مراجعة نقدية للسردية التاريخية للانتصارات في العالم العربي خلال القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين بقلم الدكتور مروان بحري Mervan Bahri يمثل الخطاب السائد حول "الانتصارات" العربية في التاريخ الحديث موضوعاً لإشكالية تحليلية عميقة، حيث تتعارض السرديات الرسمية في كثير من الأحيان مع النتائج الواقعية على الأرض. تقدم هذه الورقة قراءة نقدية للتطورات السياسية والعسكرية الكبرى التي مُنحت صفة "الانتصار" في الخيال الجماعي أو الخطاب السياسي، بهدف تحليل الفجوة بين المكاسب الرمزية أو الخطابية والنتائج الجيوسياسية الملموسة. مقدمة: يثير مفهوم"النصر" في التاريخ السياسي العربي المعاصر تساؤلات حول معايير تعريفه وقياسه. فبينما يتم تقديم أحداث تاريخية معينة ضمن إطار سردي انتصاري، فإن التحليل الموضوعي للعواقب طويلة المدى يكشف عن تعقيدات وتناقضات تتطلب فحصاً دقيقاً يتجاوز الخطاب السطحي. تحليل الأحداث في إطارها التاريخي: .1 انهيار الدولة العثمانية واتفاقية سايكس بيكو (بداية القرن العشرين): غالباً ما يُصوّر الدور العربي في الحرب العالمية الأولى تحت عنوان "الثورة العربية الكبرى" على أنه تحرر من الحكم العثماني. غير أن النتيجة الفعلية لم تكن قيام دولة عربية موحدة كما كان مُتوقعاً، بل تمخضت عن إعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة وفقاً لاتفاقية سايكس بيكو (1916)، مما أدى إلى تأسيس كيانات دولة قطرية تحت الانتدابين البريطاني والفرنسي، وهي نتيجة تتعارض مع الأهداف المعلنة للتحرر والوحدة. .2 حرب 1948 (النكبة): يُعتبر التفسير الخطابي لهذه الحرب مثالاً صارخاً على الفجوة بين السردية والواقع. فبينما ركزت السرديات الرسمية لبعض الأنظمة على "حماية العروش" و"إفشال المخططات الإمبريالية" بشكل مجرد، كانت النتيجة المادية المباشرة هي إعلان قيام دولة إسرائيل وحدوث النكبة الفلسطينية، التي تمثلت في تشريد معظم السكان الفلسطينيين وتدمير بناهم الاجتماعية والسياسية. .3 أزمة السويس (العدوان الثلاثي) 1956: حيث يمكن تفسير نتيجته على أنه إنجاز دبلوماسي وسياسي لمصر. أدى الضغط الدولي، خصوصًا من قبل الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، إلى انسحاب القوات البريطانية والفرنسية والإسرائيلية، مما عزز من شرعية نظام عبد الناصر الإسماعيلي العسكري وموقعه القيادي الإقليمي في تلك الفترة. .4 حرب 1967 (النكسة): تشكل هذه الحرب نقطة تحول جوهرية. فالسردية الرسمية التي ادعت "منع" إسرائيل من احتلال العواصم العربية تتجاهل حقيقة أن النتيجة كانت احتلالاً إسرائيلياً لشبه جزيرة سيناء وقطاع غزة والضفة الغربية والجولان، مما مثل نكسة عسكرية وسياسية كبرى ذات تبعات مستمرة حتى اليوم. .5 أحداث أيلول/سبتمبر 1970 في الأردن: يُصوّر هذا الصراع الداخلي في الخطاب الرسمي الأردني على أنه دفاع عن سيادة الدولة ضد فصائل مسلحة خارج سيطرة الدولة. بينما يُنظر إليه من جانب فلسطيني ومعارض على أنه قمع للحركة الوطنية الفلسطينية. تظهر الحادثة صراعاً بين مشروعي الدولة القطرية والحركة التحررية، مع نتائج ديموغرافية وسياسية عميقة على القضية الفلسطينية. .6 حرب 1973 (حرب أكتوبر): حققت الجيوش المصرية والسورية إنجازات تكتيكية مبكرة ومهمة، كسرت حالة الجمود. غير أن السردية الانتقالية حوّلت النتيجة الاستراتيجية المتمثلة في عدم تحقيق تحرير كامل للأراضي المحتلة إلى "انتصار" أدى إلى إعادة الاعتبار العسكري والسياسي، ومهد لمسار دبلوماسي (كامب ديفيد) غير مسبوق مع إسرائيل. .7 اجتياح لبنان 1982 وغزو العراق 2003: يتم تقديم خروج الفصائل الفلسطينية من بيروت في إطار استعادة سيادة الدولة اللبنانية، لكنه جاء في سياق احتلال إسرائيلي للجنوب. أما غزو العراق 2003، والذي قادته الولايات المتحدة، فيمثل حالة معقدة حيث أن إسقاط النظام هناك، رغم ترحيب بعض الأطراف الإقليمية به إلا أنه أدى إلى إضعاف الموقف الجيوسياسي العربي بشكل عام وفتح الباب لنفوذ إقليمي غير عربي، متسبباً في عدم استقرار دائم. .8 الممارسات السياسية الداخلية: يسجل الباحثون أنماطاً من الممارسات السياسية في العديد من الأنظمة العربية، مثل الاستفتاءات التي تحقق نتائج شبه الإجماع وتمديد فترات الرئاسة، مما يطرح تساؤلات حول طبيعة التعددية السياسية ومبدأ التداول السلمي للسلطة. .9 الربيع العربي (2011): مثلت هذه الاحتجاجات تحولاً جوهرياً حاول تغيير البنى السياسية ،لكن يمكن تحليل عواقبها على مستويين: المستوى الأول هو تمكين صوت الشعوب وكسر حاجز الخوف، والمستوى الثاني هو التداعيات الكارثية في دول مثل سوريا وليبيا واليمن، التي أدت إلى حروب أهلية وتدخلات خارجية وتشريد ملايين المدنيين، مما يعقد أي تقييم بسيط لها كـ"انتصار" أو "هزيمة". خاتمة: يكشف تحليل هذه المحطات التاريخية عن وجود هوة بين السرديات الانتقالية والنتائج الجيوسياسية والاجتماعية الملموسة. يشير هذا التناقض إلى ضرورة تبني منهجية نقدية في قراءة التاريخ العربي الحديث، تركز على التحليل الموضوعي للسياقات والتداعيات بدلاً من تبني الخطابات الشعبوية أو الرسمية بشكل غير نقدي. إن مسألة تقييم "من انتصر؟" و"ماذا يعني النصر؟" تبقى أسئلة مركزية تتطلب إجابات تتعدى التبسيط والسرديات المُعلبة، للوصول إلى فهم أعمق لتحديات الدولة والمجتمع في العالم العربي. بقلم الدكتور مروان أحمد بحري مع تحيات كلية العلوم السياسية Generations and Technology University جامعة اجيال وتكنولوجيا