قراءة في كتاب "دور المسلمين في بناء الحضارة الإنسانية في القانون" للدكتور محمد معروف الدواليبي أولاً: التعريف بالكاتب الدكتور محمد معروف الدواليبي (1907-2004م) هو أحد أبرز علماء الشريعة والقانون في العالم الإسلامي المعاصر. ولد في حلب، سوريا، وتلقى تعليمه في الجامعات السورية ثم الفرنسية، حيث حصل على الدكتوراه في الحقوق من جامعة باريس، كما نال دبلوماً في الحقوق الكنسية، مما أتاح له فهماً عميقاً للنظم القانونية الغربية إلى جانب إتقانه للشريعة الإسلامية. تقلد الدواليبي رحمه الله تعالى مناصب رفيعة متعددة: كان رئيسا للوزراء في سورية عدة مرات ورئيس للبرلمان، وتولى عدة مناصب وزارية في اوقات مختلفة. و كان مستشارا في الديوان الملكي السعودي. وانتدبه الملك فهد لاجتماع للأمم المتحدة في جنيف يخص الأديان. كان ايضاً رئيساً لمؤتمر العالم الاسلامي، و رئيس للمؤتمر الاسلامي الشعبي في بغداد، ورئيساً للإسلام والغرب. وكذلك عضو في رابطة العالم الاسلامي. . غير أن أهم إنجازاته كانت قيادته للوفد السعودي العلمي في سلسلة الندوات الحوارية مع الكنيسة الكاثوليكية والمجلس الأوروبي ومجلس الكنائس العالمي خلال السبعينيات، والتي وثقت في كتابه الأول "ندوات علمية حول الشريعة الإسلامية". تميز الدواليبي بمنهجية فريدة في عرض الإسلام للغرب، اعتمدت على اللغة العلمية المشتركة والاستناد إلى مصادر غربية لتدعيم الحقائق الإسلامية. ثانياً: أهمية الكتاب وأهدافه يأتي كتاب "دور المسلمين في بناء الحضارة الإنسانية في القانون" كوثيقة فكرية متكاملة، تسعى إلى تحقيق عدة أهداف رئيسية: 1. إثبات سبق العرب والمسلمين في مجال القانون والتشريع، وذلك من خلال عرض تاريخي مقارن يضع الشريعة الإسلامية في سياقها الحضاري العالمي. 2. تقديم الإسلام كنظام بديل صالح للعالم المعاصر، خاصة بعد فشل النظم العالمية السائدة (الرأسمالية والاشتراكية) في تحقيق السلام والعدالة. 3. تصحيح الصورة النمطية عن الشريعة الإسلامية، التي ظل الغرب يصورها على أنها نظام قاسٍ متخلف، من خلال إظهار ما كانت عليه الشرائع القديمة من وحشية حقيقية. 4. بناء جسر من التفاهم بين الإسلام والحضارة الغربية، من خلال استخدام لغة علمية مشتركة والاستشهاد بمصادر غربية معترف بها (مثل جورج سارتون، وجواهر لال نهرو، وأساتذة الجامعات الأوروبية). 5. تأكيد عالمية الإسلام وصلاحيته لكل زمان ومكان، من خلال إبراز مبادئه الكلية التي تتجاوز حدود الزمان والمكان. ثالثاً: هيكل الكتاب ومنهجيته 1.الهيكل العام ينقسم الكتاب – باعتباره محاضرة متكاملة – إلى وحدات موضوعية مترابطة: · مقدمة: يضع فيها الكاتب الإطار الفكري العام للمحاضرة، مستهلاً بقرار الأمم المتحدة عام 1975 الذي أعلن عدم صلاحية النظامين الرأسمالي والاشتراكي لإقامة السلام، ويطرح الإسلام كبديل. · الميزات الأساسية للشريعة الإسلامية: يحدد ثلاث خصائص تميزها عن القانون الوضعي. · النظرة الكلية للإسلام: يشرح فكرة أن الشريعة جزء من نظرة شاملة لله والكون والإنسان. · العرض التاريخي المقارن: يستعرض بالتفصيل أوضاع الشرائع القديمة في الهند واليونان وروما. · إصلاحات الإسلام الجذرية: يعرض كيف غيّر الإسلام هذه الأوضاع. · تطبيقات عملية: يقدم نماذج من واقع السيرة النبوية التي جسّدت هذه المبادئ. · خاتمة: يختتم بنص خطبة حجة الوداع كخلاصة جامعة لمبادئ الإسلام الإنسانية. 2. المنهجية المتبعة يتميز الكتاب بمنهجية علمية واضحة تقوم على: · المنهج المقارن: مقارنة الشريعة الإسلامية بالشرائع القديمة في نقاط محددة (نظام الطبقات، وضع المرأة، ألوان العقاب، إلخ). · المنهج التاريخي: تتبع تطور الأفكار القانونية عبر الحضارات المختلفة. · المنهج الوثائقي: الاستناد إلى مصادر متنوعة: نصوص شرعية، مؤرخين غربيين، زعماء سياسيين (نهرو)، وقوانين مكتوبة. · المنهج الاستقرائي: استخلاص المبادئ العامة من النصوص الجزئية. · التوثيق بالمصادر الغربية: وهي سمة بارزة في فكر الدواليبي، حيث يستشهد بكبار المستشرقين والمؤرخين الغربيين لتدعيم موقفه. رابعاً: عرض كامل لنقاط الكتاب 1. المقدمة: السياق الفكري يستهل الدواليبي محاضرته بالإشارة إلى كتابه السابق "جزيرة العرب مهد الحضارة الإنسانية الأولى"، وما نقله فيه عن المؤرخ الكبير جورج سارتون (مؤلف "تاريخ العلم") من أن العرب قادوا العالم في مرحلتين حضاريتين طويلتين: الأولى قبل اليونان والرومان بألفي سنة، والثانية في العصور الوسطى أربعة قرون. ويشير إلى أن الدعوة لهذه المحاضرة جاءت بناءً على طلب من مركز الملك فيصل للبحوث، لاستكمال ما بدأه في كتابه عن سبق العرب قبل الإسلام، بالحديث عن سبق المسلمين في الشريعة والقانون بعد الإسلام. 2. الميزات الأساسية للشريعة الإسلامية يحدد الدواليبي ثلاث ميزات جوهرية تميز الشريعة الإسلامية عن القانون الوضعي: أولاً – في المصادر: الشريعة الإسلامية تبدأ بمصدر إلهي هو القرآن الكريم، بينما تبدأ الشرائع الوضعية من إرادة البشر. ثانياً – في المحتوى: الشريعة الإسلامية تبدأ بوجوب الإيمان بالله والعمل بشريعته، وهذا يجعلها تشمل جوانب روحية وأخلاقية تتجاوز التنظيم المادي للحياة. ثالثاً – في الضمانات: الشريعة الإسلامية تتجاوز الضمانات المادية والجزائية الدنيوية إلى ضمانات إلهية في الآخرة (ثواب وعقاب)، مما يجعل أثرها في سلوك الإنسان أعمق وأكثر رسوخاً. 3.النظرة الكلية للشريعة في الإسلام يؤكد الدواليبي على فكرة مركزية في فكره: أن نظرة الإسلام إلى الشريعة هي "نظرة جزئية" من أصل "نظرة كلية" تشمل الله والكون والإنسان. وهذا يعني: · أن الشريعة في الإسلام لا تنفصل عن العقيدة. · أن كل ما يتصل بالإسلام ويرجع إلى قيمه الإسلامية هو جزء من هذه النظرة الكلية. · أن مفهوم "الفقه في الدين" في الإسلام يشمل العلم بما للإنسان وما عليه في الدين والدنيا معاً. · يستشهد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". 4. العرض التاريخي المقارن: الشرائع القديمة هذا القسم يشكل الجوهر التحليلي للكتاب، حيث يقدم الدواليبي دراسة مقارنة واسعة لأوضاع القانون قبل الإسلام. (1). النظام العام في الحضارات القديمة يصف الدواليبي العصر الذي ظهر فيه الإسلام بأنه كان مليئاً بمعاني القسوة والبربرية، قائماً على: · حب الذات والاستئثار: حيث كانت كل جماعة تتمتع بحقوق على حساب غيرها. · نظام الطبقات: امتياز البراهمة على المنبوذين في الهند، والأشراف على العامة في اليونان وروما. · امتياز جنس الرجل على المرأة: لدى جميع الشعوب. · امتياز الدين واللون: في الحقوق بين الناس. (2). شريعة مانو الهندية يخصص الدواليبي مساحة كبيرة لعرض شريعة مانو الهندية (قوانين مانو) التي تعود إلى حوالي القرن الثاني قبل الميلاد: · نظام الطبقات الصارم: البراهمة (الكهنة) في القمة، ثم الكشاتريا (المحاربون)، ثم الفيشيا (التجار والفلاحون)، ثم الشودرا (الخدم)، وأخيراً المنبوذون (الذين لا طبقة لهم). · امتيازات البراهمة: إعفاء أراضيهم من الضرائب، ولو نضبت خزائن الدولة. يقول مانو: "كل ما هو كائن في الوجود هو ملك للبراهمة". · تحريم الزواج من خارج الطبقة: لا يجوز للبرهمي أن يتزوج من طبقة أدنى. · حرمان المرأة من الميراث: كان كل الميراث يذهب للذكور دون الإناث. · ألوان العقاب القاسية: يسرد الدواليبي تفاصيل مروعة عن أساليب التعذيب في الهند القديمة، مستنداً إلى وثائق تاريخية: · بتر الأنوف والآذان · فقء العيون · صب الرصاص المصهور في الحلوق · تهشيم العظام بمطارق خشبية · إحراق الأجساد بالنار · نشر الناس بالمناشير أحياء · قطع الأجساد أجزاء · إلقاؤهم تحت أقدام الفيلة لتدوسهم · رميهم فريسة للحيوانات المفترسة الجائعة "كمشهد من مشاهد التسلية والأعياد" ينقل الدواليبي شهادة جواهر لال نهرو في كتابه "اكتشاف الهند": "أما وضع المرأة القانوني وفقاً لما يقوله مانو، فقد كان سيئاً من غير ريب، وكن يعتمد دائماً على الأب، أو الزوج، أو الابن... وعلى أية حال فقد كانت حال المرأة في الهند القديمة أفضل من حالها في بلاد اليونان القديمة، أو في رومة القديمة، أو في عهود النصرانية الأولى". (3). شريعة دراكون اليونانية ينتقل الدواليبي إلى اليونان، حيث يصف شريعة دراكون (القرن السابع قبل الميلاد) التي أصبح اسمها علماً على القسوة في اللغات الأوروبية: · جمعت شريعة دراكون في قوانينه كل ما كان في نظام الإقطاع من عادات وحشية. · قيل فيها: "إنها قد كتبت بالدم". · اشتدت قسوتها حتى جعلت واضعها رمزاً للقسوة في اللغات الأوروبية. (4). شريعة الألواح الاثني عشر الرومانية يصف الدواليبي هذه الشريعة الرومانية (القرن الخامس قبل الميلاد) بأنها "أشد قسوة وبربرية"، وينقل عن أستاذ الحقوق الرومانية في جامعة باريس قوله: "إننا في الحقيقة أمام تشريع بربري يبرهن لنا في قضايا المدنيين العاجزين عن وفاء الدين، على قساوة لا رحمة فيها". ويتضح هذه القسوة من خلال: · استرقاق المدين العاجز عن الوفاء من قبل الدائن. · الفصل بين المدين المسترق وبين زوجته وأولاده. · حق الدائن في بيع المدين أو قتله. · إذا تعدد الدائنون، فلهم الحق في تقطيع جسم المدين إرباً إرباً وهو حي. ويذكر الدواليبي مشاهد الأعياد في رومة القديمة، حيث كانوا يقدمون الأسرى والمحكومين والمسترقين أحياء طعاماً للوحوش الجائعة في المدرجات، "مع القهقهة مما يرون من فنون الوحشية التي أعدها الإنسان لأخيه الإنسان". (5). وضع المرأة في الشريعة الرومانية يخصص الدواليبي فقرة خاصة لوضع المرأة في القانون الروماني، حيث كان: · عدم الاعتراف بأية أهلية حقوقية للمرأة. · وضع المرأة تحت الوصاية الدائمة بسبب جنس الأنوثة، لا فرق بين صغرها أو بلوغها سن الرشد. · المرأة دوماً تحت وصاية الأب أو الزوج. · لا تملك المرأة أية حرية في تصرفاتها. · المرأة كانت في الجملة موروثة لا وارثة. ويشير إلى أن آثار هذه الشريعة امتدت حتى اليوم في كثير من الدول الحديثة المتأثرة بالقانون الروماني. 5. خصائص النظام العالمي قبل الإسلام يخلص الدواليبي إلى أن العصر الذي ظهر فيه الإسلام كان: · مليئاً بجميع معاني القسوة والبربرية. · محكوماً بنظام الطبقات والامتيازات غير الإنسانية. · غارقاً في حروب بربرية دائمة بين الشرق والغرب منذ عهد الإسكندر إلى عهد هرقل. 6. دعوة الإسلام: النظام الجديد يقدم الدواليبي رحمه الله تعالى الإسلام كمنقذ للبشرية من هذه الوحشية التشريعية. ويحدد ثلاث خصائص للشريعة الإسلامية: أولاً: عالمية الشريعة – تنظر إلى شعوب البشرية على أنها أسرة بشرية واحدة. يستشهد بقوله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم). ثانياً: إنسانية الشريعة – لا فرق فيها بين إنسان وإنسان في الكرامة الإنسانية. يستشهد بحديث النبي: (الخلق كلهم عيال الله، وأحبهم إليه أنفعهم لعياله). ثالثاً: رعاية مصالح الحياة – ترعى مصالح الحياة الإنسانية المتجددة كلها، لا فضل فيها لإنسان على إنسان، ولا لشعب على شعب. ويشير إلى أن هذه الدعوة جاءت تهز أركان نظام العالم القديم البالي، وسجلت سبقاً فعلياً على جميع دعوات المجتمع الحديث، حيث دعت إلى نظام مجتمع حديث بكل ما في الحداثة من جدة وسمو. 7. شهادة علماء الغرب ينقل الدواليبي شهادة أحد أساتذة الجامعات السويسرية من علماء المسيحية: "إن إصلاحات محمد قد حققت تقدمات ذات أبعاد غير متناهية، وذلك لدرجة تجعل محمداً في عداد أكبر العظماء الخادمين للإنسانية". 8. التطبيقات العملية في السيرة النبوية يقدم الدواليبي نماذج من واقع السيرة النبوية تجسد تطبيق هذه المبادئ: 1. زواج زيد بن حارثة (الذي كان رقيقاً سابقاً) من زينب بنت جحش (من أشرف الأسر العربية) بأمر من الله. 2. توليته أسامة بن زيد (ابن الرقيق السابق) قائداً على جيش فيه كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار. 3. الجمع بين مختلف الأعراق على قدم المساواة: سلمان الفارسي، وصهيب الرومي، وبلال الحبشي الأسود، إلى جانب سادة قريش. 4. قوله في سلمان الفارسي: (سلمان منا أهل البيت) – رفعه إلى مستوى أسرة النبي في الكرامة. 9. الجهاد: مفهومه الصحيح يخصص الدواليبي فقرة لتصحيح المفهوم الخاطئ عن الجهاد في الإسلام: · الإسلام أوجب القتال من أجل ضمان "حرية الدعوة إلى الخير" ومن أجل حماية "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". · الجهاد مشروع فقط عندما يمنع المسلمون من أداء هذه الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة. · الإسلام حرم الجهاد من أجل الإكراه في الدين. · ينتقد الدواليبي بشدة أن العالم أساء فهم هذا المبدأ، ولم يفهمه إلا من خلال كلمة "الحروب المقدسة" التي كانت تمارس من أجل التنصير أو الموت. 10. خاتمة الكتاب: خطبة حجة الوداع يختتم الدواليبي محاضرته بنص خطبة حجة الوداع، معتبراً إياها خلاصة جامعة لمبادئ الإسلام الإنسانية: "ألا أيها الناس إن إلهكم واحد... فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض... وإن النساء شقائق الرجال... وإنه لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأبيض على أسود، إلا بالتقوى... وإن الخلق كلهم عيال الله، وإن أحبهم إليه أنفعهم لعياله... وإنني تركتكم على المحجة البيضاء: ليلها كنهارها... وإنني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده: كتاب الله وسنة رسوله". خامساً: مناقشة الكتاب من عدة زوايا .1 مقارنة مع الكتاب الأول "ندوات علمية حول الشريعة الإسلامية" أوجه التشابه: (1). المنهجية الموحدة: في كلا الكتابين، يعتمد الدواليبي على المنهج المقارن، مستخدماً المصادر الغربية (الموسوعات، مؤرخون، قوانين) لتدعيم موقفه. هذا يعكس استراتيجية حوارية ذكية: مخاطبة الغرب بلغته وبمصادره. (2). التركيز على المشترك الإنساني: كلا الكتابين ينطلقان من فكرة أن الإسلام ليس غريباً عن القيم الإنسانية العالمية، بل هو أسبق إليها وأكثر رسوخاً. ففي الكتاب الأول كان التركيز على حقوق الإنسان، وفي الثاني على العدالة والمساواة في القانون. (3). فكرة "النظرة الكلية": ترد هذه الفكرة في كلا الكتابين بشكل متطابق تقريباً. ففي الكتاب الأول شرحها في سياق الحقوق الثقافية، وفي الثاني في سياق تعريف الشريعة. هذا يؤكد أنها كانت ركيزة أساسية في فكر الدواليبي. (4). التوثيق بالشهادات الغربية: في الكتاب الأول استشهد بموسوعة لاروس الفرنسية ومستشرقين، وفي الثاني استشهد بجورج سارتون وجواهر لال نهرو وأساتذة الجامعات الأوروبية. أوجه الاختلاف: (1). الجمهور والهدف: الكتاب الأول (الندوات) كان موجهاً إلى جمهور غربي – أوروبي مسيحي، بهدف الحوار وبناء الجسور. أما الكتاب الثاني (محاضرة مركز الملك فيصل) فكان موجهاً إلى جمهور إسلامي، بهدف التأكيد على الهوية والاعتزاز بالإرث الحضاري. (2). الأسلوب: الكتاب الأول يحمل طابعاً حوارياً جدلياً (سؤال وجواب)، بينما الكتاب الثاني يحمل طابعاً أكاديمياً إنشائياً (محاضرة متكاملة). الأول فيه حضور للآخر واعتراف بوجوده، والثاني فيه عرض ذاتي للتراث دون حضور مباشر للآخر. (3). المحتوى التاريخي المقارن: الكتاب الأول ركز على المقارنة بين الشريعة الإسلامية والمواثيق الدولية المعاصرة (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الميثاق الأوروبي). أما الكتاب الثاني فركز على المقارنة بين الشريعة والشرائع القديمة (الهندية واليونانية والرومانية). هذا يعكس اختلافاً في البعد الزمني للمقارنة. 4). )التحفظات والسياق السياسي: الكتاب الأول تضمن تحفظات رسمية على مواثيق حقوق الإنسان (الزواج، تغيير الدين، النقابات)، وهي تعكس موقفاً رسمياً للدولة السعودية في ذلك الوقت. أما الكتاب الثاني فكان أكثر تركيزاً على الجانب الحضاري والتاريخي، دون الخوض في تحفظات سياسية. (5). حضور "الآخر": في الكتاب الأول، كان "الآخر" (الأوروبي) حاضراً بقوة كطرف في الحوار. في الكتاب الثاني، يكاد "الآخر" يغيب ليحل محله عرض تاريخي مقارن، حيث الغرب القديم (اليونان وروما) هو موضوع المقارنة، وليس الغرب المعاصر. تقييم المنهجية المقارنة: يظهر من مقارنة الكتابين أن الدواليبي رحمه الله تعالى كان يتبنى منهجية ثابتة في خطابه الإسلامي: استخدام العلم الغربي والمنهج التاريخي المقارن لتأكيد سبق الإسلام وتميزه. هذه المنهجية كانت فعالة في زمنه (السبعينيات) حيث كان الغرب يعترف بمصداقية هذا النوع من الخطاب الأكاديمي. ومع ذلك، يمكن ملاحظة أن هذا المنهج يركز على "السبق" (الكمي الزمني) أكثر من التركيز على الجوهر (الكيفي الفلسفي). فهو يقول: الإسلام جاء أولاً، وأتى بما هو أفضل. وهذا صحيح تاريخياً، لكن السؤال الأعمق هو: هل "السبق" الزمني كافٍ لإثبات الصلاحية المعاصرة؟ .2 تحليل فكرة "سبق الإسلام في القانون" ومصداقيتها مكونات الفكرة: فكرة "سبق الإسلام" في فكر الدواليبي تقوم على عدة مستويات: (1). السبق الزمني: الإسلام جاء قبل المواثيق الدولية الحديثة بأربعة عشر قرناً، وقبل الإصلاحات الأوروبية بقرون. 2). )السبق في المبادئ: مبادئ الإسلام (وحدة الأسرة البشرية، المساواة في الكرامة، رفض التمييز) كانت موجودة في نصوصه قبل أن تظهر في الفكر الغربي الحديث. 3). )السبق في التطبيق: الإسلام لم يكتف بإعلان المبادئ، بل طبقها عملياً (كما في قصة سلمان الفارسي وزيد بن حارثة). (4). السبق في الضمانات: الإسلام أضاف ضمانات روحية (الثواب والعقاب في الآخرة) إلى الضمانات المادية. تحليل المصداقية: من الناحية التاريخية: العرض التاريخي الذي يقدمه الدواليبي عن وحشية الشرائع القديمة (الهندية واليونانية والرومانية) موثق بمصادر معترف بها، وهو يعكس جزءاً كبيراً من حقيقة تلك الحضارات. فعلاً، كانت العبودية ونظام الطبقات والتعذيب الوحشي سمات بارزة في تلك المجتمعات. من ناحية سبق الإسلام في المبادئ: يمكن القول إن المبادئ التي جاء بها الإسلام (المساواة، الكرامة، رفض التمييز) كانت فعلاً سبقاً حضارياً هائلاً مقارنة بما كان سائداً في العالم القديم. ففي الوقت الذي كانت فيه شريعة مانو تقر بأن "كل ما هو كائن في الوجود هو ملك للبراهمة"، كان الإسلام يعلن أن "الناس سواسية كأسنان المشط". وفي الوقت الذي كانت فيه شريعة الألواح الاثني عشر تبيح تقطيع المدين إرباً إرباً، كان الإسلام يأمر بالرفق والعدل. من ناحية المنهجية: الدواليبي يعتمد على مصادر غربية لتدعيم موقفه، وهذا يمنحه مصداقية في خطابه الموجه للغرب. .3 التركيز على الجانب التاريخي المقارن قوة الكتاب في هذا الجانب: (1). التفاصيل الدقيقة: يعرض الدواليبي تفاصيل مذهلة عن ألوان العقاب في الشرائع الهندية القديمة (بتر الأنوف، صب الرصاص المصهور، نشر الجسام، إلقاء المحكومين للوحوش). هذه التفاصيل – وإن كانت مروعة – تخدم غرضاً توثيقياً مهماً، حيث تظهر أن ما ينتقد في الشريعة الإسلامية من عقوبات (كالقطع والرجم) هو أهون بكثير مما كان سائداً في الحضارات التي يدعي الغرب أنه ورث عنها الحضارة. (2). توثيق المقارنات: يستند الدواليبي إلى مصادر متنوعة: نصوص قانونية قديمة (شريعة مانو، شريعة دراكون، الألواح الاثني عشر)، وشهادات مؤرخين معاصرين (نهرو)، وآراء أكاديميين (أستاذ الحقوق الرومانية في باريس). هذا يمنح المقارنة مصداقية أكاديمية. (3). المنهج الاستقرائي: يبدأ الدواليبي من الجزئيات (قوانين محددة، عقوبات معينة) ليصل إلى كليات (نظام الطبقات، امتيازات فئات دون أخرى). هذا المنهج يجعل الحجج مبنية على وقائع ملموسة. أهمية هذا الجانب: يبقى الجانب التاريخي المقارن أقوى جوانب الكتاب، وذلك للأسباب التالية: · يقدم وعياً تاريخياً مهماً للقارئ العربي المسلم بأن ما وصلت إليه الحضارة الغربية لم يكن نتاجاً لعبقرية ذاتية خالصة، بل كان نتيجة تراكم حضاري استفاد من تجارب البشرية كلها، بما فيها التجربة الإسلامية. · يكشف أن الكثير مما ينتقد في الشريعة الإسلامية (كالعقوبات البدنية) كان سائداً في الحضارات التي يتغنى بها الغرب، بل كان بأشكال أقسى بكثير. · يضع الإصلاحات الإسلامية في سياقها التاريخي، مما يجعل القارئ يقدر حجم التغيير الجذري الذي أحدثه الإسلام في نظام العالم القديم. الدكتور محمد سعيد(شادي) مصطفى أركي كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات الإسلامية Generations and Technology University https://gtuedu.org/blogs