أنوارُ العَشر وأسرارُ القَدْر بين طياتِ الزمانِ مرافئُ يختارُها اللهُ تعالى لتكونَ مَحطّاً لرحالِ الأرواحِ المتعبة، ومواسمَ تفيضُ فيها الرحمةُ كغيثٍ هتانٍ لا يذرُ في القلبِ جدباً إلا أحياه، ومن بين شهورِ العام، يبرزُ رمضانُ كتاجٍ مرصعٍ بالتقى، وتأتي عشرُه الأواخرُ كدرّةِ التاجِ الواسطة، وفصِّه الثمين الذي تشرقُ منه أنوارُ القبول. إنَّ الحديثَ عن اجتهادِ النبي صلى الله عليه وسلم في هذه العشرِ ليس مجردَ سردٍ لواقعٍ تاريخي، بل هو استجلاءٌ لنموذجِ الكمالِ الإنساني؛ حيث تتحولُ الليالي إلى معارجَ ضوئية يطوي فيها العبدُ مسافاتِ البعدِ ليدنو من كنفِ القرب. لقد كان حالُ النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الليالي كحالِ المسافرِ الذي لاحت له معالمُ وطنه فحثَّ الخُطى، أو كالفارسِ الذي أبصرَ خطّ النهاية فاستفرغَ في جوادِه آخِرَ ما استودعه من قوة، فإذا دخلت العشر، "شدَّ مئزره"؛ وهي كنايةٌ بليغة عن التشميرِ للعبادة، فكأنما قطعَ خيوطَ الدنيا عن قلبه ليغزلَ بها ثوباً من الطاعةِ الخالصة. ولم يكن إيقاظُه صلى الله عليه وسلم لأهله مجردَ تنبيهٍ من سِنةِ النوم، بل كان نفخاً في رُوحِ الهمّة، ودعوةً لمشاركةِ الملائكةِ طوافَها حولَ بيوتِ الذاكرين. أما إحياءُ الليل، فكان ليله صلى الله عليه وسلم بستاناً تُسقى أشجاره بالدموع، وتزهرُ أغصانه بالذكر؛ فاستحالَ السكونُ الموحشُ في الليلِ نهاراً معنوياً نابضاً بالحياة، لتكونَ البيوتُ في تلك الليالي قناديلَ معلّقةً في سماءِ الدنيا، يُباهي بها اللهُ ملائكته، لا يغفو فيه جَفنٌ والشوقُ إلى ليلةِ القدرِ يقضُّ مضجعه. وأحيا ليله بصلاةٍ تطولُ حتى تتورمَ منها القدَم، وبدموعٍ تبللُ الثرى، فاستحالَ ليلُه نهاراً معنوياً لا تغيبُ شمسه، وظلّتْ أنفاسُه في تلك الليالي عطراً يسري في عروقِ الزمن إنَّ ليلةَ القدر في عِقدِ العشرِ الأواخر هي الدرةُ اليتيمة التي يطوفُ حولها العابدون،هي ليلةٌ تضيقُ فيها الأرضُ بالملائكة، وتفيضُ فيها البركاتُ حتى تلامسَ شِغاف القلوب، هي ليلةٌ تُختصرُ فيها الأعمار، فكأنَّ الراكعَ فيها قد سجدَ دهراً، والذاكرَ قد سبّحَ حِقباً، وهي بوابةُ العبورِ الكبرى نحو مغفرةٍ لا تتركُ من الذنبِ أثراً. تأتي هذه العشرُ لتكونَ مضمارَ السباقِ الأخير، حيث تشتدُّ العزائمُ وتسمو الهممُ فوقَ عوائقِ الجسد، إنها الأيامُ التي يُكتبُ فيها مِسكُ الختام، وتُختصرُ فيها أعمارُ القانتين، وكما أنَّ السحابةَ إذا شارفت على الرحيلِ صبّتْ آخِرَ ما في جُعبتها من مطر، كان صلى الله عليه وسلم يصبُّ في هذه الليالي من العبادة ما لا يفعله في غيرها، فكانت عبادتُه مِسكاً يُطيّبُ ختام الشهر. إنَّ هذه الليالي هي نقطةُ التماسِ بين الأرضِ والسماء، حيث تتنزلُ الملائكةُ والروحُ في موكبٍ قدسيٍّ لا ينقطعُ حتى مطلعِ الفجر، فمن غسَلَ قلبه بدموعِ الخشيةِ في محرابِ "ليلةِ القدر"، فقد استمسكَ بالعروةِ الوثقى، وخرجَ من ذنوبه كيومِ ولدته أمه، نقياً كصفحةِ الغمام، مضيئاً كبدرِ التمام. فطوبى لمن شمّرَ عن ساعدِ الجدِّ في سباقِ الخواتيم، إذ العبرة بالخواتيم، وجعلَ من بيتهِ محراباً، ومن ليلهِ معراجاً؛ فالسعيدُ من أدركته الرحمةُ وهو في حِبالِ الطاعةِ متمسك، والشقيُّ من حُرمَ فضلَ ليلةٍ هي خيرٌ من ألفِ شهر. فلتكن هذه العشرُ لنا ميلاداً جديداً، تشرقُ به شمسُ الهدايةِ في قلوبنا، وتُكتبُ بها أسماؤنا في ديوانِ العتقاءِ المقبولين. اللهم يا ربنا، قد شمرنا لك في هذه العشر، وشددنا مآزرنا طمعاً في رضاك، فلا تردنا خائبين، ولا عن بابك مطرودين. اللهم أيقظ قلوبنا من غفلتها، وأحِ ليلنا بذكرك وشكرك وحسن عبادتك. اللهم إنك عفوٌ تحب العفو فاعفُ عنا. اللهم اختم لنا شهر رمضان برضوانك، وبالعتق من نيرانك، واجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا يا أرحم الراحمين. الأستاذ الدكتور محمد محمود كالو كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات الإسلامية جامعة أجيال وتكنولوجيا الأمريكية Generations and Technology G T U