رجال سوق الجوخ الأربعة الذين أبصروا الحق

رجال سوق الجوخ الأربعة الذين أبصروا الحق يستعيد الحفيد الأستاذ الدكتور محمد فاروق النبهان -حفظه الله تعالى- من ذاكرة الطفولة الغضة مشهداً يفيضُ بالجلال، حين كان في العاشرة من عمره، يمشي في ركاب جده العارف بالله الشيخ محمد النبهان -طيب الله ثراه-. كانت الوجهة هي "المدينة"؛ ذلك السوق الحلبي العتيق الذي لا يمثل مجرد ممر للتجارة، بل هو قلب حلب النابض بالتاريخ، وشريانها الذي يتدفق بعبق الأصالة، حيث تعانق الحجارةُ رائحةَ البخور والتوابل في سيمفونيةٍ أزلية. اتجه الركب النوراني نحو "خان العلبية"، حيث يربض التاريخ في زوايا المكان، ليحلَّ الشيخ ضيفاً على الحاج سليم التبان رحمه الله تعالى، لم يكن الحاج سليم مجرد تاجرٍ في سوق، بل كان مرآةً صقيلة عكست محبة الشيخ وصدق الاتباع، فاستحق أن يكون في قلب الشيخ درةً مكنونة يخصها بجميل الثناء وعذب المودة. حين أطلَّ وجه الشيخ في رحاب الخان، اهتزت نفس الحاج سليم فرحاً، وكأنما أشرقت شمس الهداية في ضحى يومه؛ فذهل عن تجارته، وألقى بموازين الدنيا خلف ظهره، وأوقف حركة العمل وكأنَّ الزمن قد توقف إجلالاً لهذا اللقاء، كان فرحه كسيلٍ جارف غسل عناء السعي، فلم يعد يرى في الوجود إلا ملامح شيخه التي ملأت الأفق أنساً. وهنا تجلت حكمة الشيخ النبهان وتربيته الراقية، حين لم يرتضِ أن يكون سبباً في تعطيل معاشِ محبه، بكلماتٍ تنسابُ كالماء الزلال، وتجمع بين الهيبة والتواضع، قال له: "تابع عملك ولا تنشغل بي"! لقد أراد الشيخ أن يغرس في نفس تلميذه ومحبه درساً بليغاً؛ أنَّ العمل في سبيل الرزق صلاةٌ أخرى، وأنَّ تعظيم الصالحين لا يكون بترك الواجبات، بل بإتقان السعي مع حضور القلب. كان الشيخ يرى في انشغال التاجر بصدقه وأمانته محراباً لا يقلُّ قداسةً عن خلوة الذاكر، فأراد للحاج سليم أن يجمع بين بركة الزيارة ونبل العمل. لقد كانت تلك الرحلة في أزقة حلب القديمة مدرسةً سيارة للطفل الذي غدا اليوم عالماً كبيراً، حيث رأى بعينيه كيف يتواضع الكبار، وكيف تتحول الأسواق ببركة الأنفاس الصالحة إلى معاهد للتربية والأدب، فما بين هيبة الخان، وصدق التبان، وحكمة النبهان، رُسمت لوحةٌ من الوفاء تظلُّ منارةً تهتدي بها القلوب في دروب المحبة والعمل. لم تكن جولة الشيخ محمد النبهان في أزقة حلب العتيقة مجرد مرورٍ عابر، بل كانت موكباً للسكينة يتهادى في صخب الأسواق، ليحيل ضجيج البيع والشراء إلى ترانيم ذكرٍ خاشعة. فمن "خان العلبية" انطلق الركب نحو "سوق الجوخ"؛ ذلك الشريان التجاري الذي يزهو بأقمشته كما تزهو الرياض بألوانها، وهناك استقبله الحاج عبد الحميد المهندس، الذي كان لقلب الشيخ نفساً قريباً ومستودعاً للمودة الصافية. استقر الشيخ في تلك الغرفة الصغيرة المتواضعة في صدر المحل، والتي كانت في ضيقها المادي أوسع من الفضاء الرحب ببركة الجالس فيها، وسرعان ما تحولت تلك المساحة الضيقة إلى محرابٍ يفيضُ بالنور، حين استدعى الحاج عبد الحميد جيرانه من فرسان التجارة والأدب: الحاج فوزي شمسي، والحاج محمد الحمامي، والحاج أحمد الصغير، وانضم إليهم الشاب زهير النعساني (سبيع) الذي أقبل بقلبٍ غضٍّ يستقي من نبع الشيخ. تحلقوا حوله كأنهم هالةٌ حول قمرٍ منير، ووقفوا صفوفاً في حضرته بوقارٍ يظنه الرائي صلاةً؛ فما كانت الجدران لتحتوي أجسادهم، بل كانت القلوب هي التي تتسع لهذا الفيض الإلهي. لمدة ساعتين، انهمر حديث الشيخ كغيثٍ صيبٍ أصاب أرضاً طيبة، فتكلم في دقائق التوحيد، وعظيم مقام الربوبية، وجلال الألوهية، كان يبسط القول في "مرتبة العبدية"، وكأن كلماته خيوطٌ من حرير تربط قلب العبد بخالقه، مبيناً أنَّ المحبة ليست ادعاءً باللسان، بل هي ذوبانٌ في مراد المحبوب. كان الحاضرون ينصتون بأدبٍ جم، كأنَّ على رؤوسهم الطير، فلا سؤال يقطع حبل التجلي، ولا همس يشوش على موسيقى الروح المنبعثة من مذاكرته. لم يكن من عادة الشيخ -وهو الغارق في أنوار الحق- أن يسأل عن ربحٍ أو خسارة، أو تقلبات الأسواق وأحوال التجارة؛ فقد كانت الدنيا في عينه ظلاً زائلاً لا يستحق أن يشغل به بال الصادقين، كان يرى أنَّ سوق القلوب أحقُّ بالرعاية من سوق الجوخ، فبنى في نفوسهم عمارةً لا تهدمها صروف الدهر. حين انتهت الجلسة، انفضَّ الجمع وقلوبهم ممتلئةٌ بزاد التقوى، وودعهم الشيخ بفيضٍ من الرقة والود، ليعود إلى "الكلتاوية"؛ معقله الحصين الذي ينطلق منه النور ليعود إليه، ترك الشيخ خلفه سوق الجوخ وهو ليس كما كان قبل الزيارة؛ فقد غدت حوانيته مناراتٍ للقيم، وحبالُ موازينه تضبطها الآن مراقبة الله تعالى، بعد أن سقاهم من رحيق معرفته ما جعلهم يترفعون عن فناء المادة إلى بقاء الروح. لقد علمنا الشيخ النبهان في هذا اللقاء أنَّ التاجر الحقيقي هو من يبيع نفسه لله تعالى، وأنَّ المحل التجاري يمكن أن يتحول في لحظةِ صدقٍ إلى خلوةٍ ربانية تسمو بها النفوس إلى أعالي الرتب. لم تمضِ غيرُ أيامٍ ثلاثة على تلك اللقاءات المباركة في حنايا سوق الجوخ، حتى كانت بذور المعرفة التي بذرها الشيخ النبهان قد آتت أُكلها في شغاف القلوب، ففي "الكلتاوية" ذلك المرفأ الروحي الذي تهفو إليه الأرواح الظامئة، وفي مجلسه الذي يفوحُ بعبير السكينة، أطلَّت وجوهٌ ألفها الشيخ قبل أيام، لكنها عادت إليه اليوم كالعائدين من رحلةِ تيهٍ طويل إلى واحة الأمان. دخل الرجال الأربعة: الحاج فوزي، والحاج محمد الحمامي، والحاج أحمد الصغير، والشاب زهير النعساني، كانوا في ريعان العمر، تزدان وجوههم بوسامةٍ لم تكن من أثرِ نضرة الشباب فحسب، بل كانت مسحةً من ضياء الصدق بدأت تنبتُ في ملامحهم، أقبلوا على الشيخ بوقارٍ كأنَّ على رؤوسهم تيجان العفة، وسلموا عليه بأدبٍ جم، وقبّلوا يده بلهفة من وجد مفتاحاً لبوابات النور. كانوا في جلستهم بين يديه كالأسرى في حضرة الجمال، تنطقُ سكناتهم قبل كلماتهم بما حلَّ في صدورهم من تحولٍ عميق. استقبلهم الشيخ النبهان -طيب الله ثراه- بترحيبٍ حار، وفاض عليهم من كرمه الروحي ما أشعرهم بأنهم قد ملكوا الدنيا وما فيها، وخصَّهم برعايةٍ كريمة، وكأنه البستانيُّ الذي يرى براعمه الأولى قد تفتحت، فمنحهم من نظراته الحانية ما ثبّت أقدامهم في طريق المحبة. كان الشيخ يرى في هؤلاء الشباب مستقبل الدعوة وأعمدة السلوك، فعاملهم معاملة الخواص، وألبسهم من حللِ تكريمه ما جعلهم يشعرون بجمال القرب وعزة الالتزام. لقد "جاؤوا بغير ما كانوا عليه"، نعم هذه العبارة التي ذكرها الدكتور محمد فاروق النبهان؛ تختصر مآل الرحلة، لقد رحلوا من سوق الجوخ وهم يحملون أجسادهم، وعادوا إلى الكلتاوية وهم يحملون أرواحاً صُبغت بصبغةٍ جديدة. لقد غسل كلامُ الشيخ عن مقام الربوبية قلوبهم من رُكام الدنيا وغبار التجارة، وعادوا وقد تبدلت بوصلتهم؛ فبعد أن كانت تتجه نحو الربح والخسارة المادية، أصبحت تتجه نحو أفق الرضا الإلهي، كانت تحولاتهم تشبه استحالة الفحم درّاً بفعل حرارة المحبة، فما كانت تلك الأيام الثلاثة إلا فترة مخاضٍ روحي ولدوا بعدها من جديد. لقد أثبت هؤلاء الشباب أنَّ العبرة ليست في طول الصحبة، بل في صدق الاستقبال؛ فكلمةٌ واحدة من فم الشيخ كانت كفيلةً بأن تُحدث في كيانهم انقلاباً نورانياً جعلهم يتركون سوق الجوخ بأبدانهم، ليعيشوا في سوق المحبة بأرواحهم. منذ تلك اللحظة التاريخية التي عانقت فيها أرواحهم أنوار "الكلتاوية"، انفتحت أمام هؤلاء الرجال أبوابُ حياةٍ جديدة، لم يعد فيها للتردد مكان، لقد تحولت علاقتهم بالشيخ النبهان من زيارةٍ عابرة إلى ملازمةٍ تامة، فصاروا في حضرته كالأرض التي استمسكت بوابلِ المطر فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوجٍ بهيج. لقد تغير كل شيء في حياتهم؛ سلوكهم، اهتماماتهم، وحتى نظراتهم للحياة، وكأنَّ قلوبهم قد أُعيد صهرها في بوتقة المحبة النبهانية لتخرج سبائك من ذهبٍ خالص، لم يتخلفوا عن مجلسه يوماً، بل كانوا يحيطون به كإحاطة الهالة بالقمر، يستمدون منه وقود سيرهم، ويغسلون في فيضه ما قد يعلق بنفوسهم من غبار الدنيا. كان خروجهم معه كل يوم بعد العصر إلى خارج أسوار حلب يشبه انعتاق الطيور من أقفاصها نحو فضاء التأمل الرحب، حيث كانت الطبيعة تتحول بوجود الشيخ إلى كتابٍ مفتوح يقرأون فيه آيات الجمال والجلال الإلهي. لم تكن هذه الصحبة مجرد أُنسٍ روحي، بل كانت بناءً وعطاءً، فكانوا سواعد الشيخ في مشروعه العظيم: • الحاج فوزي شمسي: الذي قاد جمعية النهضة الإسلامية بروح المستنير، فكان في إدارته كالقبطان الحاذق الذي يوجه السفينة نحو شواطئ القيم. • الحاج أحمد الصغير: ذلك الرجل الذي وضع في لبنات الكلتاوية الجديدة ومدارسها نبض قلبه قبل كدِّ يمينه، فصارت جدرانها شاهدةً على صدقِ بذله وعمق ولائه. • الحاج زهير النعساني: المحب الملازم الذي حظي بمكانةٍ خاصة في قلب الشيخ، فكان حضوره نسمةً من الود تلطف المجالس، وظلت هذه المحبة إرثاً مقدساً تناقله أنجاله السبعة، ليبقى الرابط الروحي بينهم وبين الكلتاوية متصلاً كاتصال الغصن بأصله. إنَّ جيل الشيخ النبهان لم يكن مجرد حقبة زمنية، بل كان مدرسةً أخلاقيةً فريدة، تميزت بتربيةٍ روحيةٍ صقلت النفوس وهذبت الطباع، لقد رحل الكبار وبقيت آثارهم كالمسك الأذفر يفوح في أبنائهم وأحفادهم، مؤكدين أنَّ المحبة الصادقة لا تموت بموت الأجساد، بل تتحول إلى سلسلةٍ من النور تمتد عبر الأجيال. لقد كان هؤلاء الإخوان هم الصورة الحية لتربية الشيخ، فما ساروا في طريقٍ إلا ونشروا فيه عطر القيم، وما بنوا صرحاً إلا وأسسوه على تقوى من الله تعالى ورضوان. رحم الله تعالى ذلك الجيل الذي عرف قدر الرجال فأنزلوهم منازلهم، وحفظ الله تعالى أعقابهم ليكونوا خير خلفٍ لخير سلف، يحملون مشعل الوفاء في زمنٍ يحتاجُ فيه الناس إلى عبق تلك الأنفاس الطاهرة. الدكتور محمد محمود كالو كلية الآداب والعلوم الإنسانية Generations and Technology جامعة أجيال وتكنولوجيا