قراءة في كتاب "دور المسلمين في بناء الحضارة الإنسانية في القانون" للدكتور محمد معروف الدواليبي(2) سادساً: اضاءات في فكر الدواليبي في الكتابين .1 إشكالية "الآخر" في خطاب الدواليبي يمكن تحليل كيفية تعامل الدواليبي مع "الآخر" (الغرب) في كتابيه. في الكتاب الأول، كان "الآخر" حاضراً كطرف في الحوار، له صوته وأسئلته، وكان الدواليبي يتفاعل معها بشكل إيجابي. في الكتاب الثاني، يكاد "الآخر" يغيب، ليحل محله صورة نمطية عن الغرب القديم (اليونان وروما) تقدم كخصم وهمي يُهزم بسهولة. هذا التحول يعكس إشكالية أوسع في الخطاب الإسلامي المعاصر: هل نحن في حالة "حوار" مع الغرب أم في حالة "دفاع" عن الذات؟ وهل يمكن الجمع بين الاثنين دون الوقوع في التبسيط أو الانتقائية؟ .2 توظيف المصادر الغربية: بين الإستشهاد والتأكيد يمكن تحليل طريقة استخدام الدواليبي للمصادر الغربية (سارتون، نهرو، أساتذة الجامعات الأوروبية). هذه الاستراتيجية تحقق أهدافاً متعددة: · تكسب الخطاب مصداقية في عيون القارئ الغربي. · تظهر أن الحقائق الإسلامية معترف بها حتى من قبل غير المسلمين. · تقدم نموذجاً للاستفادة من مناهج الغرب في خدمة الخطاب الإسلامي. لكن يمكن أيضاً نقد هذه الاستراتيجية: لماذا يحتاج المسلم إلى مصادقة الغرب على قيمه؟ أليس في هذا اعتراف غير مباشر بأن الحقيقة الإسلامية لا تقوم بذاتها؟ الدواليبي يجيب ضمنياً بأن هذا ضروري لمرحلة الحوار وبناء الجسور، لكنه يظل سؤالاً يستحق التأمل. .3 نظرية "النظرة الكلية": أصالة المنهج وحدوده يمكن تحليل نظرية "النظرة الكلية" التي يكررها الدواليبي في كتابيه. هذه النظرية – التي تقول إن نظرة الإسلام إلى أي قضية جزئية (كحقوق الإنسان، أو القانون) لا يمكن فهمها إلا في سياق النظرة الكلية إلى الله والكون والإنسان – هي إضافة منهجية مهمة للفكر الإسلامي المعاصر. فهي تحول النقاش من مستوى الجزئيات (هل الإسلام يسمح بكذا؟) إلى مستوى الكليات (ما هو تصور الإسلام للإنسان والوجود؟). لكن يمكن ملاحظة أن الدواليبي لا يطبق هذه النظرية بشكل متسق في الكتاب الثاني. فالمقارنة التاريخية مع الشرائع القديمة تظل في مستوى الجزئيات (قوانين محددة، عقوبات معينة) دون العودة إلى النظرة الكلية لتلك الحضارات (كفلسفة أفلاطون وأرسطو، أو نظرة الرواقيين للإنسان). لو طبق النظرية بشكل متسق، لكان قارن بين النظرة الكلية للإسلام (الاستخلاف، الكرامة، المسؤولية) والنظرة الكلية للفلسفة اليونانية (الإنسان كحيوان ناطق، أو كأسير في الجسد). .4 الخطاب الدفاعي مقابل الخطاب البناء يمكن تحليل طبيعة الخطاب في الكتاب: هل هو خطاب دفاعي (يدافع عن الإسلام ضد الانتقادات) أم خطاب بناء (يقدم رؤية إيجابية مستقلة)؟ في الكتاب الأول، الخطاب أقرب إلى الدفاع (الرد على أسئلة الوفد الأوروبي حول العقوبات، المرأة، التحفظات). في الكتاب الثاني، الخطاب أقرب إلى البناء (عرض إيجابي لإسهامات الإسلام دون رد مباشر على منتقدين محددين). هذا التطور يعكس نضجاً في الفكر الإسلامي: من مرحلة "الرد على الشبهات" إلى مرحلة "تقديم الرؤية". لكن يبقى السؤال: هل الخطاب الإسلامي المعاصر قادر على تجاوز المرحلة الدفاعية بالكامل؟ أم أن الظروف السياسية والإعلامية العالمية تفرض عليه البقاء في موقع المدافع؟ .5 قراءة في ضوء النقد ما بعد الاستعماري يمكن قراءة الكتاب في ضوء نظريات النقد ما بعد الاستعماري التي تهتم بكيفية بناء خطاب الذات (المسلم) مقابل الآخر (الغرب). في هذا الإطار، يمكن ملاحظة أن الدواليبي يمارس نوعاً من "قلب المعادلة: فبينما كان الخطاب الاستشراقي يصور الإسلام على أنه متخلف وقاس، يقدم الدواليبي صورة معاكسة: الغرب القديم هو المتخلف والقاسي، والإسلام هو الحضارة والإنسانية. هذا النوع من "قلب المعادلة" كان شائعاً في الخطاب ما بعد الاستعماري في الستينيات والسبعينيات. لكن النقد ما بعد الاستعماري المعاصر يذهب إلى أن "قلب المعادلة" لا يكفي، لأنه يبقى أسيراً لإطار الخصم. الأكثر تقدماً هو تجاوز ثنائية "نحن" و"هم" إلى أفق إنساني مشترك. الدواليبي يلمح إلى هذا الأفق من خلال فكرة "وحدة الأسرة البشرية" و"الخلق كلهم عيال الله"، لكنه لا يطبقه بشكل كامل في منهجه. .6 قيمة الكتاب في السياق المعاصر يمكن تحليل قيمة الكتاب اليوم، بعد مرور حوالي خمسين عاماً على إلقاء المحاضرة: · قيمة تاريخية: يوثق الكتاب مرحلة مهمة من مراحل الفكر الإسلامي المعاصر، حيث كان العلماء المسلمون يحاولون بناء جسور مع الغرب بلغة علمية مشتركة. · قيمة منهجية: يقدم نموذجاً للاستفادة من مناهج الغرب (التاريخ المقارن، التوثيق، النقد المصادري) في خدمة الخطاب الإسلامي. · قيمة توثيقية: يسجل شهادات مهمة عن قسوة الشرائع القديمة، ويساهم في الوعي التاريخي بالقفزة النوعية التي أحدثها الإسلام. · قيمة حوارية: يقدم نموذجاً للخطاب الإسلامي الذي يخاطب الغرب بلغة يفهمها ويحترمها. سابعاً: خلاصة وتقييم عام .1 إسهامات الكتاب (1). إثبات سبق الإسلام في المبادئ الإنسانية: يقدم الكتاب توثيقاً مقنعاً بأن المبادئ التي وصل إليها الغرب بعد قرون من التطور كانت موجودة في الإسلام منذ البداية. (2). تصحيح الصورة عن الشرائع القديمة: يكشف الكتاب عن وحشية القوانين الهندية واليونانية والرومانية، مما يضع العقوبات الإسلامية في سياقها التاريخي الصحيح. (3). تقديم نموذج للخطاب الحضاري: يقدم الدواليبي نموذجاً للخطاب الإسلامي الذي يخاطب الآخر بلغة علمية مشتركة، ويستفيد من مناهج الغرب لخدمة رسالة الإسلام. (4). التأكيد على عالمية الإسلام: يثبت الكتاب أن الإسلام ليس ديناً عربياً أو إقليمياً، بل رسالة عالمية للإنسانية جمعاء. (5). التطبيقات العملية: يقدم الكتاب نماذج من السيرة النبوية تجسد المبادئ الإسلامية بشكل عملي، مما يجعل النظريات مجسدة في واقع تاريخي. .2وقفات مع الكتاب في سياقه بعد هذه القراءة التحليلية الموسعة، لا بد من وقفات متواضعة مع الكتاب، لا بقصد التقليل من قيمته أو الانتقاص من جهده، بل في إطار السعي إلى قراءة أكاديمية منصفة تراعي سياق الكتاب وظروف إنتاجه. أولاً – طبيعة الخطاب وهدفه: من المهم أن ندرك أن الدكتور الدواليبي لم يكن في محاضرته في موقع الباحث المحايد الذي يكتفي بالوصف والتسجيل، بل كان عالماً مسلماً وداعية، يكتب من داخل الإسلام لا من خارجه . ويخاطب جمهوراً مسلماً في محاضرة بمركز الملك فيصل، وهدفه الأساسي تعزيز الثقة في التراث الإسلامي ورد ما يراه تشويهاً من حملات استشراقية طالت الإسلام والمسلمين لقرون. في هذا السياق، فإن ما قد يبدو للقارئ اليوم "مثالية" في عرض الإسلام، هو في الحقيقة تعبير عن ثقة بالذات وحاجة إلى استعادة التوازن بعد قرون من الانكسار الحضاري. وهي ضرورة مرحلية مفهومة في سياقها الزمني. ثانياً – منهج المقارنة والانتقائية: اعتمد الدواليبي في عرضه على مقارنة نصوص الشريعة الإسلامية (بمثالية عالية) مع واقع تطبيقات الشرائع القديمة (بما فيها من قسوة). وهذا المنهج – وإن كان مشروعاً في خطاب الرد على التشويه – قد يبدو للقارئ الناقد أنه لم يوازن بين النصوص والنصوص، أو بين التطبيقات والتطبيقات. لكن الإنصاف يقتضي أن نذكر أن هذا النوع من "الانتقائية" كان متبادلاً: فالمستشرقون قبله كانوا ينتقون من تاريخ الإسلام ما يخدم غرضهم في تشويه صورته، ولم يكونوا أكثر توازناً في أحكامهم. كما أن الهدف الأساسي للدكتور الدواليبي لم يكن تقديم دراسة تاريخية متوازنة عن الحضارة الهندية أو اليونانية، بل كان استعادة الوعي بالسبق الحضاري الإسلامي، وهو هدف مشروع في سياقه. ثالثاً – التطور الغربي والإصلاحات اللاحقة: لم يتعرض الكتاب للإصلاحات القانونية التي حدثت في الغرب عبر العصور: من عصر النهضة إلى عصر التنوير، ومن الثورات الديمقراطية إلى إعلانات حقوق الإنسان. وهذا التركيز على الغرب القديم دون الغرب الحديث كان مقصوداً: لأن الهدف كان إظهار أن القيم التي يتغنى بها الغرب اليوم لم تكن موجودة في تراثه القديم، بل جاء بها الإسلام أولاً. ولو أجرى الدواليبي مقارنة معاصرة، لربما كان السبق الإسلامي أقل وضوحاً في بعض القضايا، لكن ذلك لم يكن موضوع كتابه ولا هدفه الأساسي. رابعاً – الخلط بين النص والتطبيق: قد يلاحظ القارئ أن الدواليبي يقارن أحياناً بين نصوص الشريعة الإسلامية (بمثالية عالية) وتطبيقات الشرائع القديمة (بواقع قاس)، دون أن يتعرض للتطبيقات التاريخية للإسلام التي لم تكن دائماً على مستوى النصوص. وهذا – مع الاعتراف بأنه موضع نقاش – يمكن فهمه في إطار أن همّ الكاتب كان تقديم الإسلام كمنظومة تشريعية متكاملة، وليس استعراض تاريخ تطبيقات المسلمين الذي شهد – كأي تاريخ بشري – تقلبات بين الالتزام والإخفاق. كما أن كثيراً من الانتقادات التي وجهت للتطبيقات التاريخية للإسلام كانت في الواقع خروجاً عن أحكام الشريعة، وليست ناتجة عنها. خامساً – غياب الإشكاليات المعاصرة: لم يتعرض الكتاب للتحديات التي تواجه تطبيق الشريعة في العصر الحديث، مثل قضايا المرأة في المجتمعات المعاصرة، أو العلاقة مع غير المسلمين في الدول المتعددة الثقافات. لكن هذا الغياب ليس نقصاً في الكتاب بقدر ما هو انعكاس لطبيعة المحاضرة التي ركزت على البعد التاريخي المقارن، وليس على القضايا المعاصرة. وقد عالج الدواليبي بعض هذه الإشكاليات في كتابه الأول "ندوات علمية حول الشريعة الإسلامية" بشكل وافٍ. خلاصة الوقفات: هذه الوقفات ليست نقضاً لقيمة الكتاب، بل هي محاولة لفهمه في سياقه، وللإنصاف لمشروعه الفكري الذي استمر عقوداً في خدمة الإسلام والدفاع عنه في المحافل الدولية. فالكتاب يظل عملاً فكرياً رائداً في مجال الدراسات الإسلامية المقارنة، يتميز بمنهجية علمية تعتمد على المقارنة التاريخية والتوثيق بالمصادر الغربية، ويقدم نموذجاً مهماً للخطاب الإسلامي الذي يخاطب الآخر بلغة يفهمها، ويعتز بتراثه دون أن يقع في فخ الدونية أو الانغلاق. وهو بذلك يستحق أن يقرأ ويدرس، وأن يكون مصدر إلهام للأجيال الجديدة في منهجية التعامل مع التراث الإسلامي في سياقه الحضاري العالمي. خاتمة : يبقى كتاب "دور المسلمين في بناء الحضارة الإنسانية في القانون" للدكتور محمد معروف الدواليبي عملاً فكرياً رائداً في مجال الدراسات الإسلامية المقارنة. يتميز بمنهجية علمية تعتمد على المقارنة التاريخية والتوثيق بالمصادر الغربية، مما يجعله أداة مهمة في الحوار الحضاري بين الإسلام والغرب. ويظل الكتاب شاهداً على مرحلة مهمة من مراحل الفكر الإسلامي المعاصر، حيث كان العلماء المسلمون يسعون إلى بناء جسور من التفاهم مع الغرب، وتقديم الإسلام كرسالة إنسانية عالمية تصلح لكل زمان ومكان. قيمة الكتاب تتجاوز زمنه، فهو يقدم نموذجاً للخطاب الإسلامي الرصين الذي يجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين الانفتاح على الآخر والثبات على المبادئ. وهو بذلك يستحق أن يقرأ ويدرس في الأوساط الأكاديمية والثقافية العربية والإسلامية، وأن يكون مصدر إلهام للأجيال الجديدة في منهجية التعامل مع التراث الإسلامي في سياقه الحضاري العالمي. شكر وتقدير لا يفوتني في ختام هذه القراءة التحليلية أن أتقدم بخالص الشكر والتقدير والعرفان للأستاذ الفاضل نوفل الدواليبي، ابن العلامة الجليل الدكتور محمد معروف الدواليبي رحمه الله، الذي تفضل مشكوراً بتقديم النسخ الإلكترونية من مؤلفات والده، كما ساندني بالمعلومات القيمة والوثائق التاريخية التي أضافت إلى هذا البحث بعداً توثيقياً مهماً، وأتاحت لي فرصة الغوص في فكر هذا العالم الكبير من مصادره الأصلية. فله مني جزيل الشكر وعظيم الامتنان، وأسأل الله أن يجعل هذا العمل في ميزان حسنات والده، وأن يبارك له في علمه وجهده، وأن ينفع به الأمة الإسلامية. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات الدكتور محمد سعيد(شادي) مصطفى أركي كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات الإسلامية Generations and Technology University https://gtuedu.org/blogs