور الإشكاليات الأوروبية، بدءاً من مفهوم "الدين" في الغرب نفسه، ثم الانتقال إلى شرح المفهوم الإسلامي. · الشرح والتأصيل وليس الجدال العقيم: تمت الإجابة على الأسئلة بالتفصيل، والاستناد إلى نصوص وأدلة عقلية وتاريخية، بل وتصحيح المفاهيم الخاطئة عن الإسلام (مثل اتهام الحكم الإسلامي بأنه "تيوقراطي"). · الاعتراف بفضيلة الطرف الآخر: كان الوفد السعودي دائم الشكر للوفد الأوروبي على صراحته، ومقدراً لمستواه العلمي، وهو ما يعكس أدباً إسلامياً رفيعاً. 2. الاستفادة من هذه النماذج الحوارية في نقاشاتنا المعاصرة تقدم لنا هذه الندوات دروساً عظيمة يمكن تطبيقها اليوم: · تجاوز لغة الدفاع إلى لغة العرض: لم يكتف الوفد السعودي بالدفاع عن الإسلام، بل انتقل إلى عرض رؤيته ومنطقه وأدلته بشكل إيجابي وجاذب. · فهم "الآخر" كمدخل للحوار: بدأ الحوار بفهم كيف يفكر الطرف الآخر (من خلال تعريف الدين في الموسوعة الفرنسية)، وهذا يؤصل لمبدأ مهم في التواصل الفعال. · التركيز على المشتركات الإنسانية: تم التركيز على القيم المشتركة (كرامة الإنسان، العدل، السلام، مكافحة الجريمة) كأساس للحوار، ثم شرح الخصوصية الإسلامية في تحقيق هذه القيم. · أهمية التحضير العلمي والعمق المعرفي: كان الوفد السعودي مكوناً من كبار العلماء والقضاة، مما أعطى الحوار مصداقية وقوة. الردود لم تكن ارتجالية، بل مبنية على علم راسخ وفقه عميق. · بناء جسور الثقة: أثبت هذا الحوار أن الحوار الهادف يمكن أن يغير الصور النمطية ويكسب احترام الآخر. فقد خرج الوفد الأوروبي بانطباع مختلف تماماً عن الإسلام والشريعة، وأوصى بكتابة هذه الأجوبة القيمة ونشرها للعالم. المنهجية والحوار الحضاري السياق التاريخي للحوار: من اكتشاف "سفر أشعيا" إلى قرار وقف التنصير لم تكن ندوات السبعينيات مجرد مبادرات أكاديمية معزولة، بل جاءت في سياق تاريخي وديني بالغ الأهمية. يروي الدكتور محمد معروف الدواليبي - وهي رواية أكدها نجله الأستاذ نوفل الدواليبي - أن بدايات هذا الحوار الجاد تعود إلى عام 1958م مع اكتشاف مخطوطات قديمة في مغائر الأردن، كان من أبرزها "سفر أشعيا" الصحيح بكامله، والذي يختلف عما هو موجود في التوراة الحالية. بعد دراسة هذه المخطوطات، عقد الفاتيكان اجتماعات استمرت أربع سنوات (1961-1965م)، وأصدر وثيقة تاريخية اعتبرت نقطة تحول كبرى، حيث اعترفت رسمياً بالإسلام كدين، وأقرت بأن "كل من آمن بالله خالق السماوات والأرض ورب إبراهيم وموسى فهو ناج عند الله، وفي مقدمتهم المسلمون". وقد دفع هذا الاعتراف البابا بولس السادس إلى المبادرة بالتواصل مع العالم الإسلامي، فكان أول من يبادل التهاني مع الملك فيصل بن عبدالعزيز في موسم الحج، مما مهد الطريق لدعوة الفاتيكان لعلماء المملكة لزيارته والبدء في حوار حول قضايا حقوق الإنسان والتعاون المشترك، بعيداً عن الجدل في أصول العقيدة. ويستطرد الدكتور الدواليبي - بحسب ما نقله نجله - فيكشف عن تطور مذهل حدث خلال هذه الزيارات، حيث أعلن المسؤولون في الفاتيكان، وخاصة الكاردينال "بيمونوللي"، عن قرار تاريخي بوقف التنصير الكاثوليكي في العالم الإسلامي. وقد برروا هذا القرار بناءً على نصوص في سفر أشعيا نفسه، والتي تشير إلى مجيء نبي عربي من "بلاد فاران" (الحجاز) يهرب من السيف ويعود بعشرة آلاف قديس، وهي نبوءات تطابق تماماً سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وهجرته وفتحه لمكة. وقد اعتبر الفاتيكان أن هذا يستدعي من المسيحيين أن يتلقوا البشارة من المسلمين بدلاً من تنصيرهم. غير أن هذه الصحوة الحوارية لم تدم طويلاً. فوفقاً لهذه الرواية الموثقة، فإن السفير الإسرائيلي في روما تدخل بشكل مكثف على مدى خمسة أيام متتالية، مطالباً الفاتيكان بوقف أي حوار مع المملكة العربية السعودية، وهو ما قوبل بالرفض من الكاردينال بيمونوللي ومن البابا شخصياً. ولكن بعد فترة وجيزة، توفي البابا بولس السادس والكاردينال بيمونوللي في ظروف وصفتها الرواية بالفجائية، ليتوقف بعدها الحوار بشكل كامل. ويُضيف الدكتور الدواليبي شهادة لأب كاثوليكي لبناني هو الأب "مبارك" الذي حذر في مقال له من تأثير "الصهيونية" على الفاتيكان لثنيه عن سياسته الجديدة، مما يلقي الضوء على الأبعاد السياسية المعقدة التي أحاطت بهذا المسعى الحواري التاريخي، ويشرح لماذا بقيت هذه الجهود الحميدة حبيسة تلك الفترة القصيرة. خاتمة يظل كتاب "ندوات علمية حول الشريعة الإسلامية" شاهداً على قدرة الفكر الإسلامي على التفاعل الإيجابي مع التحديات الفكرية المعاصرة. لقد نجح الوفد السعودي في تقديم نموذج متكامل للشريعة الإسلامية كمنظومة حقوقية متوازنة، تقوم على ثوابت عادلة وتفتح باباً واسعاً للاجتهاد بما يحقق مصالح البشر المتطورة. الحوار الذي دار في هذه الندوات لم يكن مجرد نقاش أكاديمي، بل كان جسراً حقيقياً للتفاهم بين الحضارات، وأثبت أن الإسلام، بحضوره ورؤيته، قادر على المساهمة بفعالية في صياغة مستقبل إنساني أكثر عدلاً وسلاماً. إن العودة إلى مثل هذه النماذج الحوارية اليوم هي أكثر من ضرورية، لاستعادة لغة التفاهم والعقلانية في عالم تزداد فيه الحاجة إلى التعايش والحوار بين مختلف الثقافات والأديان. الدكتور محمد سعيد(شادي)أركي كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات الإسلامية Generations and Technology University جامعة أجيال وتكنولوجيا gtuedu.org