جزيرة العرب - مهد الحضارة الإنسانية قراءة في كتاب الدكتور معروف الدواليبي: من التأصيل التاريخي إلى المشاريع الحضارية

قراءة في كتاب الدكتور معروف الدواليبي: من التأصيل التاريخي إلى المشاريع الحضارية جزيرة العرب - مهد الحضارة الإنسانية قراءة في كتاب الدكتور معروف الدواليبي: من التأصيل التاريخي إلى المشاريع الحضارية تقديم وشكر قبل أن أدخل في صلب هذه القراءة، لا بد من وقفة تقدير وعرفان للأستاذ نوفل الدواليبي، نجل المفكر الكبير الدكتور معروف الدواليبي، الذي تفضل مشكوراً بتزويدي بنسخة من ملف الكتاب، وأكد لنا معلومة تاريخ الطبعة الأولى التي صدرت عام 1990، وهو تصحيح دقيق لمعلومة كانت شائعة خطأً بأنها 1995. هذا التعاون الكريم من أمانة العائلة العلمية يعكس حرصها على حفظ تراث الدواليبي ونشره بدقة، ويشكل نموذجاً يُحتذى في الوفاء للعلم والمفكرين. فله مني جزيل الشكر وعظيم الامتنان. تمهيد: في أهمية إعادة قراءة التاريخ يمثل كتاب "جزيرة العرب - مهد الحضارة الإنسانية: مهد نشأة فكرة الحق والقانون (المدخل إلى التاريخ العام للقانون)" للدكتور معروف الدواليبي علامة فارقة في المكتبة التاريخية والقانونية العربية. فمنذ طبعته الأولى عام 1990 (وليس 1995 كما هو شائع)، التي انبثقت من رحم نقاش أكاديمي في جامعة دمشق مطلع ستينيات القرن العشرين، حمل هذا المؤلف مشروعاً فكرياً طموحاً يتجاوز كونه مجرد كتاب دراسي لمادة "التاريخ العام للقانون". إنه بيان فكري ومنهجي يعيد تموضع الحضارة العربية في صلب الرواية الإنسانية، ليس بوصفها ناقلة أو شارحة، بل بوصفها مصدراً ومنبعاً للفكر القانوني والقيمي. يسعى الدواليبي إلى تحرير العقل الأكاديمي العربي من هيمنة السردية الأوروبية التي جعلت من اليونان وروما "الحلقة الأولى" في تاريخ البشرية، ليؤسس بديلاً علمياً يبدأ من "الواحة الأولى": جزيرة العرب وامتداداتها الحضارية بين وادي النيل والرافدين. غير أن قيمة الدواليبي لا تقف عند حدود التأليف الأكاديمي؛ فالرجل كان نموذجاً فريداً للمفكر المؤسس، الذي استطاع بفكره الرصين وخبرته السياسية العميقة أن يحول الأفكار إلى مشاريع حضارية قائمة على أرض الواقع. هو الذي جمع في شخصيته بين الشيخ والأكاديمي والسياسي، فكان رجل سلطة ناجح يعرف مفاصل الدولة وكيف تدار، وفي الوقت نفسه كان مفكراً حصيفاً يقدم إسلاماً واقعياً مرناً دون إفراط أو تفريط. ولعل الأهم في قراءة هذا الرجل ليس فقط استعراض ما ألفه، بل تتبع المشاريع الكبرى التي انبثقت عن تلك المؤلفات: المجامع الفقهية، البنوك الإسلامية، المؤسسات المتخصصة في مقاصد الشريعة، والندوات الدولية التي أعادت صياغة مفهوم حقوق الإنسان في الإسلام. أولاً: التعريف بالمؤلف: الشيخ الأكاديمي والسياسي الفيلسوف لفهم عمق هذا الكتاب، لا بد من الوقوف عند شخصية مؤلفه، الدكتور محمد معروف الدواليبي (1909-2004)، ذلك المزيج الفريد من رجل الدين، والقانوني الباريسي، والسياسي الشجاع. ينتمي الدواليبي إلى جيل الرواد الذين جمعوا بين الأصالة والحداثة. وُلِدَ في حلب لأسرة متواضعة، وتخرج في كلية الشريعة ثم كلية الحقوق بالجامعة السورية، قبل أن يوفد إلى السوربون في باريس حيث نال شهادة الدكتوراه في الحقوق. واللافت في مسيرته العلمية أن موضوع أطروحته للدكتوراه "الاجتهاد في الشريعة الإسلامية" لم يفرضه أساتذته، بل كان نتاج مجابهته الفكرية لهم. كما يقول هو نفسه: "فُرض علي الموضوع من قِبل جامعة باريس، بعد أن نقدت الكثير مما جاء في كتبهم الجامعية". هذه النزعة التصادمية مع المركزية الغربية، وهذه الثقة بالمنهج الإسلامي كأداة للتحليل والنقد، هي البذرة الحقيقية التي نمت فيما بعد لتصبح كتابه هذا. لم يكن الدواليبي أستاذاً للقانون فحسب، بل كان رئيساً للوزراء في سوريا، ووزيراً للخارجية والدفاع، ثم مستشاراً في الديوان الملكي السعودي، مما صقل لديه حس المسؤولية التاريخية والقومية. عايش ظلمات السجون وعانى من بطش الطغاة، فكانت تجربته الإنسانية مرآة صادقة لنضاله من أجل الحرية والكرامة. وقد كان حضوره في المؤسسات الدولية الإسلامية والعالمية، وعلى رأسها منظمة مؤتمر العالم الإسلامي في كراتشي، ومنظمة "الإسلام والغرب" الدولية في جنيف، فرصة لتحويل أفكاره إلى حوارات ومواثيق وبرامج عمل. رحل عن عالمه ودُفن في البقيع بالمدينة المنورة، تاركاً إرثاً من المواقف والمؤلفات التي تضع الإسلام والعروبة في قلب الحضارة الإنسانية. ثانياً: التعريف بالكتاب: من "المدخل إلى التاريخ العام للقانون" إلى تأسيس رواية بديلة صدر الكتاب في طبعاته الأولى تحت عنوان "المدخل إلى التاريخ العام للقانون" (1961، 1963)، التزاماً باسم المادة الدراسية التي كان يدرسها في كلية الحقوق بجامعة دمشق. لكن النواة الفكرية للكتاب كانت أكبر من أن تحتويها تلك التسمية الأكاديمية المحايدة. فالكتاب، الذي أعيدت صياغته وتوسيعه في طبعة لاحقة تحت عنوان "جزيرة العرب - مهد الحضارة الإنسانية" (الطبعة الأولى 1990)، هو في جوهره محاولة موسوعية لإعادة كتابة تاريخ الفكر الإنساني من منظور عربي إسلامي، معتمداً على أحدث الاكتشافات الأثرية حينها. يقع الكتاب في 544 صفحة من القطع الكبير، وهو ليس مجرد سرد تاريخي، بل هو بناء منهجي محكم يبدأ بتحديد الإطار النظري، لينتقل بعدها إلى التطبيق العملي عبر دراسة مقارنة لأعرق الحضارات الإنسانية. محتويات الكتاب الأساسية: ١. التأصيل المنهجي (ما قبل التاريخ): يناقش المؤلف حدود علم التاريخ العام للقانون، محدداً موضوعه الأساسي: دراسة نشأة "فكرة الحق" و"الوعي القانوني" لدى البشرية جمعاء، بعيداً عن الاقتصار على تاريخ قانون دولة بعينها. يتساءل عن إمكانية معرفة أوضاع البشر في عصور ما قبل التاريخ، مستعيناً بالجيولوجيا والتاريخ الطبيعي . ٢. الشرائع العربية القديمة (من النيل إلى الرافدين): يشكل هذا القسم قلب الأطروحة وأهمها. يخصص المؤلف مساحات واسعة لتحليل الشرائع المكتشفة في المنطقة الممتدة من وادي النيل إلى الرافدين، وعلى رأسها شريعة حمورابي الكنعاني البابلي. يقوم هنا بمقارنة جذرية بين فلسفة هذا القانون وبين القانون الروماني، متخذًا من "شخصية العبد" مثالاً صارخاً على التقدم الإنساني في تلك الشرائع. ففي القانون الروماني ظل العبد مجرد "شيء" لا يُعترف له بأي شخصية قانونية، بينما في شريعة حمورابي (التي تسبق القانون الروماني بأكثر من ألفي عام) نرى للعبد شخصية حقوقية تليق بإنسانيته: يملك، ويتزوج من حرة، ويورث. ٣. حضارات الشرق الأدنى والشرق الأقصى: ينتقل المؤلف إلى جولة مقارنة في الحضارات الكبرى: · الهند: يدرس "قانون مانو" ونظام الطبقات، ناقلاً صوراً عن القسوة في العقوبات التي كانت سائدة قبل الإسلام. · الصين: يحلل فلسفة الحكم لدى "كونفوشيوس" و"لاو تسي"، وطبيعة الصراع بين القانون الوضعي والعرف، مبرزاً خصوصية التجربة الصينية التي قامت على الأخلاق والنظام الإمبراطوري أكثر من القوانين المكتوبة. · اليونان: يقدم تحليلاً تاريخياً لأطوار الحكم من عهد الملوك إلى الديمقراطية، مع تفنيد فكرة "المعجزة اليونانية" من خلال تتبع جذور الفلسفة والعلوم اليونانية التي اقتبسها الإغريق عن مصر وفينيقيا . وينقل عن هيرودوت (أبو التاريخ) اعترافه بأن الفينيقيين أدخلوا إلى اليونان صناعات كثيرة، منها صناعة الكتابة التي اقتبسها الإغريق عنهم. ٤. روما بين التأثير العربي والهوية اللاتينية: يكرس الدواليبي مساحة مهمة لتحليل تاريخ القانون الروماني، لكنه يسبق ذلك بدراسة وافية عن الإيتروسكين (التوسكانيين)، الذين حكموا روما في عهد ملوكها. يذهب إلى أن هؤلاء هم هجرة عربية فينيقية، وأنهم نقلوا إلى إيطاليا فنون العمارة والحكم والدين. يصل به التحليل إلى العهد الإمبراطوري، مسلطاً الضوء على الأباطرة الفينيقيين العرب (مثل أسرة سبتيم سيفير من حمص) ودورهم الكبير في تحديث القانون الروماني ومنح الجنسية لسكان الإمبراطورية. ٥. العهد الجمهوري وقانون الألواح الاثني عشر: يتناول بداية التشريع المكتوب في روما، ويشير إلى أن هذا العهد هو الذي وضع أول تشريع مكتوب وأعلنه في اثني عشر لوحاً سنة 449 قبل الميلاد. ثالثاً: قراءة تحليلية شاملة للمضامين والإشكاليات ١. إشكالية المركزية الأوروبية وتفكيكها يبدأ الدواليبي معركته الفكرية من الصفحات الأولى، مستشهداً باقتباسات صارخة للمؤرخ الغربي "سير هنري مين" الذي قال: "إذا استثنينا قوى الطبيعة العمياء، لم نجد شيئاً يتحرك في هذا العالم إلا وهو يوناني"، وفي قول آخر له: "جميع الأمم المتحضرة اليوم مستعمرات لبلاد اليونان في كل ما يتصل بالنشاط الذهني". هذا الاقتباس ليس عابراً، بل هو الخصم الذي يصوغ ضده المؤلف أطروحته. يعتبر الدواليبي أن هذه النظرة لم تعد مقبولة علمياً بعد اكتشافات القرن العشرين الأثرية، التي أثبتت وجود شرائع متكاملة (كشريعة حمورابي) تسبق القانون الروماني بأكثر من ألفي عام، وتتمتع بنضج قانوني يفوقه في أحيان كثيرة. ويستشهد الدواليبي بمؤلف "قصة الحضارة" ويل ديورانت الذي يرد على ذلك كله قائلاً: "إن قصة الحضارة تبدأ في الشرق... وكم مما لدينا من علوم". ٢. منهج "التاريخ الصاعد" وتأريخ الفكرة لا الحدث ما يميز منهج الدواليبي هو إصراره على "الصعود" بالتاريخ إلى أقصى نقطة ممكنة، بدلاً من "النزول" من روما. يقول في هذا الصدد: "لذلك كان من المحتوم عليّ في كتابي هذا عن التاريخ العام للقانون: أن أصعد في التاريخ ما استطعت الصعود، وكلما أسعفتني الوثائق والآثار؛ أن أبدأ الحلقة الأولى التاريخية بالشرائع التي ظهرت فيما بين النيل إلى الرافدين، والتي يرجع عهد وثائقها إلى الألف الثالثة قبل الميلاد على الأقل". إنه لا يبحث عن تأريخ المعارك أو الملوك، بل يبحث عن تأريخ الفكرة. فكرة الحق، والعدالة، والملكية، والعقاب. هذا المنهج يسمح له بأن يقرأ الحضارات قراءة فلسفية، ويقارن بينها على أساس القيم والمبادئ لا على أساس القوة والسلطان. مقارنته بين شخصية العبد في قانون حمورابي والقانون الروماني خير مثال: فرؤية حمورابي للعبد كإنسان له حق الزواج من حرة والتملك والميراث، مقابل رؤية الرومان له كـ"شيء"، تكشف عن فارق جوهري في النضج الإنساني. ٣. القومية العربية كإطار علمي لا أيديولوجي يصر الدواليبي على تسمية الأشياء بمسمياتها العربية. فهو لا يتحدث عن "الحضارة السامية" كمصطلح غربي فضفاض، بل يتحدث عن "الشعوب العربية القديمة" في مصر وبابل وكنعان وآشور. يقول في مقدمة كتابه: "وسوف نرى أنها جميعها ترجع إلى أصول ورسومات عربية لا شك فيها... لذلك فإن الواجب يقتضينا، وخاصة في هذه الظروف من تاريخنا القومي، أن نكشف عن حقيقة ونسميها باسمها العربي الصريح" يرى أن الاكتشافات الأثرية واللغوية تثبت أن الأصل واحد، وأن الوحدة العنصرية واللغوية هي التي تفسر وحدة الحضارة في هذه المنطقة الشاسعة. يقدم أدلة من أقوال علماء مصريات كـ"أحمد كمال" حول وحدة الأصل بين المصرية والعربية ، وأقوال "والاس بدج" عن هجرات من الجزيرة إلى مصر حيث يقول: "إن الذين ملكوا مصر ووضعوا شرائعها منذ البدء جماعات هاجروا إليها من المشرق منذ بضعة آلاف من السنين قبل التاريخ المسيحي" . هذا الطرح القومي ليس عصبياً، بل هو محاولة لإعادة الاعتبار لهوية صُنّاع الحضارة الذين طُمست أسماؤهم تحت مسميات "شرق أدنى قديم" أو "هلال خصيب" المجردة من الهوية. ٤. "العروبة" والإسلام: استمرارية الحضارة من اللافت في الكتاب أنه يتعامل مع "العروبة" كحضارة متصلة الحلقات، تمتد من سومر ومصر القديمة، مروراً بفينيقيا وقرطاج، وصولاً إلى الإسلام. الحضارة الإسلامية ليست، في هذا السياق، وافداً جديداً، بل هي وريثة شرعية لهذه الحضارة الأم، تعيد صياغتها في قالب توحيدي. عندما يتحدث عن "العرب الفينيقيين" في قرطاج، و"العرب الإيتروسكين" في إيطاليا، وعائلة "سيفير" العربية التي حكمت روما، إنما يرسم خريطة متكاملة للوجود العربي وتأثيره في العالم القديم، ليؤكد أن الإسلام لم يخلق أمة من العدم، بل جاء ليُتمم مسيرة أمة عريقة في التاريخ والحضارة. ٥. التأثيرات المتبادلة بين الحضارات لا يغفل الدواليبي التأثيرات المتبادلة بين الحضارات، فيشير إلى أن الحضارة الإيجية (المنية) التي ظهرت في جزيرة كريت منذ بداية الألف الثالث قبل الميلاد، قد تأثرت بحضارة مصر القديمة في الدرجة الأولى، وبحضارة العراق القديم . كما ينقل عن اليونانيين أنفسهم اعتقادهم بأن عناصر كثيرة من حضارتهم قد جاءتهم من مصر وفينيقيا . رابعاً: من النظرية إلى التطبيق: المشاريع الحضارية التي انبثقت عن فكر الدواليبي هنا تبرز القيمة الحقيقية للدواليبي كمفكر مؤسس. فكتابه "جزيرة العرب" لم يكن مجرد عمل أكاديمي، بل كان بيان مشروع النهضة الذي كتبه رجل خبر الواقع وعرف مفاصل الدولة ورأى كيف تُدار. يمكننا تلمس بصماته الملموسة في المشاريع التالية: ١. حقوق الإنسان في الإسلام: الندوة التاريخية بوزارة العدل السعودية (١٩٧٢) تعد هذه الندوة أوثق بصمة موثقة للدواليبي في مجال حقوق الإنسان. ففي عام ١٩٧٢، وصل إلى المملكة العربية السعودية وفد حقوقي أوروبي رفيع المستوى يضم: · سين ماك برايد: وزير خارجية أيرلندا الأسبق، والرئيس السابق لاتحاد المجلس الأوروبي · ك. فاساك: أستاذ القانون العام ومدير قسم حقوق الإنسان في المجلس الأوروبي · المستشرق لاووست: أستاذ في الكوليج دو فرانس بباريس كان هدف الوفد التعمق في فهم مفهوم حقوق الإنسان في الإسلام. وقد نظمت وزارة العدل السعودية ثلاث ندوات لهذا الغرض، وكان الدواليبي عضواً أساسياً في الوفد العلمي السعودي الذي واجه أسئلة الوفد الأوروبي الصعبة حول اعتماد التشريع الإسلامي على القرآن فقط رغم تطور الزمن، وقضية العقوبات والحدود، وقضية المرأة، وغياب الدستور المكتوب. ما يميز هذه الندوة أنها لم تكن مجرد لقاء بروتوكولي، بل كانت مواجهة فكرية عميقة، حيث اعترف الوفد الأوروبي بأنهم أتوا خصيصاً "لتعميق مفاهيمهم فيما يتعلق بحقوق الإنسان في الإسلام". وقد أثمرت هذه الندوة عن إعجاب الوفد الأوروبي بما سمعوا، وطلبهم توثيق هذه الحقائق لتصحيح صورة الإسلام في الغرب. هذه الندوة تمثل تجسيداً عملياً لرؤية الدواليبي: الإسلام ليس بحاجة إلى استيراد حقوق الإنسان من الغرب، بل لديه من المقومات ما يفوق المواثيق الدولية. ٢. الحوار الحضاري والتقديم العالمي للإسلام تتجلى بصمة الدواليبي هنا في موقعه القيادي كـرئيس لمنظمة مؤتمر العالم الإسلامي في كراتشي بباكستان، وهي مؤسسة أسسها الملك عبد العزيز آل سعود. هذا الموقع لم يكن تشريفياً، بل كان وظيفياً، حيث قاد الدواليبي حواراً إسلامياً مع الغرب من خلال ترؤسه منظمة "الإسلام والغرب" الدولية ومركزها جنيف بسويسرا، ومشاركته في ندوات دولية في باريس والفاتيكان ومجلس الكنائس العالمي في جنيف ومجلس وزراء الوحدة الأوروبية في ستراسبورغ. اللافت أن كتابه "نظرات إسلامية" (١٩٧٩) كان خلاصة لهذه اللقاءات والحوارات، أي أنه كتاب وُلد من رحم المواجهة الفكرية لا من برج أكاديمي عاجل. ٣. مقاصد الشريعة والاجتهاد: تأسيس المنهج الدواليبي كان رائداً في تقديم "الاجتهاد" كمشروع متكامل، ليس مجرد مفهوم فقهي. ففي تحليله العميق، قارن بين الاجتهاد في الإسلام والاجتهاد في القانون الروماني والغربي، وخلص إلى أن الاجتهاد في القانون الروماني كان محدوداً بفترات قصيرة ثم قضت عليه الإمبراطورية، وأن القانون الوضعي الحديث ظل عاجزاً عن وضع "قواعد للتفسير والاجتهاد" رغم محاولاته المتكررة. أما في الإسلام، فالاجتهاد مصدر رابع للتشريع، له قواعده العلمية المنطقية، ويميز بين الآراء المقبولة والأهواء المرفوضة. هذا التأصيل المنهجي هو ما مهد لقيام المجامع الفقهية والمؤسسات المتخصصة في مقاصد الشريعة، لأنه أعطى الشرعية العلمية للاجتهاد الجماعي المؤسسي بدلاً من الاجتهادات الفردية المبعثرة. ٤. التأسيس المؤسسي والمناهج الأكاديمية لا يمكن إغفال بصمة الدواليبي في تأسيس المناهج الدراسية في كليات الحقوق والشريعة. فكتابه "المدخل إلى علم أصول الفقه" (١٩٥٩) كان كتاباً مقرراً في جامعة دمشق. هذا يعني أنه درب أجيالاً من المحامين والقضاة على فهم العلاقة بين الشريعة والقانون. ٥. البنوك الإسلامية: التأصيل قبل الإنشاء أما في مجال البنوك الإسلامية، فبصمة الدواليبي غير مباشرة لكنها جوهرية. فالبنوك الإسلامية لم تكن لتوجد دون تأصيل شرعية المعاملات المالية الحديثة اجتهاداً في إطار المقاصد، وتقديم نموذج مقارن يثبت أن الإسلام يمتلك أدوات للتعامل مع الاقتصاد المعاصر، وتخريج كوادر تجمع بين الفقه والقانون. ومع أن البنوك الإسلامية بدأت تظهر فعلياً في السبعينيات (بنك دبي الإسلامي ١٩٧٥)، إلا أن الأرضية الفكرية كانت قد مُهدت بجهود رواد كالدواليبي. خامساً: خلاصة البصمة - في تحويل الفكرة إلى مؤسسة ما يميز الدواليبي عن غيره أنه لم يترك أفكاره حبيسة الكتب، بل سعى إلى: ١. توظيف موقعه السياسي (رئيس وزراء، وزير، مستشار ملكي) لفتح أبواب المؤسسات ٢. الدخول في حوار مباشر مع الغرب في عواصمه (باريس، جنيف، الفاتيكان) ٣. توثيق هذه الحوارات ونشرها لتصبح متاحة للأجيال القادمة ٤. المشاركة في صناعة القرار داخل مؤسسات إسلامية كبرى (مؤتمر العالم الإسلامي) وقد تجسدت هذه الرؤية في شخصه الذي جمع بين الأكاديمي المرموق ورجل الدولة المحنك، مما أهله لأن يكون جسراً بين العالم الإسلامي والغرب، وبين التراث والمعاصرة. إنه نموذج للمفكر الذي لا يكتفي بالتنظير، بل ينزل إلى ميادين العمل فيحول الأفكار إلى واقع ملموس. خاتمة: قيمة الكتاب وأثره يبقى كتاب "جزيرة العرب - مهد الحضارة الإنسانية" للدكتور معروف الدواليبي مشروعاً فكرياً رائداً لم يأخذ حقه الكافي من الدراسة والتدريس في الأكاديميات العربية. قيمته لا تكمن فقط في المعلومات التي يقدمها، والتي قد تحتاج اليوم إلى تحديث بضوء اكتشافات أحدث، بل تكمن في المنهج والشجاعة الفكرية. إنه كتاب يحرر العقل من عقدة التفوق الغربي، ويدعو إلى قراءة التاريخ من الداخل، بمنظار الهوية، وبأدوات علمية رصينة. وفي ختام كتابه، يلخص الدواليبي هدفه الأسمى قائلاً: "وسوف نرى في كتابنا هذا، وهو مدخل خاص بالتاريخ العام للقانون، مقدار الخطأ الفاحش أمام التاريخ والعلم، إذا ابتدأنا تاريخ نشأة القانون من أثينا وروما كما جرت العادة من قبل، وأهملنا مصر وبابل وكنعان، وأشور وبلاد آرام، مما هو عربي لا شك في أصوله، وفوق اليونان والرومان في إبداعه وابتكاره". إنه دعوة للباحثين العرب لمواصلة المسير في هذا الدرب، والبحث في "الوثائق" و"الآثار" عن بصمات أجدادهم، لا على سبيل الفخر القبلي، بل على سبيل المسؤولية العلمية والحضارية. فالكتاب يذكرنا بأن الحضارة الإنسانية ليست تركة أحد، بل هي بناء تراكمي، كان للعرب فيه قدم الصدق منذ فجر التاريخ. وإذا كان الدواليبي قد رحل عن دنيانا، فإن مشروعه الفكري والمؤسسي لا يزال حياً في كل كلية حقوق تدرس أصول الفقه، وفي كل مجمع فقهي يناقش نازلة العصر، وفي كل بنك إسلامي يبحث عن صيغة شرعية مبتكرة، وفي كل ندوة دولية تعيد تعريف حقوق الإنسان من منظور إسلامي. تلك هي البصمة الخالدة: تحويل الفكر إلى واقع، والأفكار إلى مؤسسات. وختاماً، أكرر الشكر والتقدير للأستاذ نوفل الدواليبي على تعاونه الكريم وتزويده بالمعلومات الدقيقة التي ساهمت في إخراج هذه القراءة بصورة أكثر دقة وموضوعية، سائلين المولى أن يحفظ تراث والده وينفع به الأمة. بقلم الدكتور محمد سعيد(شادي)مصطفى أركي كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات الإسلامية جامعة أجيال وتكنولوجيا Generations and Technology University https://gtuedu.org/